كيف يُنادى الإمام المهدي قبل ولادته؟
السؤال: ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) دعاء يندب وينادي به الإمام صاحب العصر (عجَّل الله فرجه) وهو قوله: «سيِّدي، غيبتك نفت رقادي، وضيَّقت عليَّ مهادي، وأسرت مني راحة فؤادي»، فكيف يندب أمامنا الصادق صاحب الزمان وهو لم يولد بعد، أرجو توضيح ذلك؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
يُشير الأخ السائل إلى ما رواه الشيخان الصدوق والطوسيُّ (طاب ثراهما)، واللفظ للأوّل، بالإسناد إلى سدير الصيرفيّ قال: «دخلتُ أنا والمفضَّل بن عمر، وأبو بصير، وأبان بن تغلب على مولانا أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) فرأيناه جالساً على التراب وعليه مسحٌ خيبريٌّ مطوَّق بلا جيب، مُقصِّر الكمين، وهو يبكي بكاء الواله الثكلى، ذات الكبد الحرَّى، قد نال الحزن من وجنتيه، وشاع التغيير في عارضيه، وأبلى الدموع محجريه وهو يقول:
سيِّدي غيبتك نفت رقادي، وضيَّقت عليَّ مهادي، وابتزَّت مني راحة فؤادي، سيِّدي غيبتك أوصلت مصابي بفجايع الأبد، وفقد الواحد بعد الواحد يفنى الجمع والعدد، فما أحسّ بدمعةٍ ترقى من عيني، وأنينٍ يفتر من صدري عن دوارج الرزايا وسوالف البلايا إلَّا مثل بعيني عن غوابر أعظمها وأفظعها، وبواقي أشدّها وأنكرها ونوائب مخلوطة بغضبك، ونوازل معجونة بسخطك. قال سدير: فاستطارت عقولنا ولهاً، وتصدَّعت قلوبنا جزعاً من ذلك الخطب الهائل، والحادث الغائل، وظنّنا أنه سمت لمكروهة قارعة، أو حلَّت به من الدهر بائقة.
فقلنا: لا أبكى الله ـ يا ابن خير الورى ـ عينيك من أيَّة حادثةٍ تستنزف دمعتك وتستمطر عبرتك، وأيَة حالةٍ حتمت عليك هذا المأتم؟
قال: فزفر الصادق (عليه السلام) زفرةً انتفخ منها جوفه، واشتد عنها خوفه، وقال: ويلكم، نظرتُ في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم ـ وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرزايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة الذي خصَّ الله به محمَّداً والأئمَّة من بعده (عليهم السلام) ـ وتأمَّلت منه مولد غائبنا وغيبته، وإبطاءه وطول عمره، وبلوى المؤمنين في ذلك الزمان، وتولُّد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته وارتداد أكثرهم عن دينهم، وخلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم التي قال الله تقدَّس ذكره: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ يعني الولاية، فأخذتني الرقَّة، واستولت عليَّ الأحزان» ... الحديث) [كمال الدين ص352، الغيبة للطوسي ص167].
إذا بان هذا واتضح، فاعلم بأنَّ الإمام (عليه السلام) قد بيَّن في ـ الرواية نفسها ـ الوجه في ندبة صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) وهو لم يولد بعد، وذلك بقوله (عليه السلام): «ويلكم نظرتُ في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم ـ وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرزايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة الذي خصَّ الله به محمَّداً والأئمَّة من بعده (عليهم السلام) ـ وتأمَّلت منه مولد غائبنا وغيبته وإبطاءه وطول عمره وبلوى المؤمنين في ذلك الزمان، وتولُّد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته وارتداد أكثرهم عن دينهم، وخلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم».
وخلاصة المراد من كلامه (عليه السلام): أنه لما نظر في كتاب (الجفر) ورأى ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) ورأى طول غيبته، وحيرة أتباعه، وشكوك بعضهم، وارتداد أكثرهم عن دينهم بكى لذلك تحرُّقاً وألماً وقام بندبة ولده الإمام (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف) بهذه الكلمات المفجعة.
هذا، ولا بأس بإشارةٍ سريعة حول كتاب (الجفر) الذي ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) والذي أصبح مورداً للتشنيع من قبل بعض المخالفين، فنقول:
لقد عرَّف الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله المتقدِّم كتاب الجفر فقال: «هو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرزايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، الذي خصَّ الله به محمَّداً والأئمَّة من بعده». كما أنه مشتمل على علم النبيين والوصيين وغيرهم، وكذلك والحلال والحرام وسائر ما تحتاجه الناس، كما جاء في أخبارهم (عليهم السلام)، فقد روى الشيخ الكلينيُّ (طاب ثراه) بسنده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) – في حديث -: «ثمَّ سكت ساعة، ثمَّ قال: وإنَّ عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟ قال: قلت: وما الجفر؟ قال: وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل» [الكافي ج1 ص239].
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ ندبة الإمام الصادق (عليه السلام) لولده الإمام الحجَّة (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف) قبل ولادته، من أجل ما رآه في كتاب الجفر المخزون عندهم (عليهم السلام) .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق