هل أقرَّ الإمام الجواد بفضل الرجلين؟
السؤال: هل أقرَّ مولانا أبو جعفر الجَواد (عليه السلام) بفضل الشيخين عندما سأله يحيى بن أكثم عنهما، حيث قال (عليه السلام): «لستُ بمنكرٍ فضل أبي بكر». وقال: «لستُ بمنكرٍ فضل عمر»؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
يُشير الأخ السائل إلى ما رواه العلَّامة الطبرسيُّ (طاب ثراه)، حيث قال: (روي: أنَّ المأمون بعدما زوَّج ابنته أم الفضل أبا جعفر، كان في مجلسٍ وعنده أبو جعفر (عليه السلام) ويحيى بن أكثم وجماعةٌ كثيرةٌ ... إلى قوله: فقال أبو جعفر (عليه السلام): لستُ بمنكرٍ فضل أبي بكر .... فقال يحيى: وقد روي: «أنَّ السكينة تنطق على لسان عمر»؟ فقال (عليه السلام): لستُ بمنكرٍ فضل عمر، ولكنَّ أبا بكر أفضل من عمر، فقال على رأس المنبر: «إنَّ لي شيطاناً يعتريني، فإذا ملتُ فسدِّدوني».
فقال يحيى: قد روي: أنَّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) قال: «لو لم أُبعث لبعث عمر»؟. فقال (عليه السلام): كتاب الله أصدق من هذا الحديث ... فقال يحيى بن أكثم: وقد روي أيضاً: أنَّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) قال: «ما احتبس عني الوحي قطُّ إلَّا ظننته قد نزل على آل الخطَّاب)؟. فقال (عليه السلام): وهذا محالٌ أيضاً ... قال يحيى: روي: أنَّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) قال: «لو نزل العذاب لما نجى منه إلَّا عمر»؟ فقال (عليه السلام): وهذا محالٌ أيضاً ... الرواية) [الاحتجاج ج2 ص245].
ولنا على هذا الخبر المنقول جملةٌ من الملاحظات، نُوجزها في أمور:
الأمر الأوَّل: إنَّ الخبر المذكور ـ مع قطع النظر عن سنده ـ كان من باب التقيَّة التي كان يعيشها الإمام الجَواد (عليه السلام) آنذاك. وعليه، فلا يكون المدح المذكور صادراً لبيان الواقع، كما هو واضح.
والقرينة على ذلك: أنَّ الإمام (عليه السلام) كان في مجلس المأمون العبَّاسي، فلاحظ قوله: (روي أنَّ المأمون بعدما زوَّج ابنته أم الفضل أبا جعفر، كان في مجلسٍ، وعنده أبو جعفر (عليه السلام)، ويحيى بن أكثم، وجماعةٌ كثيرةٌ ... إلى آخر كلامه. مضافاً إلى سؤاله عن الرجُلين الذي يُراد من ورائه إحراج الإمام الجواد (عليه السلام) أمام المأمون العبَّاسي وبيان موقفه منهما بشكلٍ علنيٍّ وواضحٍ، خصوصاً مع فشل ابن أكثم الذريع في اختبار الإمام (عليه السلام) في مجلسٍ سابقٍ، فقد روي: أنَّه (اجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم ـ وهو يومئذٍ قاضي الزمان ـ على أنْ يسأله مسألةً لا يعرف الجواب فيها، ووعدوه بأموالٍ نفيسةٍ على ذلك ... الرواية) [الاحتجاج ج2 ص241].
وبناءً على هذا، فلم يكن الإمام (عليه السلام) في صدد المدح الواقعيّ لهما، وإنما كان من باب التقيَّة ودفع الخطر عن نفسه.
الأمر الثاني: إنَّ الملاحِظ لهذه الرواية يرى حُكم الإمام (عليه السلام) بكذب هذه الروايات التي نقلها ابن أكثم؛ ولذلك فهو في مقام الذم بصورةٍ غير مباشرة، وكذلك ما يُفهم من استشهاده (عليه السلام) ـ فيها ـ بقول النبي (صلَّى الله عليه وآله): «قد كثرت عليَّ الكذَّابة وستكثر بعدي، فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».
الأمر الثالث: إنَّ الملاحِظ لموقف أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) ـ عامَّة ـ من الرجلين يجده واضحاً في ذلك، ومنهم إمامنا الجواد (عليه السلام)، نذكر موقفاً واحداً من ذلك؛ رغبةً في الاختصار.
فقد روى أبو جعفر الطبريُّ بسنده عن زكريا بن آدم، قال: «إني لعند الرضا (عليه السلام) إذْ جيء بأبي جعفر (عليه السلام)، وسنُّه أقل من أربع سنين، فضرَبَ بيده إلى الأرض، ورفع رأسه إلى السماء فأطال الفكر، فقال له الرضا (عليه السلام): بنفسي أنت، لم طال فكرك؟ فقال (عليه السلام): فيما صُنع بأمي فاطمة (عليها السلام)، أما والله لأخرجنَّهما ثمَّ لأحرقنَّهما، ثمَّ لأذرينَّهما، ثمَّ لأنسفنَّهما في اليمِّ نسفاً. فاستدناه، وقبَّل ما بين عينيه، ثمَّ قال: بأبي أنت وأمي، أنت لها. يعني: الإمامة) [دلائل الإمامة ص400، مدينة المعاجز ج7 ص324، منتهى الآمال ج2 ص324]، وغيرها.
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ الإمام الجواد (عليه السلام) لم يكن في صدد المدح أبداً، وإنما كان في مقام الذمّ كما بينا .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق