دور المرأة في دولة العدل الإلهيّ
السؤال: هل للعنصر النِسويّ دورٌ في دولة العدل الإلهيّ في آخر الزمان؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
يعدّ السؤال المطروح واحداً من أبرز الأسئلة التي تحتفّ بها نهضة الإمام المهديّ (عجّل الله فرجه)؛ لِمَا له من تأثيرٍ بالغٍ في خلق حالةٍ من التأهّب والاستعداد عند المرأة المسلمة؛ برجاء أن تشملها عناية السماء فتفوز بِدَورٍ معيّنٍ سواءٌ في التمهيد للنهضة المهدويّة المباركة، أم الإسهام فيها، أم المشاركة في الدولة الناجمة عنها، فالمرأة شريكة الرجل في الخلافة الإلهيّة على الأرض، وإذا ما كانت الأمم السالفة قد بخستها قيمتها ومكانتها فلابدّ وأن تُعاد الأمور إلى نصابها في ظلّ دولة العدل الإلهيّ المرتقبة.
تشير المعطيات التي بين أيدينا إلى وجود دورٍ بارزٍ وفعّالٍ للمرأة في تلك الدولة الإلهيّة، والإجابة عن السؤال المطروح في الوقوف على طبيعة هذا الدور تتبلور من جهتين:
الجهة الأولى: ما يستفاد من عمومات وإطلاقات القرآن الكريم:
فبالعود إلى آيات الذكر الحكيم نجد أنّ هنالك عدّة شواهد تكشف عن حتميّة وجود دورٍ بارزٍ وكبيرٍ للمرأة في دولة العدل الإلهيّ، فمن ذلك:
الشاهد الأوّل: السنن التاريخيّة الثابتة:
فمن المعلوم أنّ حركة التأريخ البشريّ لم تكن حركةً جزافيّةً واتفاقيّة، كما أنّ حوادثه لا تقع بمحض الصدفة أبداً، بل التاريخ بكلّ مفاصله وأحداثه خاضع لقانون الحاكميّة الإلهيّة في الأرض، ويسير وفق حكمة التدبير، وينساق تبعاً للسنن الكونيّة الثابتة التي قال الله تعالى عنها: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43]، ومن تلك السنن التي تكرّرت في حركات الأنبياء الإصلاحيّة عبر التأريخ وجود دورٍ بارزٍ للمرأة فيها وفي حياة قادتها، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد للسيدة هاجر دوراً في حركة النبيّ إبراهيم (ع)، ولأمّ موسى (ع) دورها في رسالته، وللسيدة مريم مع ابنها المسيح (ع)، وهكذا حتّى نصل إلى رسالة الحبيب المصطفى (ص) باعتبارها الرسالة الخاتمة، فنجد للسيدة خديجة الكبرى الدور الأبرز من بين نساء العالمين عبر التأريخ فهي أوّل من آمن من النساء وصدّق النبيّ (ص) في دعوته وقامت قائمة الإسلام على أموالها.
وعلى نمط حركات الأنبياء (ع) جاءت الجهود الإصلاحيّة التي مارسها الأئمّة الأطهار (ع)، فوقفت الزهراء (ع) إلى جنب بقيّة أصحاب الكساء سواء في الدفاع عن أصل الدعوة، أم عن مشروع الإمامة الإلهيّة، حتّى ضحّت بنفسها الشريفة وجنينها المحسن (ع). وكانت لابنتها السيدة زينب شراكة ووصاية أكملت بهما الفصل الثاني من فصول النهضة الحسينيّة. ولا يمكن أنْ نتجاهل أدوار نساءٍ أخرياتٍ في حياة الأئمّة؛ كأمّ البنين والسيّدة فاطمة المعصومة والسيّدة حكيمة بنت الجواد والسيّدة نرجس (ع)، وغيرهنّ الكثير.
والنهضة المهدويّة بوصفها آخر حركةٍ إصلاحيّةٍ عالميّةٍ، ومجمعاً لأهداف الرسالات السماويّة سوف لن تخرج عن إطار تلك السنن ولا تبتعد عن مسار حركات الأنبياء والأئمّة (ع)، فلابدّ وأن يكون للمرأة دورها البارز في هذه الحركة الخاتمة كما كان لها دورٌ في صدر الرسالة الخاتمة، ومع أنّ الروايات التي وصلتنا في ذلك قليلةٌ جدّاً قياساً إلى الكمّ الهائل من مرويّات النهضة وما يرتبط بها، إلّا أنّ حتميّة دور المرأة فيها تتّضح بملاحظة ما ذكرناه من خاصيّة الثبوت لتلك السنن.
الشاهد الثاني: ممّا لا شك فيه أنّ الشريعة الإسلاميّة لا تستثني المرأة من الشمول بمنظومة الواجبات والحقوق أسوةً بالرجل، فيجب عليها تحمّل مسؤوليّة التكاليف الشرعيّة، وفقاً لما يتناسق مع تكوينها الخاصّ، وينسجم مع طبيعة وظيفتها في الحياة الاجتماعيّة، فلابدّ لها من السعي نحو الكمال عبر الإيمان بالرسالة الخاتمة والالتزام بتعاليمها، وأنّها سوف تُساءل وتحاسب يوم القيامة شأنها شأن الرجل في ذلك، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
ومثلما يضمن الإسلام للرجل حقوقه فإنّه أيضاً يضمن للمرأة حقوقها، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: 32].
وبالعود إلى تلك التكاليف والمسؤوليات التي ألقى بها الإسلام على عاتق المرأة نجد القرآن الكريم يصدّر فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويجعلها في طليعة الوظائف المناطة بها كما الرجل على حدّ سواء، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71]، ومن الواضح أنّ هذه الوظيفة هي محور حركات المصلحين الربّانيّين على مرّ التأريخ، فما من نبيٍّ جاء بدعوة، ولا إمامٍ قام بنهضةٍ إلّا وكان يستهدف الإصلاح عبر هذه الفريضة المقدّسة، وهذا شاهدٌ آخر يؤكّد لنا حتميّة وجود دور للمرأة في النهضة المهدويّة المباركة بوصفها واحدةً من تلك الحركات الإصلاحيّة، بل الأبرز من بينها على الإطلاق، هذا فضلاً عن شموليّة حركة الإصلاح المهدويّ لجميع مجالات الحياة حتّى التربويّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة، ممّا ينبئ بمدى الحاجة إلى المرأة في ميدان إصلاح العنصر النِسويّ في مختلف مجتمعات العالم.
الجهة الثانية: ما جاء في نصوص العترة الطاهرة (ع):
فإنّ المتحصّل من تلك النصوص - على قلّتها - أنّ للمرأة حضوراً متميّزاً في دولة العدل الإلهيّ ونهضة الإمام (ع) بإطارها العام، فمن ذلك:
الرواية الأولى: ما رواه العيّاشيّ في تفسيره عن جابر الجعفيّ عن أبي جعفر الباقر (ع) في خبر طويل قال فيه: «...ويجيء، والله ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فيهم خمسون امرأةً يجتمعون بمكّة على غير ميعاد قَزَعَاً كَقَزَعِ الخريف يتبع بعضهم بعضاً... ثمّ يخرج مِن مكّة هو ومَن معه الثلاثمائة وبضعة عشر يبايعونه بين الركن والمقام...» [تفسير العيّاشيّ ج1 ص65]. و(قَزَع الخريف): هي قطع السحاب المتفرّقة، وإنّما خص الخريف لأنّه أول الشتاء والسحاب يكون فيه متفرقاً غير متراكمٍ ولا مُطبقٍ ثمّ يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك. [ينظر: غريب الحديث لابن سلام ج1 ص185، النهاية في غريب الحديث ج4 ص59].
والذي يمكن استفادته من هذه الرواية هو أنّ نسبة مشاركة المرأة في دولة العدل الإلهيّ وعموم النهضة المباركة تتراوح تقريباً ما بين (16%) على فرض دخول الخمسين في عداد الثلاثمائة وثلاثة عشر، و (14%) على فرض خروجهنّ منه، ولكلّ من الفرضين قرائنه التي تساعد على استظهاره، ولا مجال لتفصيل الكلام في ذلك.
الرواية الثانية: ما أخرجه محمّد بن جرير الطبريّ الشيعيّ بإسناده عن المفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: «يَكِرُّ مع القائم (ع) ثلاث عشرة امرأةً. قلت: وما يصنع بهنَّ؟ قال: يُداوينَ الجرحى، ويقمنَ على المرضى، كما كان مع رسول الله (ص)، قلت: فَسَمِّهِنَّ لي. فقال: القنواء بنت رشيد، وأم أيمن، وحَبَابة الوالبيّة، وسُميّة أم عمّار بن ياسر، وزبيدة ، وأم خالد الأحمسيّة، وأم سعيد الحنفيّة، وصبانة الماشطة، وأم خالد الجهنيّة» [دلائل الإمامة ص484]. ومعنى «يَكِرُّ» يعني: يرجع، فالنسوة المذكورات جميعهنّ من أهل الرجعة مع الإمام (ع)، ولا يُعلم السرّ وراء ذكر تسعٍ منهنَّ دون البواقي، وهل أنهنَّ من ضمن الخمسين امرأة أم غيرهنَّ؟، وغاية ما يستفاد أنّ هؤلاء النسوة الثلاث عشرة يُؤدِّينَ واجباً إنسانيّاً ودعماً لوجستيّاً لجيش الإمام (عج)، وليس بالضرورة أن يقمنَ بذلك مباشرة، فلربّما كانت كلّ واحدة منهنّ مسؤولة عن فريق نِسويٍّ كبير يقوم بهذه المهمّة.
لكنْ.. يبقى السؤال الأبرز في المقام هو: أنّ الفقه الإسلاميّ منذ تأسيسه على يد المشرّع (ص) إلى يومنا هذا لا يرى جواز تولّي المرأة للمناصب الحكوميّة كالخلافة (الرئاسة) والوزارة والولاية والقضاء ونحو ذلك؛ معلّلاً موقفه هذا بما يحكم به المنطق والوجدان من امتياز المرأة بضعفها العاطفيّ وسرعة تأثرها شعوريّاً، وعليه، فهل تقتصر وظيفة المرأة في عصر الظهور على الوظائف المذكورة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقديم الدعم اللوجستيّ ونحو ذلك، أم يمكن لها أن تشاطر الرجل في تولّي المناصب العليا في إدارة دولة العدل الإلهيّ المرتقبة؟
في مقام الجواب يقدّم لنا بعض العلماء أطروحةً معقولةً وممكنةً جدّاً، حاصلها: أنّه لا يجوز إلزام الإمام (عج) بذلك؛ لأنّ الكثير من الأحكام ستتغيّر في عصره، ووجود خمسين امرأة بين الثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أصحاب الألويّة (أي وزراء الإمام وقادته) يرشدنا إلى إمكانيّة أن يحكم هؤلاء النسوة خمسين إقليماً من أقاليم العالم المختلفة، وهو أمر لم تصل اليه المرأة في تاريخ المجتمعات وأنظمة الحكم! لذلك نستطيع أن نقول: إنّ الإمام المهدي (ع) هو الذي سيرفع ظلامة المرأة، ويعطيها مكانتها التي تستحقها في العالم، في جوٍّ رفيع من القيم واحترام إنسانيّة الإنسان [ينظر: المعجم الموضوعيّ لأحاديث الإمام المهديّ ص353].
ويؤيّد هذه الأطروحة ما جاء عن الإمام الباقر (ع) من قوله: «وتؤتون الحكمة في زمانه حتّى أن المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسُنَّة رسول الله (ص)» [الغيبة للنعمانيّ ص245].
ولعل السرّ في إمكانيّة تولّي المرأة لمثل هذه الأدوار القياديّة يعود إلى تكامل الوعي البشريّ في عصره (ع) بنحو تتحرّر المرأة معه من أسر العاطفة إلّا في موضعها المناسب لها، فقد روى الكلينيّ والصدوق بإسناديهما عن أبي جعفر الباقر (ع) قال: «إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت به أحلامهم» [الكافي ج1 ص25، كمال الدين ص675] فإنّ لفظ «العباد» شامل للنساء كما لا يخفى، وقوله: «وضع الله يده» كناية عن حصول هدايته التكوينيّة لعباده في تكميل عقولهم ووصولهم إلى تمام الرُشد وكمال الحُلُم، فهو نظير قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10] فإنّه كناية عن تأييده تعالى ونصرته لهم.
وزبدة المخض: أنّ الأدلّة والنصوص تؤكّد تصريحاً أو تلويحاً بأنّ للمرأة دوراً بارزاً في دولة العدل الإلهيّ المرتقبة، وليس هناك ما يمنع من أن يصل هذا الدور إلى حدِّ تولّيها الولاية والرئاسة والقضاء في بعض أصقاع المعمورة بحسب مقتضيات المرحلة وطبيعة الظروف آنذاك.
ختاماً نسأله تعالى أن يعجلّ في فرج مولانا صاحب العصر والزمان وأن يوفقنا جميعاً لنصرته وخدمته، والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
اترك تعليق