هل توجب فضائل الخلفاء المزعومة أهليتهم للخلافة؟
السؤال: ما رأيكم بما كتبه الشاه وليّ الله الدهلويّ في كتابه (إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء) حيث ذكر ما حاصله: أنّ مدار أفضلية الخلفاء في الشرائع هو ما كان من قبيل التمكين في الأرض، وظهور الدين المرضيّ المختار على يد الخليفة، والمؤازرة للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وإعانته في تحمل أعباء النبوّة، عبر المخاصمة والجهاد والإنفاق في سبيل الله، والتشبه به (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تأليف قلوب الناس، وجهاد العرب والعجم، وحينئذٍ فإنّ هذه الأمور هي الملاك المصحّح لخلافتهم، وقد ثبتت أفضلية الخلفاء الثلاثة (أبي بكر وعمر وعثمان) واتّصافهم بالملاك المذكور؛ وعليه فهم الأَوْلى والأحقّ بالخلافة الخاصّة والعامّة؟.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد تجشّم الدهلويّ عناء الاستدلال على ما لا طائل وراءه، وحاول إثبات خلافة الثلاثة عن طريق ما نقضه علماء السنّة أنفسهم، ولأجل الوقوف على بطلان ما ذكره واستيضاح الحقيقة سواء في الخلافة الخاصّة أم العامّة، لابدّ من عقد الكلام في مطلبين أساسيّين؛ يشتمل كلّ واحد منها على سؤّال وجوابه، وبمجموعهما تتّضح الحقيقة:
المطلب الأوّل: في بيان المراد من الخلافة:
فالخلافة العامّة بما لها من معنىً مقاربٌ للإمامة الذي نقول به نحن الشيعة، وقد عرّفها مشهور علماء السنّة بأنّها: (رئاسة عامَّة في أمر الدين والدنيا خلافة للنبيّ (ص)) [ينظر: شرح المقاصد ج2 ص272] وعرّفها الإيجيّ بقوله: (الإمامة: هي خلافة الرسول في إقامة الدين بحيث يجب اتباعه على كافّة الأمة) [المواقف ج3 ص574]. وهذان التعريفان وإن كانا قاصرين عن الوفاء بالمعنى التامّ للإمامة إلّا أنّنا لسنا بصدد مناقشتهما، والذي يعنينا في المقام أنّ علماء السنّة لمّا كانوا لا يقولون بالنصّ في خلافة أبي بكر، حيث يزعمون أنّ رسول الله (ص) خرج من الدنيا ولم يوصِ لأحد، فإنّهم حينئذٍ لا دليل لديهم من الشرع على خلافته، ومن هنا جاءت محاولات الدهلويّ لإثبات مشروعيّة خلافتهم عن طريق التفضيل.
لكنْ وبقطع النظر عمّا ذكره من ملاك، فإنّ اعتماد التفضيل في الخلافة أمر يرفضه علماء السنّة أنفسهم؛ إذ مسألة التفضيل عندهم لا تُعَدُّ من مباحث الاعتقاد، ولا تصلح دليلاً على المدّعى بحسب مبانيهم؛ لأنّها مسألة ظنيّة واجتهاديّة لا قطع لهم فيها كما اعترف بذلك أكابر أئمّتهم وعلماؤهم، وإليك نماذج من كلماتهم:
قال الإمام الثاني للأشاعرة أبو بكر الباقلّانيّ: (إنّ الكلام في مسألة التفضيل اجتهاد لا يبلغ الخطأُ بصاحبه منزلةَ الفسق، وما يوجب البراءة؛ لأنّ الفضائل المرويّة أكثرها مقابل متعارض). وقال أيضاً: (وقد علمنا أنّ الصحابة مختلفة في التفضيل، فلا سبيل إذن لنا إلى العلم بأنّ واحداً منهم أفضل من غيره) [المناقب ص295، ص514].
قال الملّا عليّ القارئ الماتريديّ: (فهذا الاختلاف بين هذه الطوائف الإسلاميَّة دليلٌ صريحٌ على أنَّ مسألة التفضيل ليست من الأمور القطعيّة؛ لأنّ الأحاديث المروية - مع كونها ظنيّة - معترضة مانعة من كونها من الأمور اليقينية..) [شمّ العوارض ص63].
وقال إمام الحرمين الجوينيّ الأشعريّ: (ليس لدينا دليلٌ قاطعٌ على تفضيل بعض الأئمّة على بعض؛ إذ العقل لا يشهد على ذلك، والأخبار الواردة في فضائلهم متعارضة، ولا يمكن تلقّي التفضيل مع منع إمامة المفضول، ولكنّ الغالب على الظَّن أنّ أبا بكر أفضل الخلائق بعد رسول الله، ثمَّ عمر أفضلهم بعده، وتتعارض الظنون في عثمان وعليّ) [الإرشاد إلى قواطع الأدلّة ج1 ص449].
وعلى هذا المنوال الكثير من علمائهم: كالغزّاليّ، والآمديّ، والمازريّ، والتفتازانيّ، وأبو العبّاس الطبريّ وابن حجر، وغيرهم، وقد جمع العلّامة الشيخ محمود سعيد ممدوح كلمات الجميع في كتابه غاية التبجيل، فليراجع ففيه النافع المفيد.
وإلى هنا تحصّل أنّ ثبوت الأفضليّة لا أساس له عند أئمّة السنّة وكبار علمائهم، وأنّه حتّى على تقدير ثبوتها فإنّ ذلك لا يصيّرها معياراً في الكشف عن مشروعيّة خلافة الخلفاء؛ سواء صحّ اتصافهم بما زعمه الدهلويّ أم لم يصح.
المطلب الثاني: حول ما ذكره الدهلويّ من مدار للأفضليّة، وفيه
أنّ النصوص صريحة في كون الإمامة الشرعيّة تقع على حدّ النبوّة، وأنّ كليهما عهد من الله عزّ وجلّ، فكما قال تعالى في النبوّة: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]، قال أيضاً في الإمامة: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 73]، وقال جلّت عظمته: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5]، فجعلهما واحد ومنحصر بيد الإله الواحد ولا مدخليَّة للعباد في شيءٍ منهما، ولو أمكن لهذه الإمامة أن تكون بيد الناس لقام إبراهيم (ع) بتوريثها لذريّته من دون الحاجة إلى طلبها من الله تعالى لهم في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124].
ويشهد بذلك ما رواه علماء السنّة بإسنادهم: «أنّ رسول الله (ص) أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعرض عليهم نفسه، فقال رجلٌ منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش، لأكلت به العرب، ثمّ قال للنبيّ: أرأيت إنْ نحن تابعناك على أمرك، ثمّ أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال النبيّ: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء، فقال بيحرة له: أَفَنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه» [تاريخ الطبريّ ج2 ص84، الروض الأنف ج4 ص35].
ومتى كان أمر الإمامة بيد الله تعالى، فلابدّ أن تكون معايير التفاضل التي على ضوئها يتمّ اختيار الإمام والخليفة راجعة إليه تعالى كذلك، وأنّ تكون تلك المعايير راجعة بالنفع على الأمّة؛ لأنّ الإمامة كالنبوّة أيضاً في كونهما لطفاً بالعباد [الألفين ص23].
وفي المقام نجد أن الذي ينفع الأمة ثلاثة أمور ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم وجعلها معايير في تشخيص الإمام وأهليّته للاتباع:
المعيار الأوّل: العصمة، فإنّ الناس بحاجة إلى المعصوم لكي يهديهم إلى صلاح حالهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، ولو لم يكن معصوماً لم يؤمنوا أن يُضلّهم عن الصراط، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: 35].
وقد ثبتت عصمة أمير المؤمنين وسائر أهل البيت (ع) في العديد من الأدلّة؛ كآية التطهير، وحديث الثقلين المتواتر لدى الفريقين [ينظر: مسند أحمد ج17 ص170]، وفي مقابل ذلك فقد أجمعت الأمّة على عدم عصمة الخلفاء الثلاثة، بل وصرّحت روايات الفريقين بارتكابهم الكثير من الأخطاء، ومن الواضح أنّ المعصوم أحقّ بالخلافة وأولى بالاتّباع ممّن لا خلاف في عدم عصمته.
المعيار الثاني: أن يكون الخليفة الشرعيّ أعلم الأمّة بالشريعة؛ ليتمكّن في هدايته للناس من سدّ احتياجهم في مسائل العقيدة والفقه والأخلاق، بل في مطلق ما يحتاجون إليه من أمور الدنيا والآخرة، وقد تواتر عن النبيّ (ص) قوله في حقّ أمير المؤمنين (ع): «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب» [المستدرك ج3 ص126]، ومن الواضح أنّه لا فضل للخلفاء الثلاثة في مجال العلم، بل المعروف والمشهور عند الفريقين كثرة مراجعاتهم لأمير المؤمنين (ع) في مختلف المسائل والمشكلات، وفي ذلك تنظر أجوبة سابقة على موقع مركزنا، مثل: (دلالات حديث مدينة العلم)، و(مناقشة دعوى ابن حزم أعلمية أبي بكر).
المعيار الثالث: أن يكون الإمام والخليفة الشرعيّ متّصفاً بأفضل الصفات الخَلْقيَّة والخُلُقيّة وأكملها، وكلّ ما له مدخليّة في أدائه لوظيفة الإمامة؛ حتّى يوجب ذلك حصول الميل إليه وإطاعة أوامره عند ذوي الألباب وأصحاب الفطرة السليمة، ويمنع من أن تنفر منه طباع المخالفين والخصوم، فمن أبرز تلك الصفات: طهارة مولده وطيب نسبه وكفاءته وشجاعته وبراءته من العيوب حتّى الجسديّة منها، ونحو ذلك ممّا هو مسطور في محلّه من كتب الكلام، وفي ذلك قال تعالى في حقّ طالوت: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 247]، فكما ترى فإنّ الآية قد جعلت الكمال الجسمانيّ من معايير التفضيل شأنه في ذلك شأن العلم، ولأجل الوقوف على تمام تلك الصفات التي يعرف الإمام من خلالها ينظر جواب سابق بعنوان: (دلائل معرفة الإمام).
وزبدة المخض: أنّ ما ذكره الدهلويّ من معايير التفضيل للخلفاء الثلاثة إنّما هو أمرٌ مخالفٌ للمعايير التي اعتمدتها السماء ونصّ عليها القرآن الكريم، كما أنّ جميع ما ذكره من الفضائل ليس إلّا أموراً ظنيّة أدّى إليها نظره واجتهاده الشخصيّ فلا حُجيّة فيها، ولا يثبت بها التفضيل المزعوم كما عرفت من كلمات علماء القوم، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على فساد مذهبه فإنّ أصول الدين وأمّهات المسائل العقائديّة يجب فيها اليقين القطع الجازم، ولا يكفي فيها مجرد الظنّ والاجتهاد بلا خلاف بين جميع المسلمين، خصوصاً بعد ملاحظة قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: 28]. والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين
اترك تعليق