هوية الشيعيّ

السؤال: ما هي الهويَّة الشيعيّة الحقيقية؟ وهل يكفي أن يقول الإنسان "أنا أحبّ أهل البيت وأتولاهم" لكي يُعد من شيعتهم؟

: الشيخ أحمد الكعبي

  الجواب:

الهويَّة تُشير إلى مجموعة من الخصائص والسمات والمعتقدات والقيم التي تميز الفرد أو الجماعة، وتمنحهم طابعاً فريداً، وإحساساً بالانتماء والذات، وهي ما يجعل الشخص يشعر بأنَّه هو نفسه مختلفٌ عن غيره، ومتصل بجذوره الثقافية والاجتماعية.

أما من الناحية اللغويَّة، فكلمة الهويَّة مشتقة من كلمة (هوى)، وهي تعني الميل الشديد أو العشق، ويمكن أنْ يكون هذا الميل نحو الخير أو الشر، كما أنَّ (هوى) تأتي بمعنى السقوط؛ فيُقال: هوى فلان، أي سقط من مكانٍ مرتفعٍ إلى مكان منخفض، ومن هذا المعنى أيضاً جاء وصف البئر العميقة بـ(الهويَّة)؛ لكونها غائرةً في عمق الأرض.

وقد عرّفها الشريف الجرجانيُّ بأنها: (الحقيقة المطلقة التي تتضمن جميع الحقائق، كما تحتوي النواة على مكونات الشجرة كلّها)، أي أنَّ الهويَّة هي الجوهر الأساس الذي تنبثق منه كل جوانب الكيان الشخصي أو الجمعي، مثل القيم والمبادئ والسلوك. [ينظر: التعريفات ص113].

إذا اتضح ما تقدم، نقول:

الهويَّة الشيعيّة الحقة ليست مجرد اسمٍ يُنتسب إليه، ولا شعارٌ يُرفع، ولا عاطفة قلبيَّة تُعلن، بل هي التزامٌ عمليٌّ وروحيٌّ بمنهج أهل البيت (عليهم السلام)، وتجسيدٌ فعليٌّ لما كانوا عليه من تقوىً وورعٍ وخلق وعطاء. فالإنسان المنتمي لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) والآخذ بتعاليمهم، والسائر على هديهم، لا بد أنْ يحمل هويةً واضحة المعالم، ظاهرةً في سلوكه وأخلاقه وأعماله.

وقد رسم الإمام الباقر (عليه السلام) ملامح هذه الهويَّة حين سأله جابر بن يزيد الجعفي، فقال: يا ابن رسول الله، أيكفي من ينتحل التشيع أنْ يقول بولايتكم أهل البيت؟ فأجابه الإمام (عليه السلام): «يا جابر، أيكتفي من ينتحل التشيع أنْ يقول بحبنا أهل البيت، فو الله ما شيعتنا إلَّا من اتقى الله وأطاعه وما كانوا يعرفون يا جابر، إلَّا بالتواضع والتخُّشع والأمانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبرِّ بالوالدين والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفِّ الألسن عن الناس إلَّا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء».

قال جابر: فقلت: يا ابن رسول الله ما نعرف اليوم أحداً بهذه الصفة، قال له الإمام (عليه السلام): «يا جابر، لا تذهبنّ بك المذاهب! أفحسب الرجل أن يقول: إنّي أحبُّ عليًا وأتولاه، ثم لا يكون فعّالًا؟ فلو قال: إنّي أحبُّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو خيرٌ من عليٍّ (عليه السلام) ثم لا يعمل بسنته ولا يتبع سيرته، ما نفعه حبّه شيئًا، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحدٍ قرابة، أحبُّ العباد إلى الله (عزَّ وجلَّ) وأكرمهم عليه أتقاهم وأعملهم بطاعته، يا جابر والله ما يتقرب إلى الله تبارك وتعالى إلَّا بالطاعة، وما معنا براءةٌ من النار ولا على الله لأحدٍ من حجَّة، من كان لله مطيعاً فهو لنا وليٌّ، ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدوٌّ، وما تنال ولايتنا إلَّا بالعمل والورع». [الكافي ج٢ ص٧٥].

فمن هنا نفهم أنَّ هذه الصفات النبيلة هي بعض ملامح الإنسان المسلم الشيعيّ الحقيقي، المنتمي بصدق لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، فمن أراد أنْ يكون تلميذاً في مدرستهم، ومواليَّاً صادقاً لهم، فعليه أنْ يتحلَّى بهذه الصفات، لا أنْ يكتفي بمجرد الانتساب الاسميّ أو الشعارات الخالية من الفعل والعمل.

أما من يكتفي بالاسم والادّعاء من دون الالتزام بالسلوك، ومن دون التحلي بهذه المعالم، فإنَّه لا يجني من انتسابه شيئاً، ولا يحظى بودٍّ ولا قبول، فالمعيار الحقيقيُّ ليس في الادعاء، بل في الصدق، والعمل، والاتباع.

وفي روايةٍ أخرى في المضمون نفسه عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «فإنّما شيعة عليّ مَن عفّ بطنه وفرجه، واشتدّ جهاده، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، وخاف عقابه، فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر» [الكافي ج٢ ص٢٣٣].

تُبيّن الرواية الشريفة أنَّ الانتماء الحقيقي لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) لا يكون بمجرد الانتساب أو الادّعاء، بل يستلزم التخلّق بصفاتٍ محددةٍ، وقد ورد ذلك بصيغ الحصر: «إنَّما شيعة علي...» للدلالة على أنَّ الشيعيّ الحق هو من يتصف بسماتهم ويلتزم بأوامرهم، ومن لا يتحلى بذلك فهو منتحلٌ للتشيع، يلبس اسمه دون جوهره؛ لأنه لم يخضع لأوامرهم ولم يهتدِ بهديهم.

وانطلاقا من هذا الفهم، لا تكفي محبة أهل البيت (عليهم السلام) أو موالاتهم دون طاعة الله تعالى؛ إذ لا يُعد الإنسان من شيعتهم حقًا ما لم يعمل بشرائع الدين، من فرائض وسنن.

وفي المعنى نفسه ما روي عن الإمام الحسن (عليه السلام) أنَّه قال لرجلٍ ادّعى أنَّه شيعيٌّ: «يا عبد الله، إنْ كنتَ في أوامرنا وزواجرنا مطيعاً فقد صدقت، وإنْ كنت بخلاف ذلك فلا تزد في ذنوبك بدعواك مرتبةً شريفةً لست من أهلها، لا تقل أنا من شيعتكم، ولكن قل: أنا من مواليكم ومحبّيكم، ومعادي أعدائكم وأنت في خيرٍ وإلى خير» [بحار الأنوار ج٦٥ ص١٥٦].

فالتشيّع الحقيقي ليس مجرد اسم، بل التزام، ومن لم يلتزم تماماً، فليقل: أنا محبٌّ، وأنا مُوالٍ، وأنا على الطريق، والله تعالى كريمٌ، يقبل من أحبّ عباده وأراد أنْ يسير على طريقهم.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يُحبّون أهل البيت بحق، ويتأسون بهم صدقا، ويتجسد فيهم ولاؤهم قولاً وعملاً وسلوكاً.

والحمد لله ربّ العالمين.