ملك الموت ودوره في قبض الأرواح
السؤال: أشكل أحدهم قائلًا: لماذا خلق الله ملك الموت ووكَّله بقبض الأرواح، مع أنَّه سبحانه ليس بعاجزٍ ولا بحاجة الملك لقبضها؟
الجواب:
إنّ لله تعالى في كلِّ أمرٍ يُجري في هذا الكون حِكَماً بالغةً، وعللاً دقيقةً قد تخفى على العقول، غير أنّ عقولنا المحدودة لا يمكنها الإحاطة بجميع تلك الحِكم؛ لأنَّ علم الله تعالى واسعٌ لا تحدّه حدود، وقد يُخفي عنّا كثيراً من الأسباب لحِكَمٍ لا يعلمها إلَّا هو وحده سبحانه.
ومع ذلك، فإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) برحمته، قد بيّن لنا بعض هذه الحِكم والعلل في القرآن الكريم، وشرح بعضها الآخر على لسان نبيّه الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)؛ ليرشدونا إلى بعض أسرار أفعاله وتدبيره في الخلق والحياة، دون أنْ يكون ذلك كشفاً كاملاً لجميع مقاصده الإلهيَّة.
ولا شك أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) غنيٌ مطلقٌ لا يحتاج إلى شيءٍ من خلقه، لا في ذاته ولا في أفعاله، بل هم المحتاجون إليه في أصل وجودهم وبقائهم واستمرارهم، وهو الذي يمنحهم الحياة ويرزقهم، ويمنّ عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة، فكل ما سوى الله تعالى محتاجٌ إليه، وهو سبحانه الغني الحميد.
قد يتساءل البعض: لماذا لا يُنفّذ الله تعالى أمره مباشرةً في عالم المادة؟ لماذا يحتاج إلى وسائط كـالملائكة؟
الجواب: عالم المادة ـ أي العالم الذي نعيش فيه ــ هو أضعف العوالم وأدناها من حيث القابلية والوجود، بينما أمر الله تعالى ومشيئته في أعلى مراتب القوة والشدَّة والتمام، فإذا أُنزل الأمر الإلهيّ القويّ على هذا العالم الضعيف مباشرةً لأفناه، أو لعجز عن تحمله؛ لذا اقتضت الحكمة أنْ تُجعل بين الأمر الإلهي وبين عالم المادة وسائط، تهيّئ الأمر وتكيّفه حتى يُصبح قابلا للتطبيق في هذا العالم.
لنقرّب هذه الفكرة إلى الأذهان بمثالٍ حسيٍّ: تخيل زهرة وردٍ صغيرةٍ مزروعةٍ قرب نهرٍ كبير، هذه الزهرة بحاجةٍ إلى الماء لتنمو وتحيا، لكن لو صُبّ ماء النهر كلّه دفعةً واحدةً عليها لاقتلعها وجرفها، بدلاً من أن يرويها، فهي وإن كانت محتاجةً للماء، لكنَّها لا تتحمل شدَّته وقوته، فالطريقة المُثلى هو استخدام واسطةٍ مناسبةٍ مثل إناءٍ صغيرٍ أو قناةٍ ضيقة، تُنقل عبرها كمية الماء المناسبة لتتمكن الزهرة من الاستفادة منها دون أن تَتلف.
وكذلك الحال في عالم الوجود، فالله (عزَّ وجلَّ) جعل الملائكة وسائط بينه وبين عالم المادة، فهم القادرون على تحمّل شدة الأمر الإلهيّ، ثم تبليغه إلى هذا العالم في صورةٍ مناسبةٍ قابلةٍ للتجلي والتأثير.
فوجود الوسائط كـالملائكة ليس لأن الله محتاجٌ إليهم، بل لأنَّ عالم المادة لا يحتمل الأمر الإلهيَّ مباشرةً، فكانت الملائكة واسطة رحمةٍ ولطفٍ وتيسير، تنقل الأمر الإلهيّ من عالم القدرة والشدَّة إلى عالم الضعف والقصور؛ تحقيقًا للهدف من الخلق، وهو إيصال كلِّ موجودٍ إلى كماله اللائق به.
قال المصباح اليزديّ: (كلُّ معلولٍ له مرتبةٌ تخصُّهُ، وحدودٌ يتشخص بها بحيث لو تبدَّل بعضها إلى بعض لانقلب إلى شيءٍ آخر، كما أنَّ كلَّ عددٍ له مرتبةٌ خاصةٌ لا يتقدم عليها ولا يتأخر عنها وإلا لانقلب إلى عددٍ آخر، وفيض الوجود مطلق لا يقيد من ناحية ذات المفيض تعالى بشيءٍ، بل مجارى الفيض هي التي تحدده حتى تتقدر بأقدارٍ خاصةٍ تسعها ظروف المعاليل المتأخرة " وما ننزله إلَّا بقدٍر معلومٍ " فتقدره إنَّما هو عند نزوله، وأمَّا عنده تعالى فالخزائن التي لا تتناهى، وقد جرت سنته تعالى بإجراء الأمور من أسبابها، ولن تجد لسنَّة الله تبديلا، ولن تجد لسنَّة الله تحويلا) [بحار الأنوار ج٥٧ ص١٨٨ الهامش].
ثم اعلم أنّ الله تعالى أبدع خلق هذا الكون وأقامه على نظامٍ في غاية الإتقان والتنظيم، حتى قيل: (ليس في الإمكان أبدعُ مما كان) [التوحيد لمطهري ص268]، هذا النظام المتكامل يشمل كلَّ مراتب الوجود، من أدق تفاصيلها إلى أوسعها، ويتجلَّى في كلِّ شيءٍ من خلق الإنسان في (أحسن تقويم) إلى سريان الظواهر الكونيَّة.
ومن أبرز جوانب هذا النظام الكونيّ هو نظام الأسباب والمسببات، لقد جعل الله تعالى هذا النظام سنَّةً جاريةً في الكون، فهو جزءٌ أصيلٌ من تدبيره وإحكامه، ورغم أنَّ الله تعالى قادرٌ على إنجاز كلِّ شيءٍ مباشرةً دون وسائطإلَّا أنَّه بمقتضى حكمته اختار أن يجعل لكلِّ شيءٍ سببًا، وأن تجري الأمور بتوسُّط عللٍ ووسائط، وهنا يأتي دور الملائكة كواحدةٍ من أهمِّ هذه الوسائط في تدبير شؤون العالم.
القرآن الكريم يذكر دور الملائكة في قوله تعالى: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} [النازعات: 5]. هذا يعني أنَّ الملائكة هم وكلاء الله تعالى في تدبير شؤون الخلق، فهم يقومون بمهامٍّ عظيمةٍ ومتنوِّعةٍ ضمن نظام السببيَّة الذي أراده الله تعالى، مثل: إنزال المطر، وتحريك الرياح، وتدبير الأرزاق، وقبض الأرواح. كلُّ هذه المهام تتمُّ بتفويضٍ وإذنٍ من الله تعالى، ولا تعمل الملائكة استقلالًا عنه، ولا يكون لها ولا لأيِّ موجودٍ آخر.
إنَّ وجود الوسائط والأسباب، بما في ذلك الملائكة، لا يتعارض أبدًا مع قدرة الله تعالى المطلقة، بل على العكس، هو عين الحكمة، فالقدرة الإلهيَّة لا تعني الفوضى أو إلغاء النظام. إنَّ الله تعالى هو الذي أوجد هذه الأسباب والمسبَّبات، وهو القائم على حفظها، وهو القادر على إزالتها أو نقضها متى شاء، وهذا يؤكِّد أنَّ كلَّ شيءٍ يجري بإذنه وتحت سلطانه وإرادته.
إنَّ إلغاء نظام الأسباب والوسائط، بما في ذلك وساطة الملائكة، لن يعني فقط تعطيل الملائكة عن مهامِّهم، بل سيهدم البناء الوجوديَّ بأكمله، فالموجودات في هذا الكون مرتبطةٌ ببعضها بعضًا ارتباطًا دقيقًا، وتشكل سلسلةً محكمةً من العلل والنتائج، فالله تعالى أراد لهذا العالم أن يكون عالمَ أسبابٍ، لا عالمًا تسوده الفوضى والعشوائيَّة. كلُّ سببٍ فيه، سواء كانت النار للإحراق، أو الماء للإرواء، أو الملائكة للتدبير، هو مجرَّد أداةٍ لتنفيذ إرادة الله تعالى، لا يستقلُّ عنها، بل يقوم بأمره وتقديره سبحانه. واستعمال الوسائط ـ كالأسباب الطبيعيَّة أو الملائكة ـ لا يُنافي التوحيد الأفعاليَّ؛ لأنَّ الفاعل والمؤثِّر الحقيقيُّ هو الله تعالى، وهذه الوسائط مظاهر لقدرة الله تعالى وأدوات تدبيره، ووجود الأسباب لا يعني أنَّ الكون مغلقٌ أو أنَّ الإنسان مجبور، بل الله تعالى جعل لكلِّ شيءٍ سببًا، وجعل للإنسان حرِّيَّةً في اختياره ضمن هذا النظام.
رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «أبى الله أنْ يُجري الأمور إلَّا بأسباب، فجعل لكلِّ شيءٍ سببًا، وجعل لكلِّ سببٍ شرحًا، وجعل لكلِّ شرحٍ علمًا، وجعل لكلِّ علمٍ بابًا ناطقًا» [الكافي ج1 ص183]، وهي روايةٌ صريحةٌ في أنَّ الله تعالى لا يُجري الأمور إلَّا وفق الأسباب، والملائكة من أبرز هذه الأسباب التكوينيَّة.
اترك تعليق