نَزِّلونا عن الرُّبوبيَّة وقولوا فينا ما شِئتم
السؤال: هل قاعدة «نَزِّلونا عن الرُّبوبيَّة وقولوا فينا ما شِئتم» تفتح الباب لذكر الأحاديث الموضوعة في فضائل الأئمَّة؟
الجواب:
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم
للجواب على هذا السؤال يلزمُنا الكلام في مَقامَين:
الأوَّل: في ذكر الروايات.
1 ـ روى الشَّيخُ الصَّفَّار (طابَ ثَراه) بسنده عن إسماعيلَ بنِ عبدِ العزيز قال: «قال لي أبو عبدِ الله (عليه السَّلام): ضعْ لي في المتوضَّأ ماءً، قال: فقمتُ فوَضعتُ له، فدخل، قال: فقلتُ في نفسي: أنا أقولُ فيه كذا وكذا ويدخلُ المتوضَّأ؟! فلم يلبثْ أن خرج، فقال: يا إسماعيلُ بنَ عبدِ العزيز، لا ترفعوا البناءَ فوقَ طاقَتِنا فينهدم، اجعلونا عبيدًا مخلوقين وقولوا فينا ما شِئتم، قال إسماعيل: كنتُ أقولُ فيه وأقول» [بصائرُ الدَّرجات ص٢٦١، الخَرائج والجَرائح ج2 ص735].
2 ـ وروى سعدُ بنُ عبدِ الله القمِّي (طابَ ثَراه) بالإسناد عن كاملِ التَّمَّار قال: «كنتُ عندَ أبي عبدِ الله (عليه السَّلام) ذاتَ يوم فقال لي: يا كامل، اجعلوا لنا ربًّا نؤوبُ إليه وقولوا فينا ما شِئتم، قال: فقلتُ: نجعل لكم ربًّا تؤوبون إليه ونقول فيكم ما شِئنا؟ قال: فاستوى جالسًا فقال: ما عسى أنْ تقولوا، واللهِ ما خرج إليكم من علمِنا إلَّا ألفًا غيرَ معطوفة» [مختصرُ البصائر ص59].
3 ـ وروى الشيخ أبو جعفر الصَّدوق (طابَ ثَراه) بسنده عن أبي بصير، ومحمَّدِ بنِ مُسلم، عن أبي عبدِ الله (عليه السَّلام) قال: «حدَّثني أبي، عن جدِّي، عن آبائه (عليهم السَّلام) أنَّ أميرَ المؤمنين (عليه السَّلام) علَّم أصحابَه في مجلسٍ واحدٍ أربعمائةَ بابٍ ممَّا يصلح للمسلم في دينه ودنياه .... إلى قوله (عليه السَّلام): إيَّاكم والغلوَّ فينا، قولوا إنَّا عبيدٌ مربوبون وقولوا في فضلِنا ما شِئتم» [الخِصال ص610].
4 ـ وروى الشيخ الطَّبرسيُّ (طابَ ثَراه) بالإسناد عن أبي محمَّدٍ العسكريّ (عليه السَّلام): «أنَّ أبا الحسن الرضا (عليه السَّلام) قال: إنَّ من تجاوز بأميرِ المؤمنين (عليه السَّلام) العبوديَّة فهو من المغضوبِ عليهم ومن الضَّالين. وقال أميرُ المؤمنين (عليه السَّلام): لا تتجاوزوا بنا العبوديَّة، ثمَّ قولوا فينا ما شِئتم ولن تبلغوا، وإيَّاكم والغلوَّ كغلوِّ النَّصارى، فإنِّي بريءٌ من الغالين» [الاحتجاج ج2 ص233].
إلى غيرِ ذلك من المصادرِ المتعدِّدة التي نقلتْ هذا المعنى، ممَّا يُظهر بوضوحٍ أنَّه من المضامين المستفيضة التي توجب الاطمئنانَ بالصدور، فضلًا عن أنَّ بعضها يُعَدُّ معتبرًا في حدِّ نفسه. [يُنظر: مُعجم الأحاديث المعتبرة ج2 ص103].
المقام الثاني: في معنى الرِّوايات.
إذْ يظهر من قولِه (عليه السَّلام): «قولوا فينا ما شِئتم» أي اعتقدوا فينا ما شِئتم بشرط أن تجعلونا عبيدًا للهِ تعالى مخلوقين له.
مع التَّنبيه على أنَّ المرادَ من عبارة: «قولوا فينا ما شِئتم» لا تعني التَّقوُّل والكذبَ عليهم حتَّى يفتح الباب على الوضع والتَّزوير كما قد يُتوهَّم، وإنَّما قولوا فينا ما شِئتم ممَّا هو داخلٌ في دائرةِ أخبارِنا ورواياتِنا.
والقرينةُ على ذلك: هي قولُه (عليه السَّلام): «واللهِ ما خرج إليكم من علمِنا إلَّا ألفًا غيرَ معطوفة»، حيثُ يظهر من قولِه: «من علمِنا» أنَّ المرخَّص لنا أن نقوله فيهم يلزم أن يكون من علمِهم لا من عندنا.
هذا، فضلًا عن الارتكازِ المُتشرِّعي النَّافي لفكرةِ التَّقوُّل عليهم ولو في بابِ المناقب والمقامات، كما هو واضح.
كما يشهد لهذا ـ أيضًا ـ الرِّوايات المانعة من إطلاقِ بعض المقامات عليهم كمقامِ النُّبوَّة، إذْ ورد في جملةٍ من الأخبار النَّهي عن ذلك، منها: ما رواه الشَّيخُ الكلينيُّ (طابَ ثَراه) بسنده عن الحسينِ بنِ أبي العلاء قال: قال أبو عبدِ الله (عليه السَّلام): «إنَّما الوقوفُ علينا في الحلال، فأمَّا النُّبوَّة فلا» [الكافي ج1 ص٢٦٨].
وما رواه (طابَ ثَراه) ـ أيضًا ـ بسنده عن سدير، عن أبي عبدِ الله (عليه السَّلام)، وفيه: «قلتُ: وعندنا قومٌ يزعمون أنَّكم رسل، يقرؤون علينا بذلك قرآنًا: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: 51]، فقال: يا سُدَير، سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء براء، وبرئ الله منهم ورسولُه، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي، واللهِ لا يجمعني الله وإيَّاهم يومَ القيامة إلَّا وهو ساخطٌ عليهم» [الكافي ج1 ص269].
وكذلك إطلاقُ الأخبارِ الواردة في ذمِّ الكذب عليهم، وأنَّ من كذب عليهم فإنَّ له مقعدًا في النَّار، فقد روى أبان عن سُليم، قال: «قلتُ لعليٍّ (عليه السَّلام): يا أميرَ المؤمنين، إنِّي سمعتُ من سلمانَ والمِقداد وأبي ذر شيئًا من تفسيرِ القرآن ومن الرِّواية عن النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، ثمَّ سمعتُ منك تصديقَ ما سمعتُ منهم، ورأيتُ في أيدي النَّاس أشياء كثيرةً من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) تُخالف الذي سمعتُه منكم، وأنتم تزعمون أنَّ ذلك باطل، أفتَرى النَّاس يكذبون على رسولِ الله (صلَّى الله عليه وآله) متعمِّدين ويفسِّرون القرآن برأيهم؟ قال: فأقبل عليَّ فقال لي: يا سُليم، قد سألتَ فأَفهِم الجواب: إنَّ في أيدي النَّاس حقًّا وباطلًا، وصدقًا وكذبًا، وناسخًا ومنسوخًا، وخاصًّا وعامًّا، ومُحكمًا ومتشابهًا، وحفظًا ووهمًا. وقد كُذِب على رسولِ الله (صلَّى الله عليه وآله) على عهدِه حتَّى قام فيهم خطيبًا فقال: أيُّها النَّاس، قد كثرت عليَّ الكذَّابة، فمن كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعدَه من النَّار» [كتاب سُليم ص١٨١، الكافي ج1 ص٦٢].
والنتيجةُ النهائيَّة من كلِّ ذلك: أنَّ المرادَ من قولِهم (عليهم السَّلام): «قولوا فينا ما شِئتم» ليس فتحَ الباب للكذب عليهم ـ نعوذُ باللهِ تعالى ـ وإنَّما المرادُ القولُ في ضمنِ ما ورد عنهم، لما قلناه آنفًا .. والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
اترك تعليق