بيعة أبي بكر في السقيفة لم تكن فلتة

السؤال: هل كانت بيعة أبي بكرٍ فَلْتة مثلما قال عمر، بمعنى أنَّها تمَّت ولم يُنتظر بها العوام، أم أنَّها كانت خطَّة مُدبَّرة مُسبقًا دُبِّر لها في الخفاء؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب:

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

اعلم ـ أيَّدك الله ـ أنَّ بيعةَ أبي بكرٍ في السقيفة لم تكن حدثًا عفويًّا حصل نتيجةَ اجتماعِ الأنصار لمبايعة سعد بن عبادة، بل إنَّها أمرٌ دُبِّر بليل، وبتخطيطٍ مُسبق كما أُشير إليه في المأثور كخبر «الصَّحيفة الملعونة» التي كتبها جماعةٌ تعاقدوا فيها على صرف الأمر عن أهل بيت النَّبيِّ (ص)، وأنَّهم يتداولونها واحدًا تلو الآخر، فقد روى أبو سعيدٍ العصفريُّ بالإسناد عن جعفر بن محمَّدٍ (ع) قال: «.. وأجمع القومُ على كتابٍ كتبوه بينهم في المسجدِ الحرام: إن قُبِض رسولُ الله (ص) ألَّا يُولُّوا عليًّا منها شيئًا..» [الأصولُ السِّتة عشر ص144].

وروى الكلينيُّ بسنده عن الحارثِ بنِ الحصيرة الأسديِّ، عن أبي جعفرٍ (ع) قال: «كنتُ دخلتُ مع أبي الكعبة فصلَّى على الرُّخامة الحمراء بين العمودين، فقال: في هذا الموضعِ تعاقد القومُ إنْ مات رسولُ الله (ص) أو قُتل ألَّا يردُّوا هذا الأمر في أحدٍ من أهل بيته أبدًا، قال: قلتُ: ومن كان؟ قال: كان الأوَّل والثاني وأبو عبيدةَ بن الجرَّاح وسالم ابن الحبيبة» [الكافي ج4 ص545].

وبينما كان هؤلاء منهمكين في تنفيذ خططِهم لصرفِ الأمر عن أهله، تناهى إلى أسماعهم أنَّ الأنصار يجتمعون سرًّا في سقيفة بني ساعدة لتعيين سعد بن عبادة شيخِ الخزرج، فوجدوا ابن عمِّه بشيرَ بن سعد بن ثعلبة الخزرجيَّ، وأُسيد بن الحضير شيخَ الأوس، وكانا يُنافسانه في السِّيادة، فحسداه على هذا الترشيح وخافا أن يتمَّ له الأمر، فأضمرا له الحسيكة مجمعَين على صرف الأمر عنه بكلِّ ما لديهما من وسيلة، وصافقهما على ذلك عُويمُ بنُ ساعدة الأوسيُّ، ومَعنُ بن عدي حليفُ الأنصار، وقد كان هذان على اتفاقٍ سرِّي مع أبي بكرٍ وعمرَ وحزبهما، فكانا من أولياءِ أبي بكرٍ على عهد رسولِ الله (ص)، وكانا مع ذلك ذوي بُغضٍ وشحناء لسعدِ بنِ عبادة، فانطلق عُويمٌ إلى أبي بكرٍ وعمر مسرعًا فشحذ عزمهما لمعارضة سعد، وأسرع بهما إلى السقيفة ومعهما أبو عبيدةَ، وسالمٌ مولى أبي حذيفة [يُنظر: الإمامة والسِّياسة ج1 ص17، النَّص والاجتهاد ص20].

وأمَّا مقولةُ عمر بن الخطاب عن بيعة أبي بكرٍ أنَّها «فَلْتة» فسببُها أنَّه لمَّا تناهى إلى سمعه في آخر حَجَّة حجَّها أنَّ عمَّارًا أو الزُّبير أو طلحة يقول: «لو مات عمر لبايعتُ عليًّا» [أنساب الأشراف ج1 ص581، فتح الباري ج12 ص129]، فغضب، ثم قال: «.. إنَّه بلغني أنَّ قائلًا منكم يقول: واللهِ لو مات عمرُ لبايعتُ فلانًا، فلا يَغترَّنَّ امرؤٌ أن يقول: إنَّما كانت بيعةُ أبي بكرٍ فَلْتة وتمَّت، ألا وإنَّها قد كانت كذلك، ولكنَّ الله وقَى شرَّها..» [صحيح البخاريّ ج8 ص168].

فإنَّ مقصود عمر بمقولته آنفًا مُبيَّنٌ في المحادثة التي جرت بينه وبين المغيرةِ بنِ شعبة، إذ جاء فيها ما يأتي: فقال المغيرةُ بنُ شعبة لعمر: «... ما منعك منها وقد عرضها [أبو بكر] عليك يومَ السقيفة بدعائه إيَّاك إليها، ثمَّ أنت الآن متعقِّب بالتأسُّف عليه؟ فقال له عمر: ثكلتك أمُّك يا مغيرة، إنِّي كنتُ لأعدُّك من دُهاة العرب، كأنَّك كنتَ غائبًا عمَّا هناك، إنَّ الرجل ماكرني فماكرته، فألفاني أحذرُ من قَطاة، أنَّه لمَّا رأى شغَفَ النَّاس به، وإقبالَهم بوجوههم عليه، أيقن أنَّهم لا يُريدون به بدلًا، فأحبَّ مع ما رأى من شخوصِ النَّاس إليه وشغفهم به أن يعلمَ ما عندي، وهل تُنازعني إليها نفسي بأطماعي فيها والتَّعريض لي بها، وقد علمتُ أنِّي لو قبلتُ ما عرض عليَّ لم يُجِب النَّاس إلى ذلك، وكان أشدَّ النَّاس إباءً الذين كرِهوا إيَّاها لي عند موته، فألقاني قائمًا على أَخمصي حذرًا، ولو أجبته إلى قبولها لم تدفع النَّاس ذلك إليَّ، وأخفاها عليَّ ضِغنًا في قلبه، ثم لم آمن من أتباعه ولو بعد حين، مع ما بدا له ولي من كراهية النَّاس لما عرض عليَّ منها، وسمعتُ نداءَهم في كلِّ ناحية عند عرضِه إيَّاها عليَّ: لا نريد سواك يا أبا بكر، أنت لها، فرددتُها عند ذلك، فلقد رأيتُه التمع وجهُه لذلك سرورًا..» [المسترشد ص253، الأربعين ص210، الشافي في الإمامة ج4 ص133، شرح نهج البلاغة ج2 ص33].

ثمَّ إنَّ عمر فعل ذلك مع صاحبِه أبي بكرٍ، لأنَّه عرف جيِّدًا أنَّ صاحبَه سيردُّ إليه هذا الأمر لاحقًا، كما أشار إلى ذلك أميرُ المؤمنين (ع) في حديثه مع عمرَ بعد مبايعة أبي بكرٍ، إذ قال له: «احلب حلبًا لك شطرُه، اشددْ له اليومَ ليردَّ عليك غدًا» [الإمامة والسِّياسة ج1 ص29، الاحتجاج ج1 ص96، أنساب الأشراف ج1 ص32].

نكتفي بهذا القدر، والحمدُ لله أوَّلًا وآخرًا.