صحة حديث السفينة
السؤال: هل يصحّ حديث السفينة؟
الجواب:
حديثٌ السفينة حديثٌ صحيحٌ مشهورٌ عند عامّة المسلمين، بل هو أشهرُ من أنْ يُذكر، رواه العامّةُ كثيراً في مصنّفاتِهم، وقد ورد بألفاظٍ متعدّدةٍ، ففي لفظٍ: «مثلُ أهلِ بيتي فيكم مثلُ سفينةِ نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق». وفي لفظٍ آخر: «من تخلّف عنها هلك»، وفي لفظٍ ثالثٍ: «مَن تخلّف عنها زخّ في النار زخّاً» أي دُفع فيها دفعاً، وفي رابعٍ: «مَن تخلّف عنها زُجّ في النار زجّاً».
وجاء من طريق ثمانيةٍ من الصحابة، وهم: عليّ بن أبي طالبٍ (ع)، وأبو ذرّ الغفاريّ، وعبد الله بن العبّاس، وعبد الله بن الزبير، وأبو سعيدٍ الخدريّ، وأبو سلمةَ الأكوع، وأنس بن مالكٍ، وعامر بن واثلةَ
[ينظر: نفحات الأزهارج٤ص٧ـ٢٠٤]
واشتهر الحديثُ من طريقِ أبي ذرّ الغفاريّ، وورد عنه من طُرقٍ مختلفةٍ، نذكر طريقاً واحداً منها، وهو ما رواه الفاكهيّ والحاكم وغيرُهما بالإسنادِ عن المفضّلِ بن صالحٍ، عن أبي إسحاق، عن حنشٍ الكنانيّ، قال: سمعتُ أبا ذرّ يقول – وهو آخذٌ بباب الكعبة –: «أيّها الناس، مَن عرفني فأنا مَن عرفتم، ومَن أنكرني فأنا أبو ذرّ، سمعتُ رسولَ الله (ص) يقول: مثلُ أهلِ بيتي مثلُ سفينةِ نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق»
[أخبارُمكّةَج٣ص١٣٤،المستدركُ ج٢ص٣٤٣،ج٣ص١٥٠،فضائلُ الصحابةج٢ص٧٨٥،وغيرها]
وهذا الحديثُ يصحّ من وُجوهٍ:
الوجهُ الأوّل: صحّةُ بعضِ طُرقِ الحديث:
فقد نصّ بعضُ علماء العامّة على أنّ بعض طُرق الحديث مُعتبَرٌ، وإليك بعض كلماتِهم:
قال الحاكمُ النيسابوريّ: (هذا حديثٌ صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ ولم يُخرجاه)
[المستدرك ج٢ص٣٤٣]
وقال الجلالُ السيوطيّ: (أخرجه الحاكمُ، وهو صحيحٌ)
[نهايةُ الأفضالِ، مخطوط]
وقال ابنُ يوسف التونسيّ المعروف بالكافيّ: (وروى البزّارُ عن ابنِ عبّاس، وأبو داودَ عن ابن الزبير، والحاكم عن أبي ذرّ – بسندٍ حسنٍ –: «مثلُ أهلِ بيتي فيكم مثلُ سفينةِ نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق»)
[السيفُ اليمانيّ المسلولُ ص]٩
وقال المحقّقُ سعدُ الشثريّ – تعليقاً على حديثِ أميرِ المؤمنين (ع) –: (حسنٌ)
[المصنّفُ ج١٨ص٨٣]
الوجهُ الثاني: صحّةُ الحديث بمجموع طُرقه:
فقد أقرّ بذلك جمعٌ من علماء العامّة، وإليك بعض كلماتِهم:
قال شمسُ الدينِ السخاويّ – بعد ذِكر طريقٍ إلى أبي ذرّ –: (هذا حديثٌ حسنٌ رواه الحاكمُ في المناقب...)، ثمّ ذكر جملةً من طُرقِه، ثمّ قال: (وبعضُها يُقوّي بعضاً ولذلك حسّنتُه)
[البلدانيّاتُ ص١٨٦–١٨٩]
وقال – بعد إيرادِ الحديثِ بطرقٍ متعدّدةٍ عن جملةٍ من الصحابةِ –: (وبعضُ هذه الطُرقِ يُقوّي بعضاً)
[استجلابُ ارتقاء الغرف ص٤٨٤]
وأقرّه على ذلك الصالحيّ الشاميّ في
[سُبُلُ الهدى والرشادِج١١ص]١٢
وقال ابنُ حجرٍ الهيتميّ: (وصحّ حديثٌ: «إنّ مثلَ أهلِ بيتي فيكم مثلُ سفينةِ نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك»)
[المنحُ المكيّةُ ص٣٥٣]
وقال في مقامٍ آخر: (وجاء عن طُرقٍ عديدةٍ، يُقوّي بعضُها بعضاً: «إنّما مثلُ أهلِ بيتي فيكم كمثلِ سفينةِ نوح، مَن ركبها نجا»، وفي روايةِ مسلمٍ: «مَن تخلّف عنها غرق»، وفي روايةٍ: «هلك»)
[الصواعقُ المحرقةُ ص٤٣٧]
وقال أحمدُ زينيّ دحلان: (وصحّ عنه (ص) من طُرقٍ كثيرةٍ أنّه قال: «إنّما مثلُ أهلِ بيتي فيكم كمثلِ سفينةِ نوح، مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق»، وفي روايةٍ: «هلك»)
[الفتحُ المبينُ مخطوط ص١٥٤الفتحُ المبينُ(مخطوط)ص١٥٤]
الوجهُ الثالث: صحّةُ الحديث بشواهده:
ومن أجلى الشواهدِ على صحّة معناَه: حديثُ الثقلينِ المتواترُ عند الفريقينِ، وهو قول النبيّ (ص) المرويُّ بألفاظٍ متعدّدةٍ: «إنّي تاركٌ فيكم الثقلين، كتابَ الله وعترتي أهلَ بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»، فإنّه دالٌّ على انحصار النجاة بالتمسّك بالقرآن الكريم وأهل البيت (ع)، كما هو حالُ حديث السفينة الدالّ على انحصار النجاة بالتمسّك بأهلِ البيت (ع)، وقد شرحنا دلالاتِ الحديثِ في جوابٍ مستقلٍّ بعنوان: (دلالةُ حديث السفينة) يمكن مراجعتُه.
اترك تعليق