لماذا لم تُذكر النصوص المقدّسة الديناصورات والثقوب السوداء؟

السؤال: ألم تلاحظ أنّ أساطير القدماء وكُتبهم المقدّسة لم تتحدّث أبداً عن أمورٍ متقدّمةٍ مثل الذرّات والخلايا والثقوب السوداء والديناصورات وغيرها من الظواهر التي تتطلّب تقدّماً علميّاً وتكنولوجيّاً كبيراً؟ لقد كانت أساطيرهم محدودةً بحدود زمانهم ومكانهم وحواسّهم فقط. فقد قال القدماء إنّ الإنسان قد أتى جاهزاً هكذا من السماء! ومثلما كانت معرفتهم محدودةً حين ظنّوا أنّ الوجود كلّه عبارةٌ عن أرضٍ وشمسٍ وقمرٍ وسماءٍ كالسقف، ظنّوا أيضاً أنّ الكائنات الحيّة هي فقط تلك التي يرونها بالعين، مثل الجِمال والخُيول والطُيور والحيوانات التي تعيش في بيئتهم. وكما لم يتمّ ذِكر موضوعاتٍ كونيّةٍ حديثةٍ كالثقوب السوداء والنجوم النيوترونيّة والمجرّات وغيرها، لم يتمّ كذلك ذِكر أيَّة كائناتٍ حيّةٍ اكتُشفت عن طريق العلم الحديث، مثل تلك الموجودة في أعماق المحيطات والبحار والكهوف والغابات الاستوائيّة والمناطق الوعرة. وأيضاً، لا يوجد أيّ ذِكرٍ للكائنات المنقرضة كالديناصورات، وقطعاً لا يوجد ذِكر للكائنات الدقيقة كالبكتيريا والفيروسات.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

عند الحديث عن علاقة النصوص المقدّسة بالعلوم التجريبيّة، نودّ التأكيد على أنّ اهتمامنا منصبٌّ على القرآن الكريم بوصفه النصّ الإلهيّ الذي يؤمن المسلمون بعصمته، دون الخوض في الكُتب الأخرى التي لا يترتّب على تصديقها أو رفضها أيّ التزامٍ دينيٍّ في الإسلام. فالقرآن ليس كتاباً علميّاً بالمعنى التجريبيّ، وإنّما هو رسالة هدايةٍ تُخاطب الإنسان في جوهر وجوده، موجّهة إيّاه نحو الغايات الأسمى لحياته من خلال منظومةٍ روحيّةٍ وأخلاقيّةٍ تتجاوز حدود المعرفة الماديّة المتغيّرة.

النصوص المقدّسة إسلاميّاً لم تكن يوماً تهدف إلى تقديم تفاصيل دقيقةٍ عن الظواهر الطبيعيّة مثل الذرّات أو الثقوب السوداء أو الديناصورات، بل هي نصوصٌ تسعى لتوجيه الإنسان نحو الغايات الكبرى لحياته، مركّزة على القضايا الروحيّة والأخلاقيّة التي تُنير طريق البشريّة في جميع العصور.

إنّ الهدف الأساس لهذه النصوص هو إرشاد الناس إلى معرفة الله وإدراك غاية وجودهم، وليس تقديم سردٍ علميٍّ تفصيليٍّ يخدم احتياجات العلوم التجريبيّة المتغيّرة بمرور الزمن.

ولذا، فإنّ النصوص المقدّسة تطرح ما يُعزّز الهداية العامّة للإنسان عبر لغةٍ خاصّةٍ تُلائم مستويات الوعي والإدراك المختلفة، ممّا يجعلها قادرةً على التأثير في عقول الناس وقلوبهم في كلّ زمانٍ ومكان.

كما أنّ النصوص المقدّسة عند المسلمين لم تُغفل الإشارة إلى الظواهر العلميّة بشكلٍ كاملٍ، لكنّها لم تتناولها بالطريقة التي يطلبها العلم الحديث؛ إذ إنّها تهدف إلى إثارة الفكر وحثّ الإنسان على التدبّر، وليس إلى عرض التفاصيل التقنيّة.

فعلى سبيل المثال، يُشير القرآن إلى مراحل تطوّر الجنين في الرحم بطريقةٍ تتّسم بالدقّة التي أدهشت العلماء في العصر الحديث، لكنّه يُعبّر عن ذلك بأسلوبٍ يخدم غايات النصّ الروحيّة والتعليميّة دون أن يتحوّل إلى مرجعٍ طبّيّ.

وقد أشرنا إلى ذلك في إجابةٍ سابقة عن الإعجاز العلميّ في القرآن الكريم، حيث قلنا: (إذا كانت وظيفة القرآن فيما يتعلّق بالحقائق الطبيعيّة تختلف عن وظيفة العلم، فإنّنا نفهم الإعجاز العلميّ على أنّه إشارةٌ مبكّرةٌ لبعض الحقائق التي لا يمكن للإنسانيّة التعرّف عليها في تلك الفترة التاريخيّة، ولكن ليس على نحو الكشف العلميّ، وإنّما على نحو الهداية وربط الإنسان بفلسفة الخلقة وغايات الوجود).

مثلاً، القرآن في إشاراته للظواهر الطبيعيّة لم يُقدّم افتراضاتٍ بسيطةً مثل الأرض المسطّحة والسماء كسقفٍ كما جاء في نصّ هذا الادّعاء، بل أشار إلى حقائق أكثر عُمقاً كحركة الكواكب والنجوم في قوله: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40]، وإلى أنّ الكون في حالةٍ من التوسّع كما في قوله: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47]، وغير ذلك من العبارات التي تفتح المجال أمام العقل البشريّ للتأمّل العلميّ والكشف عن رؤى تتجاوز مستوى الإدراك البشريّ السائد في عصر نزول النصّ.

وعليه، فإنّ التركيز على التفاصيل العلميّة الدقيقة لم يكن هدفاً للنصوص المقدّسة؛ لأنّها لا تسعى لتقديم حقائق جاهزةٍ بقدر ما تدعو الإنسان إلى التفكير والاكتشاف.

فالقرآن يدعو الإنسان للتفكّر في خلق السماوات والأرض والإبل وسائر المخلوقات، ما يزرع في النفس الإنسانيّة الفضول العلميّ وحبّ البحث، وقد كان لهذه الدعوات أثرٌ بالغٌ في نهضة الحضارة الإسلاميّة التي أسهمت بشكلٍ كبيرٍ في تطوير العلوم في العصور الوسطى.

وفي المحصّلة، فإنّ عدم ذِكر النصوص المقدّسة لتفاصيل مثل الديناصورات أو الثقوب السوداء لا يعني أنّها محدودةٌ أو قاصرةٌ، بل يُظهر أنّها تُركّز على قضايا أكثر شموليّةً وعمقاً تتعلّق بعلاقة الإنسان بخالقه وبتحقيق الغاية من وجوده.

وهذه النصوص، برؤيتها الشاملة وإشاراتها التحفيزيّة، تُعدّ منارةً تُلهم الإنسان للتفكّر في الكون والسير في طريق التقدّم العلميّ، دون أن تُقيّده بتفاصيل زمنيّةٍ قد تعوق تطوّر المعرفة وتحدّ من طموحاته.

فالإنسان بطبعه لا يحتاج إلى كتابٍ سماويٍّ ليتعلّم العلوم الطبيعيّة؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى قد منح الإنسان القدرة على اكتشاف أسرار الكون بما منحه من مقدّراتٍ عقليّةٍ وعلميّةٍ.

وما تشهده البشريّة من تقدّمٍ علميّ في مختلف المجالات يُعدّ دليلاً على هذه القدرة.

لذلك، الاعتقاد بأنّ القرآن يجب أنْ يكون مرجعاً للعلوم الطبيعيّة هو اعتقادٌ غير صحيحٍ ولا مبرّر له.

بالمقابل، يحتاج الإنسان إلى توجيهٍ معنويٍّ يُوازن سلوكه ويُساعده على فَهم الأشياء في إطار الحكمة والغاية.

ولهذا، جاء القرآن رسالةً إلهيّةً تهدف إلى هداية الإنسان ومنحه البصيرة التي تُمكّنه من السير على الصراط المستقيم.