هل الإسلام دينيّ تاريخيّ؟
السؤال: الدين الإسلاميّ يدّعي الكمال والخلود، لكنه يعتمد على نصوصٍ كُتبت في سياقٍ اجتماعيٍّ وتاريخيٍّ قديم، مليءٍ بالظروف التي لا تتماشى مع عالمنا اليوم. لماذا تُفرض قوانين تعود لقرونٍ على مجتمعٍ معاصرٍ تغيّرت فيه قيم العدالة والحرية؟ إذا كان الإسلام يُعرّف نفسه بالدين الذي يُكرم الإنسان، لماذا نجد نصوصاً تُبرّر العبودية، تُهمّش المرأة، وتُعاقب المختلف بالرأي؟ كيف يمكن لدينٍ يدّعي العدل أنْ يكون أداةً لتبرير القمع والسيطرة السياسيَّة؟
الجواب:
لعلَّ أول ما يستوقفنا في هذا الإشكال هو التصوّر المسبق للسائل عن القرآن الكريم، وكأنّه ينظر إليه كخطابٍ بشريٍّ محدودٍ بحدود الزمان والمكان، أو كأنّه مجرّد نصٍّ تاريخيٍّ جاء لمعالجة مشكلات مجتمعٍ محدّدٍ في لحظةٍ زمنيةٍ معيّنة. هذا التصوّر - مع كامل الاحترام - يعكس جهلاً بحقيقة القرآن وطبيعته باعتباره كلاماً إلهيّّاً يتّسم بالشمولية والخلود، لا يحدّه سياقٌ ولا يقيّده زمان. فالقرآن الكريم ليس كتاباً متخصّصاً في علمٍ بعينه، ولا نصاً خاضعاً لتغيّرات الظرف الإنسانيّ كغيره من النصوص البشريَّة، بل هو خطابٌ إلهيٌّ جامع، يرتكز على قيَمٍ أزليّةٍ ومبادئ كليّةٍ تنظم حياة الإنسان في كلّ زمانٍ ومكانٍ.
وعليه، فإنّ إشكاله ينبع من افتقاره إلى فهم العلاقة بين الثابت والمتغيّر في القرآن الكريم. إذ إنّ القرآن يجمع بين ثبات القيم الكليّة وحركة التطبيقات العمليّة، فالقيم الكليّة مثل التوحيد، العدل، الرحمة، الإحسان، الحرية، والعلم... هي مبادئ مطلقةٌ غير قابلةٍ للتغيّر، وهي التي تمنح الإسلام قدرته على الديمومة والاستمرار. في الوقت نفسه، فإنّ الشريعة الإسلاميّة قد وُضعت في إطارٍ مرنٍ، يتيح الاجتهاد والتكيّف مع الظروف المتغيّرة دون الخروج عن تلك القيم الثابتة.
لو تأمّلت خطاب القرآن الكريم لوجدته خطاباً كونيَّاً موجهاً إلى الإنسانيّة جمعاء، وليس خطاباً مقيّداً بجنسٍ أو قومٍ أو زمان. قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} [ص: 87]، فكيف لخطابٍ عالميٍّ كهذا أن يكون محصوراً في حقبةٍ زمنيةٍ محدّدة؟ بل إنّ القرآن يحمل في داخله إشاراتٍ إلى ظاهرة التغيّر، ودعوةً صريحةً للإنسان لأن يتفاعل مع متغيّرات الزمان والمكان بمنهجيّةٍ مستمدّةٍ من القيم الإلهية، ويظهر ذلك بوضوحٍ في طريقة تعامل الإسلام مع المسائل المتغيّرة.
مثلاً، في مجال التطوّر العلميّ والتكنولوجيّ، لم يضع القرآن حدوداً صارمةً تمنع اكتشافات الإنسان، بل دعا إلى التأمّل والبحث العلميّ باعتباره وسيلةً لفهم العالم وإدراك عظمة الله، يقول تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53]، فهي دعوةٌ واضحةٌ للتفكّر المستمرّ والبحث العلميّ الذي يواكب كل عصر.
وكذلك قوله تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]، وقوله: {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس: 101]، فالآيتان تعكسان دعوةً واضحةً للتأمّل العلميّ واستكشاف المجهول.
فالقرآن لا يُقرأ ككتابٍ تاريخيٍّ أو تقنيّ يقدّم إجاباتٍ تفصيليّةً عن كلِّ سؤالٍ علميٍّ أو تقنيّ، بل هو كتاب هدايةٍ يُرشد العقل الإنسانيّ إلى منهجيّة التعامل مع الواقع.
فمثلاً لم يقدّم القرآن تفاصيل دقيقة عن علم الأحياء أو الفيزياء، إلا أنّه وضع إطاراً قيميّاً يحكم استخدام العلم أخلاقيّاً، وبذلك يكون القرآن لم يمنع تطوّر العلم وفي الوقت نفسه أكَّّد على ضرورة أنْ يكون في خدمة الإنسان، وليس أداةً للتدمير أو الاستغلال.
وكذلك عندما يتعلّق الأمر بالتحوّلات الاجتماعيّة، نجد أنّ القرآن لم يُقيّد المجتمعات بنمطٍ محدّدٍ من التنظيم، بل قدّم قيماً تُرسي العدالة والمساواة وتدعم التماسك الاجتماعيّ، مع ترك الباب مفتوحاً للاجتهاد في التفاصيل.
خذ على سبيل المثال موضوع العبوديّة، فقد كانت موجودةً بوصفها ظاهرةً اجتماعيّةً عالميّة، إلَّا أنّ الإسلام تعامل معها بأسلوبٍ تدريجيٍّ قائمٍ على التشجيع على العتق وتحسين أوضاع العبيد، ممّا أدّى إلى تقليصها بشكلٍ جذريّ، وقد ناقشنا هذه المسألة في إجابةٍ منفصلةٍ يمكن مراجعتها على صفحتنا.
فالإشكال الحقيقيّ الذي وقع فيه السائل هو أنّه تعامل مع الثابت والمتغيّر بمنطق التضاد، وكأنّ الثبات يعيق التطوّر، أو أنّ التغيّر يهدّد الثوابت. بينما الحقيقة أنّ القرآن يؤسّس علاقةً تكامليّةً بينهما، حيث الثبات في القيم الكليّة يمنح الحياة استقرارها الأخلاقيّ، والتغيّر في التفاصيل التطبيقيّة يتيح لها المرونة والقدرة على التجدّد.
فالذي يحكم مثلاً التشريعات الاقتصاديّة في الإسلام هو القيم الكليّة مثل العدل في توزيع الثروة ومنع الاستغلال، وكلّ ذلك ثوابت لا تتغيّر، بينما تطبيقات ذلك خاضعةٌ لما يفرضه الواقع من تغيّرٍ وتحوّل، وبذلك تصبح التشريعات الاقتصاديّة قادرةً على استيعاب جميع أنماط التعامل الماليّ وجميع السياسات الاقتصاديّة، مهما تطوّرت أو تغيّرت.
إذاً، القول بأنّ القرآن غير قادرٍ على مواكبة التطوّرات يُظهر قصوراً في إدراك طبيعته، فالقرآن لا يقدّم حلولاً تقنيّةً أو تفصيليّةً آنية، لكنّه يضع إطاراً قيميّاً ومنهجيّاً يمكن من خلاله للعقل الإنسانيّ أن يُبدع ويبتكر حلولاً تناسب كلَّ عصر، دون أن يخرج عن هدي القيم الإلهيّة.
بالتالي، إذا أردت الحديث عن شموليّة القرآن لكلّ الأزمان، فعليك أنْ تنظر إلى القرآن كما هو، لا كما تحاول أن تصوّره.
هو ليس نصّاً مغلقاً يتوقّف عند مشكلات الماضي، وإنّما هو نورٌ يهدي في كلّ زمان. قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، وهذه التبيانيّة ليست بمعنى الإجابة عن كل سؤال تفصيليّ، وإنّما بتقديم قيم كليّة ومناهج تفكير تُعين الإنسان على فهم كلّ متغيّرات واقعه.
وبهذا يكون القرآن صالحاً لكلّ زمان، لا بتغيّره، وإنّما بتغيير الواقع نفسه على ضوء بصائره وإرشاداته، ليبقى مرجعاً هادياً للبشريَّة في كلّ مرحلةٍ من مراحل تطوّرها.
أمّا فيما يتعلّق بالعبوديّة، وتهميش المرأة، والإرهاب الفكريّ، فقد أفردنا لكلّ عنوانٍ من هذه العناوين إجاباتٍ تفصيليّةً يمكن مراجعتها في صفحتنا.
اترك تعليق