لماذا لم يعزل الإمام علي (ع) شريحاً عن القضاء؟

السؤال: يُعتبر التصدي للقضاء من قبل الأشخاص غير المؤهلين أمرًا محرَّمًا. فإذا كان هذا الأمر محرمًا، فكيف استمر عليُّ بن أبي طالبٍ في تعيين شريحٍ القاضي في منصب القضاء خلال فترة خلافته؟ ويُذكر أيضًا أنَّ شريحًا أفتى بقتل الإمام الحسين (ع).

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

كان الإمام عليٌّ (ع) نموذجًا فريدًا في إدارة الدولة والمجتمع، وتميّز حكمه بالحِكمة والعدل، حتّى في مواجهة التعقيدات السياسيّة والاجتماعيّة التي أحاطت بخلافته. فالأمر الواضح والمحكم لدينا هو عدالة الإمام علي (ع) وحرصه التام على تطبيق أحكام الدين وتحقيق مصالح الأمة.

أمّا ما قد يبدو متشابهاً أو غير واضح، كإبقائه شريحًا على منصب القضاء، فيجب أنْ يُفهم في ضوء ذلك المحكم وبما لا يتعارض معه. ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسةٍ معمّقةٍ للسياق السياسيّ والاجتماعيّ في ذلك العصر، وكذلك لطبيعة تعامل الإمام مع عمّال دولته بما يخدم المصلحة العامة ويحفظ استقرار الأمة.

فحينما استلم الإمام علي (ع) الخلافة، كانت مرافق الدولة آنذاك مملوءةً بالثغرات والعيوب، ولم يكن من الممكن للإمام إصلاح جميع الأخطاء والمعايب دفعةً واحدةً؛ لأنّ ذلك سيؤدّي إلى إثارة استياء الناس وربّما تمرّدهم.

فلو تأمّلنا في حادثةٍ أخرى مشابهة، نجد أنّ الإمام (ع) دخل مسجد الكوفة أيّام شهر رمضان، ورأى الناس يصلّون النافلة جماعة، وعندما أراد أنْ ينبّههم إلى أنّ النافلة تُصلّى فرادى، قام كثيرٌ منهم وصاحوا: (وا سنة عمراه)؛ لأنّ الخليفة الثاني كان قد سنَّ الجماعة في صلاة التراويح، فإذا كان تغيير أمرٍ فقهيٍّ بسيط كهذا قد أثار الناس عليه، فمن الطبيعي أنّ تغييرات أكثر عمقًا في شؤون الدولة، خاصّة تلك المتعلّقة بالمعيشة وأموال الناس، كانت ستثير معارضةً أشدّ؛ لذلك رأى الإمام ضرورة التدرّج في إصلاح الأوضاع والبدء بالأولويّات.

قال الشريف المرتضى: (والصحيح أنّ أمير المؤمنين (ع) ما ولّى شريحًا إلّا تقيّة واستصلاحًا وسياسة، ولو ملك اختياره ما ولّاه) [الذريعة ج٢ ص٢٩٧]. ونحوه ذكر السيّد الجزائريّ في [زهر الربيع ص٥٧٣].

وقال الشيخ المامقانيّ: (وقد ذكر المؤرّخون أنّه ممّن شهد على حجر بن عديّ الكنديّ بالكفر.. وأراد أمير المؤمنين (ع) عزله فلم يتيسّر له؛ لأنّ أهل الكوفة قالوا: لا تعزله؛ لأنّه منصوبٌ من قبل عمر، وبايعناك على أن لا تغيّر شيئًا قرّره أبو بكر وعمر) [تنقيح المقال ج٣٤ ص٤٠٤].

وقد بدأ الإمام عليّ (ع) مسيرته في الحكم باتّخاذ قراراتٍ حاسمةٍ لتحقيق العدالة وإصلاح الأوضاع المتدهورة، حيث قام بعزل معاوية بن أبي سفيان، الذي كان رمزًا للغدر والنفاق، ممّا أدّى إلى اندلاع حرب صفين، كذلك أرسى نظامًا صارمًا للمساواة في الخراج، فلم يمنح أيّ امتيازٍ خاصٍّ لأحد، سواء كان قرشيًّا أو عربيًّا أو غير عربيّ، وهو ما أثار استياء بعض الصحابة الذين اعتادوا على تلك الامتيازات، إلى جانب ذلك، عمل على وضع نظام شرطة لإصلاح أحوال الناس، وأسّس نظامًا اقتصاديًّا يهدف إلى حماية الثروات وتوزيعها بعدالة.

في المقابل، اختار الإمام الإبقاء على بعض الأوضاع كما هي مع فرض رقابةٍ صارمةٍ عليها والسيطرة على أيّ أضرارٍ قد تترتّب عليها. هذا النهج لم يكن ضعفًا، بل كان قرارًا مدروسًا ينبع من إدراكه أنّ التغيير المفاجئ لبعض الأمور قد يؤدّي إلى أضرارٍ أكبر من الإبقاء عليها مؤقتًا.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم إبقاء شريح القاضي في منصبه، حيث ألزم الإمام شريحًا بعدم إصدار أيّ حكمٍ إلّا بعد الرجوع إليه، هذا الإجراء يعكس حكمة الإمام وحرصه على تحقيق الاستقرار في ظلّ الظروف السياسيّة والاجتماعيّة المعقّدة آنذاك، ممّا جعل هذا الخيار الأنسب والأفضل في تلك المرحلة التاريخيّة.

وكان الإمام علي (ع) يدرك تمامًا عظمة منصب القضاء وخطورته، وقد قال لشريح: «يا شريح، قد جلست مجلسًا لا يجلسه إلّا نبيٌّ أو وصيٌّ أو شقيّ» [الكافي ج٧ ص٤٠٦]، هذا القول يعكس بوضوح أنّ الإمام أبقى شريحًا في منصبه مع تنبيهه إلى خطورة هذا الدور، وتحميله مسؤوليّة مواقفه أمام الله تعالى.

وقد كان شريح قد عُيّن في منصب القضاء من قبل الخليفة عمر بن الخطاب، واستمرّ في هذا المنصب خلال خلافة عثمان، وعندما تولّى الإمام عليّ (ع) الخلافة، كان يواجه أوضاعًا سياسيّةً وإداريّةً معقّدة، وكان عليه التعامل مع شخصيّاتٍ قويّةٍ حافظت على مكانتها ونفوذها في العهود السابقة، وكان شريح أحد هذه الشخصيّات التي احتفظت بموقعها، لكنّ استمراره في منصبه لم يكن إقرارًا من الإمام بكفاءته التامّة أو رضاه عن أدائه، بل كان تكييفًا للمصلحة السياسيّة في تلك الفترة، مع تحميله المسؤوليّة الشرعيّة.

ولذا، لم يكتفِ الإمام عليّ (ع) بالترك على حاله، بل فرض مزيدًا من الرقابة والسيطرة على عمل شريح، حيث أمره بعدم تنفيذ أيّ حكمٍ إلّا بعد عرضه عليه، وهذا يعكس حرص الإمام على ضمان عدالة القضاء، ومتابعة عمله بشكلٍ يضمن احترام أحكام الله تعالى ورؤية الإمام العادلة في إدارة شؤون الدولة.

ومن بين الشواهد البارزة على موقف الإمام عليّ (ع) من شريح القاضي، نجد الرسالة التي وجّهها إليه بعد علمه بشرائه دارًا فاخرةً بثمانين دينارًا، فالإمام المعروف بعدله وزهده رأى في هذا التصرّف تجاوزًا للقيم الأخلاقيّة والمبادئ التي ينبغي أنْ يتحلّى بها العاملون في الدولة الإسلاميّة، في هذه الرسالة حذّر الإمام علي (ع) شريحًا من الغرور بزخارف الدنيا ودعاه للتفكّر في عاقبة الملوك والجبابرة الذين سبقوه إلى التراب [ينظر: شرح نهج البلاغة للمعتزليّ ج١٤ ص٢٧].

أمّا بالنسبة لما يُنسب إلى شريح لاحقًا من تورّطه في فتوىً أدّت إلى قتل الإمام الحسين (ع)، فإنّ هذه الرواية لم ترد في المصادر التاريخيّة قبل القرن الرابع عشر الهجريّ؛ ولذلك شكّك فيها العديد من الباحثين، وعلى فرض صحّتها، فإنّ ذلك الحدث وقع بعد استشهاد الإمام عليّ (ع)، وعليه فإنّ الإمام عليّ (عليه السلام) لا يتحمّل مسؤوليّة ذلك التصرّف.

وفي المحصّلة، تصرّفات الإمام عليّ (عليه السلام) مع شريح القاضي تُظهر حكمته في إدارة شؤون الدولة، فقد كان يوازن بين مكافحة الفساد والحفاظ على استقرار الأمّة.

كما أنّ القضاء مسؤوليّة شرعيّة، والقاضي يجب أنْ يلتزم بأحكام الله، وشريح بحسب الظاهر كان عالمًا ومؤمنًا، أو على أقلّ تقدير كان في نظر الأمّة هذا حاله، وكان الإمام قد جعله تحت المراقبة وتقديم النصيحة والتوجيه لضمان العدالة من دون أن يسبّب اضطرابًا في الدولة.