هل يجوز تأويل القرآن بما يتوافق مع المشروع الحداثي؟

السؤال: مع تطور الفكر الإنسانيّ وظهور توجهاتٍ ثقافيةٍ جديدةٍ، برزت محاولاتٌ لإعادة تأويل النصوص الدينيَّة لتتوافق مع هذه التوجهات، خصوصاً من قبل بعض التيارات الليبراليّة. لكن هذه المحاولات أثارت تساؤلاتٍ في مدى شرعية هذه التأويلات ومدى انسجامها مع روح الإسلام وأصوله.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الإجابة:

التأويل هو فهم النصوص الدينيّة بما يتناسب مع معانيها العميقة وظروف تطبيقها، ممّا يجعله ضروريّاً لتفعيل النصّ في كلّ زمان؛ لأنّه الطريق الموصل إلى قيم النصّ وحِكَم الأحكام، وهي المساحة التي يتحرّك فيها العقل الإنسانيّ. وعند هذه النقطة، يتكامل العقل والنصّ في رؤيةٍ واحدةٍ تؤسّس للخطاب الإسلاميّ في مختلف مراحله.

ولكي نفهم كيفيّة التعامل مع القرآن، لا بدّ من فهم هدفه وتحديده بوضوح؛ إذ إنّ تحديد الهدف هو الذي يرسم الطريق الموصل إليه، والحَكيم بطبيعته يرسم أقصر الطرق للوصول إلى الأهداف التي يسعى إليها، وبما أنّ أهداف القرآن هي هداية الإنسان وإبصاره طريق الحقّ، فإنّ منهج القرآن قائمٌ على إثارة العقل وتذكير الإنسان وتنبيهه لواقع تلك القيم الفطريّة.

فالإنسان يغفل عن هذه القيم الفطريّة بسبب شهوات الغرائز وضغوط الحياة، ممّا يستدعي تذكيره وإثارته لينتبه إلى حقائقها. ومن هنا، لم يبدع القرآن وسيلةً أخرى غير التذكير والتنبيه، كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: 22]. ولغة التذكير التي استخدمها القرآن واضحة وجليّة لكلّ إنسان، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17].

أمّا التعقّل والتفكّر، فهما نتيجةٌ طبيعيّةٌ عندما يُثار عقل الإنسان وتنكشف عنه حجب الجهل والهوى، وعندها ينطلق الإنسان للتعرّف على بواطن النصّ بما يحمله من حِكم، ويتّجه لمعرفة آيات الوجود بما تحويه من سنن، وكلّ هذا يتحقّق في إطار التوحيد الذي يتجلّى عبر أسماء الله الحسنى، حيث تنعكس هذه الأسماء في الوجود كسننٍ وفي القرآن كقيم، والمساحة التي يبدع فيها العقل هي الكشف عن حقائق القرآن ومن ثمّ العمل على ربطها بالوقائع الخارجيّة.

أمّا التأويل - الذي يقوم بإسقاط المفاهيم من خارج النصّ وتحميل الآيات ما لا تحتمل - فلا يمكن قبوله، ومن هنا يجب التنبيه لضوابط التأويل الشرعيّ، ويمكن تلخيصها في الآتي:

1ـ الاعتماد على السياق اللغويّ، أي فهم النصوص بناءً على قواعد اللغة العربيّة ومعانيها الدقيقة.

2ـ الرجوع إلى القواعد والأصول الإسلاميّة، وجعلها مرجعيّةً معياريّةً لأيّ فهمٍ يمكن استنباطه من النصّ القرآنيّ، مضافاً إلى مراعاة المقاصد العامّة للشريعة، وعدم الخروج عنها تحت أيّ مسوقٍ مهما كانت أهميّته.

3ـ الاعتماد على النصوص التفسيريّة كالاستناد إلى القرآن نفسه أو أحاديث المعصومين أو ما أجمع عليه العلماء.

4ـ الاعتماد على المناهج العلميّة المتّفق عليها عند العقلاء والمتشرّعة، ففهم النصوص يجب أنْ يكون قائماً على أسسٍ علميّةٍ متينةٍ، بعيداً عن الأهواء الشخصيّة أو التوجّهات الثقافيّة.

فأيّة محاولةٍ لتأويل القرآن الكريم خارج إطار الضوابط الشرعيّة والقواعد المنهجيّة للشريعة الإسلاميّة، تُعدّ من قبيل (الرأي المذموم) المرفوض شرعاً.

وقد أصبح من الشائع بين بعض دعاة الحداثة إسقاط رؤاهم الفكريّة وأفكارهم الخاصّة على النصوص القرآنيّة، ممّا يؤدّي إلى إخضاع النصوص لمفاهيم شخصيّةٍ دون الالتزام بالمنهجيّة العلميّة المستمدّة من القرآن ومن التراث المنهجيّ للمسلمين.

والإسلام يتميّز بمرونةٍ عاليةٍ في التعامل مع المتغيّرات الاجتماعيّة والثقافيّة، إلّا أنّ هذه المرونة مشروطةٌ بالالتزام بالقيم والمبادئ القرآنيّة. ومع ذلك، تواجه بعض التيّارات الفكريّة الحداثيّة، مثل الليبراليّة، صعوبةً في إعادة تأطير أفكارها وفق النصوص الإسلاميّة، ويرجع ذلك إلى أنّ الليبرالية تنبع من منظومةٍ فلسفيّةٍ ماديّةٍ تركّز على الفرد كغايةٍ في ذاته، بينما ينطلق الإسلام من منظورٍ توحيديٍّ يجعل الإنسان مسؤولاً أمام الله والمجتمع.

فالحريّة في الليبرالية تُفهم بوصفها مطلقةً وغير مقيّدةٍ بقيودٍ أخلاقيّةٍ أو مجتمعيّة، بينما الحريّة في الإسلام تقوم على مبدأ المسؤوليّة. فالحريّة الإسلاميّة تعتمد على القيم الأخلاقيّة التي تحمي حقوق الآخرين وتحفظ المصلحة العامّة.

وبالمثل، فإنّ مفهوم المساواة في الإسلام يقوم على تحقيق العدالة بين البشر، دون أنْ يتعارض مع مبدأ التمايز في الحقوق والواجبات بناءً على طبيعة الأدوار والمسؤوليّات.

ومن السمات الأساسيّة للفكر الليبراليّ اعتماده على النسبيّة الفكريّة التي تؤدّي إلى تجاوز الحدود التي وضعها النصّ الدينيّ، وعلى النقيض من ذلك، يتعامل الإسلام مع النصوص الشرعيّة باعتبارها حقائق ثابتةً يمكن تأويلها ضمن إطارٍ محدّدٍ يراعي روح النصّ وأهدافه العامّة. ويمتلك الإسلام منظومةً معرفيّةً وقيميّةً شاملةً تساعد على استيعاب الأفكار الجديدة وضبطها بما يتوافق مع ثوابته.

والإسلام مكتمل معرفيّاً وعلميّاً بطبيعته، ولا يحتاج إلى تحميله أفكاراً لا تنسجم مع رؤيته للكون والحياة، وما يحتاجه المسلم المعاصر هو الارتكاز على منظومة القرآن المعرفيّة والقيميّة، ثمّ الانفتاح على الواقع المتغيّر لضبطه بما يتماشى مع تلك القيم. الإسلام قادرٌ على التجديد دون المساس بثوابته، ويمثّل مرجعيّةً قادرةً على تقويم الفكر الإنسانيّ بدلاً من الخضوع له.

شرعيّة تأويل النصوص الدينيّة مرهونةٌ بمدى انسجام هذا التأويل مع روح الإسلام وأصوله، فالتأويل المنضبط يمثّل وسيلةً مهمّةً للتجديد ومواكبة العصر، شريطة أن يُحافظ على هويّة الإسلام ومرجعيّته العليا. أمّا التأويل المنحرف، الذي يتجاوز الضوابط الشرعيّة أو ينطلق من جذورٍ ماديّةٍ بحتةٍ، أو يهدف إلى إسقاط الأفكار الجاهزة على النصوص، فإنّه يشكل خطراً يهدّد الرسالة الإسلاميّة.