رواية «قتلانا وقتلاهم في الجنة»

السؤال: هل يلزم الشيعة ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الفئة الباغية، جيش معاوية: «‌قتلانا ‌وقتلاهم ‌في ‌الجنة»؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم –أيّدك الله– أنَّ هذا الحديث لا يلزم الشيعة، فهو مرويٌّ في مصادر العامّة كما رواه ابن أبي شيبة في [المصنّف ج21 ص534]، عن عمر بن أيوب الموصليّ، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، قال: سُئل علي عن قتلى يوم صفين، فقال: «‌قتلانا ‌وقتلاهم ‌في ‌الجنة، ويصير الأمر إليّ وإلى معاوية».

ورواه ابن عساكر بالإسناد عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصمّ قال: «لما وقع الصلح بين عليٍّ ومعاوية، خرج علي فمشى في قتلاه فقال: هؤلاء ‌في ‌الجنة، ‌ثم ‌مشى ‌في ‌قتلى ‌معاوية فقال: هؤلاء في الجنة، وليصير الأمر إليّ وإلى معاوية فيحكم لي ويغفر لمعاوية، هكذا أخبرني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله» [تأريخ دمشق ج59 ص139].

يستدل به مخالفونا على كون قتلى البغاة من جيش معاوية في الجنة، لكن هذا الحديث غير صحيح من حيث السند والدلالة، وهو كالتالي:

 

الوجه الأول: ضعف سنده:

هذا الحديث، رغم أنَّ رجاله موثوقون، إلا أنّ فيه ضعفاً في الإسناد بسبب انقطاعه. فالراوي (يزيد بن الأصم العامريّ) لم يشهد معركة صفين، كما أشار الحافظ الذهبيّ، حيث قال: (ولم تصح روايته عن علي، وقد أدركه، وكان بالكوفة في خلافته) [سير أعلام النبلاء ج4 ص517].

بل جزم الحافظ ابن كثير أنّه لم يدرك أمير المؤمنين (عليه السلام)، حيث قال: (ويزيد بن الأصمّ لم يدرك علياً) [البداية والنهاية ج2 ص259].

وقال محقق كتاب مصنّف ابن أبي شيبة، أبو محمد أسامة بن إبراهيم، معلقاً على هذا الأثر في [ج13 ص443]: (إسناده مرسل، يزيد بن الأصم لم يدرك أنْ يشهد صفين).

 

الوجه الثاني: نكارة متنه:

لا يختلف اثنان من الفرقة الإماميّة المُحقّة أنّ محاربي أمير المؤمنين (عليه السلام) هم في النار، كما قال به الشريف المرتضى: (ومما انفردت به الإماميّة: القول بأنّ من حارب الإمام العادل وبغى عليه وخرج عن التزام طاعته يجري مجرى محارب النبيّ صلى الله عليه وآله، وخالع طاعته في الحكم عليه بالكفر) [الانتصار ج1 ص476].

 

وقال أيضاً: (نقول: من جملة ضروب الكفر، محاربة الإمام، ومدافعته، وممانعته، وما كانوا بهذا الضرب كافرين بدفع النص، ولا مستحقين لعذاب المحاربة والمدافعة، فإذا خرج بهم إلى الحرب فحاربوا ومانعوا، كفروا بذلك، واستحقوا به العذاب، بعد أنْ لم يكونوا عليه في الأول، ولذلك إنْ نطقوا، وأظهروا، وأعلنوا جحد الإمامة والشريعة، وطعنوا فيها طعناً مسموعاً متحققاً، فكل ذلك كفر ما كانوا عليه، ولا مستحقي عقابه) [رسائل الشريف المرتضى ج3 ص321].

 

أمّا نكارة هذا الحديث فلوجود أحاديث تتعارض معه، بعضها يتعلق بمقتل عمار بن ياسر، والبعض الآخر بمحاربة أمير المؤمنين (عليه السلام): ورد في حديث الفئة الباغية أنّه: «يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار» [صحيح البخاريّ ج4 ص21]، أو: «يدعوهم إلى الجنَّة ويدعونه إلى النار» [صحيح البخاريّ ج1 ص97]، والداعي إلى النار لا يكون في الجنَّة جزماً.

 

ورد في حديث قاتل عمار: «إنَّ ‌قاتل ‌عمار ‌وسالبه في النار» [المستدرك ج3 ص437]، وقد حكم الحاكم بصحته على شرط الشيخين، و وافقه الذهبيُّ في التلخيص عليه، وقال: (على شرط البخاريّ ومسلم).

وقد رُوي من طريق القاتل أبي غادية الجهنيّ، قال: «حملت على عمار بن ياسر يوم صفين، فألقيته عن فرسه، وسبقني إليه رجلٌ من أهل الشام، فاجتزّ رأسه، فاختصمنا إلى معاوية في الرأس، ووضعناه بين يديه، كلانا يدّعي قتله، وكلانا يطلب الجائزة على رأسه..» [تأريخ دمشق ج43 ص474].

 

ورد في حديث عن أبي هريرة قال: نظر النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين، فقال: «أنا حربٌ لمن حاربكم، وسلمٌ لمن سالمكم» [مسند أحمد ج2 ص442، فضائل الصحابة ج2 ص767].

ومحارب النبيّ (صلى الله عليه وآله) في النار قطعاً، فكذا محارب أمير المؤمنين (عليه السلام)، فيثبت أنَّ فئة معاوية من أهل النار.

 

والملخص:

على الرغم من ضعف هذا الحديث، ونكارة متنه، إلا أنّه لا يمكن أنْ يُلزم الشيعة به، حيث اتفق الأصحاب على أنَّ محاربي أمير المؤمنين (عليه السلام) من أهل النار، كما قاله الشيخ المفيد في كتابه [الجمل ص73]: (واجتمعت الشيعة على الحكم بكفر محاربي عليّ، ولكنّهم لم يخرجوهم بذلك عن حكم ملّة الإسلام، إذ كان كفرهم من طريق التأويل كفر ملّة، ولم يكفروا كفر ردَّةٍ عن الشرع، مع إقامتهم على الجملة منه، وإظهار الشهادتين، والاعتصام بذلك عن كفر الردّة المخرج عن الإسلام، وإنْ كانوا بكفرهم خارجين من الإيمان، مستحقين اللعنة، والخلود في النار، حسبما قدّمناه، وكلُّ من قطع على ضلال محاربي عليٍّ من المعتزلة، فهو يحكم عليهم بالفسق، واستحقاق الخلود في النار...).

 

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوّلاً وآخراً.