مشي النساء إلى كربلاء في زيارة الأربعين
السؤال: بعض الناس يرون أنَّ مشي النساء إلى كربلاء في زيارة الأربعين غير مناسب؛ لأنَّهم يعتبرونه يتعارض مع مفهوم الستر، ويؤدي إلى الاختلاط مع الرجال. كيف يمكننا الرد على هذه الآراء؟ وهل هناك أدلة تجوّز هذا الفعل؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم ـ أيدك الله ـ أنَّ أصل مشروعيّة زيارة النساء لمراقد المعصومين (عليهم السلام) ولو مشياً على الأقدام، كذهابهنَّ سيراً على الأقدام لأداء زيارة الأربعين في كربلاء المقدّسة، من الأمور المفروغ من مشروعيّتها عند فقهائنا كافة؛ إذ لا يشكِّك أحدٌ في مشروعيّة زيارتهنَّ ومشيهنَّ؛ تبعًا للأدلّة الكثيرة الواردة عن أئمّة الهدى (ع)، ومن جملتها:
الوجه الأوّل: الروايات الشاملة للرجال والنساء:
وهي النصوص الواردة بشكلٍ عامٍ والتي تحثّ على المشي إلى الزيارة، وما يترتب عليه من أجرٍ وثوابٍ عظيمٍ. وفيما يأتي نذكر أربعةً من الروايات:
1ـ ما رواه المشايخ الصدوق وابن قولويه والطوسيّ بالإسناد إلى الحسين بن ثوير بن أبي فاختة قال: قال لي أبو عبد الله (ع): «يا حسين من خرج من منزله يريد زيارة الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) إنْ كان ماشياً كتب الله له بكلّ خطوةٍ حسنة، وحطّ بها عنه سيّئة..» [ثواب الأعمال ص91، كامل الزيارات ص132، تهذيب الأحكام ج6 ص43].
2ـ وما رواه ابن قولويه بإسناده عن أبي الصامت، قال: «سمعتُ أبا عبد الله (ع) وهو يقول: من أتى قبر الحسين (ع) ماشياً كتب الله له بكل خطوةٍ ألف حسنةً، ومحا عنه ألف سيّئةٍ، ورفع له ألف درجة..» [كامل الزيارات ص255].
3ـ وما رواه ابن قولويه بإسناده عن عليّ بن ميمون الصائغ، عن أبي عبد الله (ع)، قال: يا عليُّ، زُرِ الحسين ولا تدعه. قال: قلتُ: ما لمن أتاه من الثواب، قال: من أتاه ماشياً كتب الله له بكلّ خطوةٍ حسنةً، ومحا عنه سيّئةً، ورفع له درجة..» [كامل الزيارات ص256].
4ـ ما رواه الطوسيّ بإسناده عن رفاعة النخّاس عن أبي عبد الله (ع) قال: «أخبرني أبي أنَّ من خرج إلى قبر الحسين (ع) عارفاً بحقّه غير مستكبرٍ وبلغ الفرات ووقع في الماء وخرج من الماء كان مثل الذي يخرج من الذنوب، وإذا مشى إلى الحسين (ع) فرفع قدمًا ووضع أخرى كتب الله له عشر حسنات ومحا عنه عشر سيّئات» [تهذيب الأحكام ج6 ص52].
الوجه الثاني: الروايات الخاصة بالنساء:
وهي الروايات الدالّة على استحباب زيارة النساء بنحوٍ عامٍّ أو مشياً، نقتصر على روايتين في المقام:
1ـ ما رواه الصدوق بإسناده، عن أُمّ سعيد الأحمسيّة، قالت: «جئتُ إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فدخلت، فجاءت الجارية فقالت: قد جئتكِ بالدابة. فقال (عليه السلام): يا أُمّ سعيد، أيّ شيءٍ هذه الدابة، أين تبغين، أين تذهبين؟ قالت: قلت: لأزور قبور الشهداء. فقال: ما أعجبكم يا أهل العراق! تأتون الشهداء من سفرٍ بعيدٍ وتتركون سيّد الشهداء ولا تأتونه؟! قالت: قلتُ له: مَن سيّد الشهداء؟ فقال: الحسين بن علي (ع). قالت: قلت: إنّي امرأة. فقال: لا بأس بمن كانت مثلك أنْ تذهب إليه وتزوره. قلت: أيّ شيء لنا في زيارته؟ قال: تعدل حجّة وعمرة واعتكاف شهرين في المسجد الحرام وصيامهم» [ثواب الأعمال ص97].
2ـ ما رواه محمد بن عليّ العلوي، بإسناده: عن يحيى بن مساور، قال: كان جعفر بن محمد (ع) جالساً فأقبلت امرأةٌ من العرب، فقال: «ما لي لم أركِ منذ أمس؟ قالت: كنت عند قبور الشهداء. قال: تركتِ سيّد الشهداء عندك! قالت: مَن هو؟ قال: الحسين (ع). قالت: أزوره؟ قال: نعم زوريه؛ فإنّه أفضل من حجّةٍ وحجّةٍ حتى عدّ عشرا. فقلت: فما لمن زاره ماشياً؟ قال: له بكل خطوةٍ حجّةٌ وعمرة» [فضل زيارة الحسين (ع) ص63].
الوجه الثالث: قاعدة الاشتراك في الأحكام:
من جملة القواعد الفقهيّة المعروفة لدى الفقهاء هي قاعدة الاشتراك التي مفادها: اشتراك المكلّفين في الأحكام الشرعيّة رجالاً ونساءً إلى قيام يوم القيامة، إلّا في الموارد التي ثبتت خصوصيّة للرجل أو المرأة فيها، فتكون خارجة عن القاعدة تخصيصاً [ينظر: القواعد الفقهيّة ج2 ص53].
وبناءً على هذه القاعدة فإنَّ الاستحباب الوارد في الروايات يشترك فيه الرجال والنساء على حدٍّ سواء، ولم يرد فيها ما يدلّ على حصر استحباب المشي بالرجال فقط. ولا يوجد ما يدلّ على منع خروج النساء مطلقاً فيثبت حكم استحباب المشي المشترك.
نعم، ربما يُتشهّد لمنع النساء عن الزيارة بأمور:
الأوّل: حديث: «لعن الله زوّارات القبور».
قلنا: هذا الحديث ضعيف؛ فهو من مرويّات العامّة، ورغم ضعفه، لا يمكن أنْ يُفهم منه أنَّه يمنع زيارة النساء على نحوٍ مطلقٍ، بل هو ورد بصيغة مبالغة، حيث إنّ كلمة «زوَّارات» تشير إلى النساء اللواتي يُكثِرن من الزيارة، وليس إلى الزيارة بشكلٍ عام.
والثاني: خروج النساء للزيارة مشياً مؤدٍّ للاختلاط مع الرجال.
قلنا: الزيارة شيءٌ والاختلاط المحرَّم شيءٌ آخر، فإنّ حصول الاختلاط المحرَّم أثناء الزيارة نظير النظر للأجنبيّة حال الصلاة المفروضة؛ إذ لا يُلتزم بحرمة الصلاة لأجل النظر المحرَّم، وإنّما يُلتزم بحرمة النظر وبوجوب الصلاة. ألا ترى أنَّ مثل هذا الاختلاط حاصلٌ في الحجّ مع أنّ أحداً لا يتوهّم الحكم بحرمة الحجّ عليهنَّ، وإنّما يُلتزم بحرمة الأفعال المحرّمة وبوجوب الأفعال الواجبة دون تسرية أحدهما للآخر، وهكذا في المقام يُلتزم بمشروعيّة ومحبوبيَّة الزيارة وبحرمة الأفعال المحرَّمة.
والثالث: خروج النساء بلا رحم لوحدها.
قلت: خروج المرأة لوحدها للزيارة مشياً أو راكبةً ليس فيه محظورٌ شرعيٌّ عند الفقهاء كافة، وهو نظير ذهاب المرأة إلى الحجّ لوحدها وقد عقد الحرّ العامليُّ في كتابه: «وسائل الشيعة» باباً خاصَّاً لخروج النساء إلى حجّ بيت الله، وذكر عدّة روايات، نورد بعضاً منها:
1ـ عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله (ع) في المرأة تريد الحجّ ليس معها محرم، هل يصلح لها الحجّ؟ فقال: «نعم، إذا كانت مأمونة» [وسائل الشيعة ج11 ص153].
2ـ عن معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبد الله (ع): عن المرأة تحجّ إلى مكة بغير وليّ؟ فقال: «لا بأس تخرج مع قومٍ ثقات» [وسائل الشيعة ج11 ص153].
3ـ عن معاوية بن عمّار، قال: سألتُ أبا عبد الله (ع) عن المرأة تحجّ بغير وليّ؟ قال: «لا بأس، وإن كان لها زوجٌ أو أخٌ أو ابن أخ فأبوا أنْ يحجّوا بها وليس لهم سعة، فلا ينبغي لها أنْ تقعد، ولا ينبغي لهم أن يمنعوها...» [وسائل الشيعة ج11 ص153].
نكتفي بهذا القدر والحمد لله أوّلاً وآخراً.
اترك تعليق