هل كانت عائشة لا تطيب نفسا لعلي (ع) بخير؟

السؤال: يقال: إن الأحاديث الواردة أنَّ «عائشة لا تطيب لعليٍّ نفساً» أو «لا تقدر على أنْ تذكره بخير» ونحو ذلك، ضعيفةٌ بل منكرة، وعلى فرض الصحة فليس ذلك كرهاً، بل يمثّل غضبها بسبب إشارة عليٍّ على النبيّ أنْ يطلّقها في حادثة الإفك، وهذا يسوغ لها أنْ تغضب.

:  الشيخ أمير الخزاعي

الجواب:

يشتمل هذا الجواب على قسمين أساسيّين: الأوّل: يتعلّق بالإيراد على الحديث من جهة سنده ومضمونه، والثاني: يتناول توجيهه على فرض صحّته.

أمّا القسم الأوّل، فقد قيل إنّ الزيادة الواردة في الحديث بلفظ: «عائشة لا تطيب لعليّ نفساً» أو «لا تقدر على أنْ تذكره بخيرٍ» إنَّما تفرّد بها معمرٌ عن الزهريّ، وأنَّ البخاريّ ومسلم لم يذكراها في صحيحيهما؛ فلذا الحديث منكرٌ.

غير أنَّ هذا الادّعاء غير دقيقٍ؛ لأنَّ هذه الزيادة لم ينفرد بها معمرٌ وحده، بل رواها أيضاً يونس بن يزيد عن الزهريّ، كما أورد ابن سعدٍ في [الطبقات الكبرى ج2 ص232]. ومن ثمَّ، فطريق الحديث لم يكن منحصراً في راوٍ واحدٍ، بل تعدّد بنقله كلٌّ من معمرٍ ويونس بن يزيد، فلا يصحّ القول بالتفرّد.

وعليه، فإنَّ الإشكال لا يَرِد على من نقل الحديث كاملاً بتمام ألفاظه كما فعل المتقدّمون، بل على من اقتطع بعضه وأسقط هذه الزيادة، وهما البخاريّ ومسلم، رغم أنَّ طريقهما في الرواية واحدٌ، ولا يختلف إلّا في الواسطة.

وإذ نعلم أنَّ عبد الرزاق الصنعانيّ [ت211هـ]، وابن سعدٍ [ت230هـ]، وأحمد بن حنبلٍ [ت241هـ]، الذين رووا الحديث كاملاًـ أسبق زماناً من البخاريّ [ت256هـ] ومسلم [ت261هـ]، فإنَّ المقارنة التاريخيّة تبيّن بوضوحٍ أنَّ المتقدّمين رووا الحديث مشتملاً لعبارة: «ولا تطيب له نفساً» [مسند أحمد ج40 ص67 و68 و69، الطبقات الكبرى ج2 ص232، مصنّف عبد الرزاق ج5 ص297، صحيح السيرة النبويّة ص564].

بينما أسقطاها المتأخّران عنهما، أي البخاريّ ومسلم، وهذا يدلّ على وقوع حذفٍ أو تحريفٍ متعمّدٍ في نصّ الرواية.

ويؤيّد ذلك: أنَّ بعض شُرّاح الصحيحين -كالكرمانيّ -تنبّه إلى هذا الحذف والتقطيع، فلجأ إلى تأويلاتٍ متكلّفةٍ لتبرير غياب هذه الزيادة، فردَّ عليه ابن حجرٍ العسقلانيّ في فتح الباري، حين قال: (قوله: «قال: هو عليّ بن أبي طالبٍ»، زاد الإسماعيليّ من رواية عبد الرزاق عن معمرٍ: «ولكن عائشة لا تطيب نفساً له بخيرٍ»، ولابن إسحاق في المغازي عن الزهريّ: «ولكنها لا تقدر على أن تذكره بخيرٍ». ولم يقف الكرمانيّ على هذه الزيادة، فعبّر عنها بعبارةٍ شنيعةٍ. وفي هذا ردٌّ على من تنطّع فقال: لا يجوز أن يُظنّ ذلك بعائشة، ردٌّ أيضًا على مَن زعم أنَّها أبهمت الثاني لعدم تعيّنه؛ إذ كان تارةً يتوكّأ على الفضل، وتارةً على أسامة، وتارةً على عليّ، وفي جميع ذلك كان الرجل الآخر هو العبّاس، وخصّ بذلك إكراماً له. وهذا توهّمٌ ممن قاله -يقصد النوويّ -، والواقع خلافه؛ لأنَّ ابن عبّاسٍ في جميع الروايات الصحيحة جازمٌ بأنَّ المبهم هو عليّ، فهو المعتمد، والله أعلم. ودعوى وجود العبّاس في كلّ مرّةٍ والآخر يتبدّل، مردودةٌ بدليل رواية عاصمٍ وغيرها، الصريحة في أنَّ العبّاس لم يكن حاضراً لا في مرّةٍ ولا في مرّتين منها) [فتح الباري ج2 ص156].

فيتّضح من تحليل ابن حجرٍ أنَّ الرواية الأصليّة -طبقاً لِـمَا ذكرناه -ليست منكرةً كما زعم المعترض في السؤال، بل لها أصلٌ معتبرٌ في روايات أهل الحديث؛ فلذا قام البعض بذكر التوجيهات!

ومنه تعلم أنَّ الإشكال السنديّ الذي أُثير حول هذه الزيادة لا أساس له، وبهذا يتمّ الجواب عن القسم الأوّل من البحث المتعلّق بالإشكال السنديّ في الرواية.

وأمّا القسم الثاني: وهو ما يتعلّق بتوجيه صدور مثل هذا الكلام من عائشة، فنقول: إنَّ محاولة تأويل هذه العبارة أمرٌ لا مفرّ منه عند أهل السنّة؛ لأنَّهم يروون في كتبهم بأسانيد صحيحةٍ قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنَّه لعهد النبيّ الأميّ إليَّ: أنْ لا يحبّني إلا مؤمنٌ، ولا يبغضني إلا منافقٌ» [صحيح مسلم ج1 ص61].

فلا بدّ لهم من تقديم تفسيرٍ يرفع التعارض بينه وبين ما نُقل من بغضها لعليّ (عليه السلام)؛ ولذلك نراهم يلجؤون إلى توجيهاتٍ متعدّدةٍ، يحاولون من خلالها تبرير صدور مثل هذا القول عنها. ومن جملة هذه التوجيهات: ما جاء في السؤال، أنَّ لعائشة عذراً في ذلك بسبب موقف عليٍّ (عليه السلام) منها في قضيّة الإفك، إلّا أنَّ هذا التوجيه واهٍ؛ لعدّة وجوهٍ:

الأوّل: أنَّه حتى لو سلّمنا بصحّة حادثة الإفك كما يروونها، فإنَّها لا تصلح مبرّراً لمخالفة أمرٍ صريحٍ من النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) بوجوب محبّة عليّ (عليه السلام)؛ إذ لا اجتهاد في مقابل النصّ، ولا عذر في مخالفة وصيّةٍ نبويّةٍ أكّد فيها أنَّ بغض عليّ علامة نفاقٍ.

والثاني: أنَّ أصل قضيّة الإفك نفسها موضع إشكالٍ كبيرٍ، بل إنَّ كثيراً من الباحثين يرى أنَّها لم تكن متعلّقةً بعائشة أصلاً، بل بمارية القبطيّة، ثم إنَّها لم تُروَ إلّا من طريق عائشة نفسها، مع أنَّها حادثةٌ عظيمة الشأن لو وقعت فعلاً لبلغت حدّ التواتر، ولا يمكن أن تنحصر روايتها في شخصٍ واحدٍ كان طرفاً فيها.

والثالث: أنَّ الروايات التي وردت في شأن الإفك تتضمّن أموراً لا تليق بمقام النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): من قبيل استشارته لأسامة بن زيدٍ ـ وهو آنذاك غلامٌ صغيرٌ لا يتجاوز المراهقة ـ في أمرٍ بهذه الخطورة.

أو من قبيل ما ورد من اعتزاله شهراً كاملاً عن الناس، وهي تصوّراتٌ لا تليق بشأن النبيّ (ص) في جلاله وسموّ خلقه.

وثمّة إشكالاتٌ أخرى عديدةٌ في قضيّة الإفك على رواية عائشة لسنا الآن بصدد مناقشتها أو تحقيق تفاصيلها؛ إذ يخرج ذلك عن نطاق هذا البحث، ولمن أراد التوسّع في دراسة هذه الحادثة من مختلف الجوانب التاريخيّة والتفسيريّة، فيمكنه الرجوع إلى عددٍ من المؤلَّفات المتخصّصة، منها:

كتاب حديث الإفك تأليف السيّد جعفر مرتضى العامليّ، وكتاب دراسةٌ نقديّةٌ في روايات حادثة الإفك تأليف جعفر نيا، وكتاب دراسةٌ تاريخيّةٌ وتفسيريّةٌ لحادثة الإفك تأليف حسينيان مقدّم.

هذا، وإنَّ ما يُطرح من محاولاتٍ لتبرير صدور هذا القول عن عائشة ليس إلّا تأويلاتٍ اضطراريّةً من قِبَل بعض علماء أهل السنّة، وهي تفتقر إلى الأساس العلميّ المنسجم مع الأصول العقليّة والحديثيّة؛ حيث إنَّ بناء التبرير على قضيّةٍ لم تثبت في أصلها، أو إثباتها متوقّفٌ على ثبوت القول نفسه، يُعدّ مصادرةً على المطلوب.