هل إعراض الإمام الكاظم (ع) عن أكل الأرز ينافي العصمة؟

السؤال: تروي الشيعة عن زرارة أنَّه قال: «رأيت داية أبي الحسن موسى (ع) تلقمه الأرز وتضربه عليه، فغمّني ما رأيته، فلما دخلتُ على أبي عبد اللّه (ع) قال لي: أحسبك غمّك الذي رأيتَ من داية أبي الحسن موسى (ع)؟، فقلتُ له: نعم، جعلتُ فداك. فقال لي: نِعم الطعام الأرز، يوسّع الأمعاء ويقطع البواسير، وإنّا لنغبط أهل العراق بأكلهم الأرز والبسر، فانَّهما يوسعان الأمعاء ويقطعان البواسير». وفي هذه الرواية يظهر أنَّ الإمام لا يعلم أمور صلاحه، إذ لم يكن يعلم عظيم منافع الأرز وأعرض عن أكله ما اضطر الداية أنْ تضربه وبإقرار إمامٍ آخر، وفي هذا كلِّه منافاةٌ للعصمة المدعاة.

: الشيخ حسين العابد

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الرواية المذكورة رواها الشيخ البرقيّ والشيخ الكلينيّ بإسنادهما إلى يونس بن عبد الرحمن، عن هشام بن الحكم عن زرارة [ينظر: المحاسن ج2 ص305، الكافي ج12 ص514].

ويظهر من تتبع خلفيات السؤال أنَّ لبعضهم في المقام إشكالين على الشكل التالي:

الأول: في ضرب الداية – أي المربية والحاضنة - للإمام موسى الكاظم (ع) بمرأًى ومسمعٍ من الإمام جعفر الصادق (ع) دونما ردعٍٍ منه أو نهيٍ، بل وتقريره لتصرفها هذا، إشكالٌ على عصمة الإمام جعفر الصادق (ع)؛ إذ لم ينهَ عن المنكر، بل وأقرّ به، ولا تخفى حرمة كلا الأمرين.

الثاني: امتناع الإمام موسى الكاظم (ع) عن أكل الأرز؛ إمّا لعدم علمه بمنافعه، وفيه إشكالٌ على علمه، أو لتفريطه بما فيه نفعه، وفي هذا إشكالٌ على عصمته؛ إذ تعتقد الإمامية بعصمة الأئمة (ع) عن الأخطاء طرّاً، والتفريط من الخطأ.

والجواب عن ذلك وبقطع النظر عن دراسة جهة الصدور، ومدى إمكان التمسك بالآحاد في غير الشرعيات، فيما يلي:

أولاً: غضّ الإمام الصادق (ع) طرفه عن تصرّف المربية في حينها بوجود زرارة وتجنب الرَّد عمّا غمّ زرارة بالفعل - أي ضرب المربية للإمام الكاظم (ع) –، وتغيير الحديث إلى حديثٍ عن أمرٍ آخر - أي فوائد الأرز -، لا يدلُّ على تقريره لفعل المربية ورضاه عن تصرفها، بل هو على العكس ينمّ – عند ذوي الذوق السليم - عن سمو أخلاقه، وشدَّة حلمه ونبله ومرؤته؛ إذ لم يشأ معاتبة المربية بحضورٍ من زرارة رغم سلوكها هذا مع ابنه وفلذة كبده. كيف لا؟! وهو وآباؤه البررة (ع) الذين قد علمونا وأدّبونا على التلطّف في النهي عن المنكر، والتحلّي بمكارم الأخلاق في النصيحة. فالحقّ أنَّ هذا الموقف منه (ع) مما يؤيّد عصمته، لا العكس، وله نظائر وأشباه كثيرةٌ معروفةٌ؛ كموقفه من الجارية التي عصت أمره في الصعود على السطح وأوقعت أحد ابنائه من يدها فمات. [ينظر: مناقب آل أبي طالب ج4 ص296]. وينصح للاطلاع على بعض تلك المواقف العظيمة مطالعة ما ألفه العلامة محمد حسين المظفر في سيرة الإمام جعفر الصادق (ع).

وثانياً: لا ملازمة بين امتناع الإنسان عن طعامٍ ما وبين عدم معرفته بفوائده وما فيه صلاحه، أو كونه مفرّطاً بما هو نافعٌ له؛ إذ الامتناع أيضاً يكون بسبب الاكتفاء، أو عدم الاشتهاء في وقتها، أو النفرة الطبعيَّة الجبليَّة من نفس الطعام، أو من طريقة إعداده لكونه غير ملائمٍ أو مناسبٍ له، أو الشعور بألمٍ ما أو تعبٍ أو نعاسٍ، إلى غير ذلك من الأسباب الوجيهة التي لا حصر لها، والتي يكون الامتناع معها هو التصرف الصحيح.

فمن أين عرف المستشكل أنَّ سبب امتناع الإمام (ع) كان لعدم معرفته بفوائد الأرز وأمور صلاحه أو تفريطه؟ هل اطّلع على الغيب أم اتخذ عند الرحمان عهداً؟!

ثم بقطع النظر عن كلِّ هذا، متى كان ترك المباح مما ينافي العصمة؟ هذا وقد روى العامَّة امتناع النبيّ (ص) عن جملةٍ من الأمور المباحة والتي لا يخفى على أحدٍ فوائدها بحد ذاتها؛ كامتناعه عن أكل الطعام الحاوي على الثوم لكراهته ريحه، ولم يقل عاقلٌ أنَّ ذلك لعدم علمه (ص) بفوائد الثوم وأمور صلاحه، أو التفريط بما فيه نفع بدنه الشريف. [ينظر: مسند أحمد ج5 ص417].

وثالثاً: ينبغي ألا نغفل عن أنَّ لحجج الله تعالى جنبةً بشريةً؛ فيتألمون ويتعبون ويتنفرون من بعض الأشياء - وإن كانت مباحةً مفيدةً بحد ذاتها - وينجذبون لأخرى. وعدُّ ذلك من منافيات العصمة هو من ضحالة التفكير، ويرجع - روحاً - إلى شبهةٍ أوسع وهي شبهة "بشرية الأنبياء" التي كان السابقون يتمسكون بها لنفي نبوة الأنبياء (ع)، وقد استنكرها عليهم القرآن الكريم؛ إذ يقول تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 7]. ويقول سبحانه: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا} [الإسراء: 94].

وقد ورد: أنَّ نبي الله عيسى (ع) كان في صباه قد شكى من مرضٍ ألمّ به، فوصف لأمه (ع) دواءً، ولما أعدّته له ودنت لتسقيه إياه تنفّر منه وكرهه، ثمّ شمَّه قبل أنْ يشربه، ولما شربه بكى من طعمه، فاستفهمت أمه (ع) عن ذلك؛ فقال لها: وصفتُه لكِ بعلم النبوة، وكرهته لجزع (ضعف) الصبا. [ينظر: النبوة للصدوق ص305، قصص الأنبياء للراونديّ ج2 ص150]. فليس من المنطق أنْ نأتي ونقول: أنَّ تنفر نبي الله عيسى (ع) من طعم الدواء ورائحته وكراهته له كاشفٌ عن عدم علمه بفوائد الدواء وأمور صلاحه، أو تفريطه بما فيه نفعه!.

ورابعاً: الصحيح شرعاً وعقلائياً الانطلاق في قراءة تصرفات أهل الصلاح من حسن الظن؛ فضلاً عما إذا كان هؤلاء هم حجج الجبار ورؤساء الدين وأئمة المسلمين؛ الذين ثبتت إمامتهم وعصمتهم بالأدلة والبراهين المنقحة في علم الكلام؛ فحينئذٍ قراءة تصرفاتهم انطلاقاً من حسن الظنِّ وحملها جميعاً على الحسَن هو اللازم والمتوجب والمتعين، والانطلاق من سوء الظن هو الكاشف عن الجهل أو التفريط بما فيه صالح الدنيا والآخرة عصمنا الله تعالى وجميع المسلمين!