هل لحوم بني فاطمة محرمة على السباع؟

السؤال: روي عن النبيّ «أنَّ لحوم بني فاطمة محرَّمة على السباع»؛ لذا أطالب عرض كلِّ السادة على الأسود، فإنْ افترستهم فهم ليسوا بسادة، وإنْ لم تفترسهم فهم سادة، وإنْ لم يفعلوا فعليهم إسقاط تلك الروايات وتكذيبها وحرقها؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

يُشير السائل إلى ما ورد في بعض الروايات الدالَّة على أنَّ لحومهم محرَّمة على السباع، نذكر ما عثرنا عليه منها، ومن ثمَّ نجيب عنها بشيءٍ من التفصيل، فنقول ومن الله تعالى نستمد العون والقدرة.

1ـ روى ابن حمزة الطوسيّ (طاب ثراه) عن أبي عبد الله الحافظ النيسابوريّ في كتابه الموسوم بالمفاخر، ونسبه إلى جدِّه الرضا (عليه السلام)، وهو أنَّه قد دخل على المأمون وعنده زينب الكذَّابة، وكانت تزعم أنها زينب بنت عليّ بن أبي طالب ... فقال المأمون للرضا (عليه السلام): ما مصداق قولك هذا؟ فقال: «إنا أهل بيتٍ لحومنا محرَّمة على السباع» [الثاقب في المناقب ص546، مطالب السؤول للشافعيّ ص457، كشف الغمَّة للإربليّ ج3 ص54، فرائد السمطين للشافعيّ ج2 ص208]، وغيرها.

2ـ وروى قطب الدين الراونديّ (طاب ثراه) عن أبي هاشم الجعفريّ قريبٌ من الرواية المتقدِّمة إلَّا أنَّها في خصوص المتوكِّل العبَّاسيّ والإمام الهادي (عليه السلام)، وفيها قوله (عليه السلام): «لحوم ولد فاطمة محرَّمة على السباع، فأنزلها إلى السباع، فإنْ كانت من ولد فاطمة فلا تضرُّها السباع» [يُنظر: الخرائج والجرائح ج1 ص404].

3ـ وروى ابن شهر آشوب قريبٌ من رواية الراونديّ (طاب ثراهما)، وفيها قوله (عليه السلام): «إنَّ في ولد عليٍّ علامةً، قال: وما هي؟ قال: لا تعرض لهم السباع، فالقها إلى السباع فإنْ لم تعرض لها فهي صادقة». وفيها أيضاً قوله (عليه السلام) بعد أنْ عُرض على السباع الجائعة: «قال النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): حُرِّم لحوم أولادي على السباع» [يُنظر: مناقب آل أبي طالب ج3 ص518].

أقول: هذا ما عثرنا عليه في هذا المقام من الروايات، ولنا معها عدَّة وقفات، نذكرها في ضمن أمورٍ:

الأمر الأوَّل: الملاحَظ أنَّ هذه الروايات الثلاثة غير تامة السند؛ ولذلك فلا يُمكن الاعتماد عليها في بيان الضابط في تحديد النسب وصحَّته، إذْ تحديد الضابط في أمثال ذلك لابدَّ أنْ يثبت بدليلٍ معتبرٍ، كما لا يخفى.

الأمر الثاني: لو أغمضنا النظر عن مسألة السند وقلنا باعتباره، فإنَّ ظاهرها هو خصوص أولاد الزهراء (عليها السلام) المباشرين، وليس لعامة الذريَّة المباركة حتَّى يصحُّ ما قاله السائل من اختبار السادة (رفع الله مقامهم) بالعرض على السباع.

والقرينة على هذا الفهم: صراحة رواية الإمام الرضا (عليه السلام) المتقدِّمة، وظهور رواية الراونديّ وابن شهر آشوب في ذلك، ولذلك احتمل السيد كاظم الحائريّ (دام ظلُّه) في أنها مختصَّة بأولادها المباشرين ومن يريد المعصوم له ذلك، وليست عامةً للكل [يُنظر: الإمامة وقيادة المجتمع ج2 ص117].

ونظير ذلك ما ورد في بعض الروايات، أمثال ما رواه الصدوق (طاب ثراه) بالإسناد عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنه قال: «إنَّ فاطمة أحصنت فرجها، فحرَّم الله ذريتها على النار» [عيون أخبار الرضا ج2 ص 68] حيث فُسِّر لفظ (الذرية) فيها بخصوص أولادها المباشرين (صلوات الله عليهم).

1ـ فقد روى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن الإمام الرضا (عليه السلام) حين قال لأخيه زيد النار: «يا زيد، أغرَّك قول بقَّالي الكوفة أنَّ فاطمة أحصنت فرجها فحرَّم الله ذريتها على النار؟ والله ما ذلك إلَّا للحسن والحسين وولد بطنها خاصَّةً» [معاني الأخبار ص106].

2ـ وروى (طاب ثراه) أيضاً بسنده عن محمَّد بن مروان، قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): هل قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): إنَّ فاطمة أحصنت فرجها فحرَّم الله ذريتها على النار؟ قال: نعم، عنى بذلك الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم» [معاني الأخبار ص106].

3ـ وروى (طاب ثراه) أيضاً بسنده عن حماد بن عثمان، قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك، ما معنى قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): إنَّ فاطمة أحصنت فرجها فحرَّم الله ذريتها على النار؟ فقال: المعتقون من النار هم ولد بطنها: الحسن، والحسين، وزينب، وأم كلثوم» [معاني الأخبار ص106].

الأمر الثالث: إنَّ الملاحظ في هذه الروايات المتقدِّمة أنَّها تحكي كرامةً من كرامات أهل البيت (عليهم السلام)، ومن الواضح أنَّ الكرامات لا تعطي قانوناً شاملاً للكل، وإنما هي حالاتٌ خاصةٌ تحكي كرامة المعصوم عند الله تعالى، وتلزم أهل الشك والريب الحجة البالغة، ولذلك فلا يصحُّ أنْ تكون قانوناً عاماً للجميع مثلما يُريده السائل في كلامه السالف، كما هو واضحٌ.

فقد روى الشيخ يوسف بن حاتم الشاميّ عن الفضل بن الربيع، وفيه: «إنَّ الرشيد استدعاه يوماً وقال له: امض إلى عليّ بن موسى العلويّ واخرجه من الحبس وألقه في بركة السباع، فقال الفضل بن الربيع: فما زلتُ ألطف له وأرفق به لعلَّه يرجع عن ذلك، فاشتدَّ غضبه وقال: والله لئن لم تلقه لهم لألقينك بدله. قال: فمضيتُ إلى عليّ بن موسى (عليهما السلام) فقلت له: إنَّ أمير المؤمنين الرشيد قد أمرني بكذا وكذا. فقال: افعل ما أمرت به، فإني مستعينٌ بالله تعالى. وأقبل يمشي معي إلى أنْ انتهينا إلى البركة ففتحتُ بابها وأدخلته، وكان فيها أربعون سبعاً، وأنزلته وأطبقتُ عليه الباب... إلى قوله: فقلتُ: يا أمير المؤمنين، أمرتني أنْ القي عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) للسباع. فقال: ويلك ألقيته؟ قلتُ: إي والله. قال: امضِ فانظر الذي فعلت، فأخذتُ الشمع بين يدي إلى أنْ وصلتُ إلى الموضع، فطالعتُ إليه فإذا هو قائمٌ يصلِّي والسباع حوله يلحسون قدميه» [الدر النظيم ص681، إثبات الهداة ج4 ص٣٧٠]، وغيرهما.

الأمر الرابع: ولو سلَّمنا ـ جدلاً ـ بأنَّ الرواية ناظرةٌ إلى بيان قاعدةٍ من قواعد تشخيص النَّسب، فإننا نقول: إنَّ باب معرفة الأنساب وثبوتها لا ينحصر بهذه القاعدة، بل توجد معايير وضوابط أُخرى معتبرةٌ يُمكن الرجوع إليها في المقام لإثبات النسب الشريف لذرِّية رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بصورةٍ أيسر وأوضح. أمثال البينة أو الشياع المفيد للاطمئنان، ولذلك فلا وجه لإلزام النفس بتطبيق هذه الضابطة بالخصوص مع توفُّر طرقٍ أُخرى أقرب تناولاً وأسهل تطبيقاً تُفضي إلى نفس النتيجة المطلوبة.

والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ ما ذُكر في كلام السائل لا يرتقي إلى مستوى البحث العلميّ، بل هو أقرب إلى التهريج من غيره، كما يكشف عن موقفٍ متحاملٍ تجاه الشيعة عموماً، وتجاه السادة من ذرية رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) خصوصاً، وهو أمرٌ بيِّنٌ لمن نظر إليه بعين الإنصاف .. والحمد لله ربِّ العالمين.