هل انحاز الإمام علي (ع) لبني تميم؟

السؤال: روي في نهج البلاغة قول الإمام (ع) لعبد الله بن العباس: «وقد بلغني تنمُّرك لبني تميم وغلظتك عليهم... وإنَّ لهم بنا رحماً ماسَّةً، وقرابةً خاصةً، نحن مأجورون على صلتها، ومأزورون على قطيعتها ....». ما هو التفسير الدقيق لربط الإمام عليّ (ع) بين قرابة بني تميم وبين مسؤولية ابن عبّاس كوالٍ؟ وكيف نوفق بين نهيه عن (التنمر والغلظة)، وبين ذكر (الرحم) دافعاً للإحسان، لئلَّا يُظن أنَّ الإمام يشرع لسياسة التفضيل القبليّ في إدارة الدولة؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم – أيّدك الله – أنَّ الكتاب الذي بعثه أمير المؤمنين (ع) لواليه على البصرة عبد الله بن عبّاس كان سببه أنَّ الوالي قد أضرّ ببني تميم للَّذي عرفه عنهم من العداوة يوم الجمل؛ لأنّهم كانوا من شيعة أهل الجمل، فحمل عليهم الوالي فأقصاهم، وتنكَّر عليهم، وعيّرهم بالجمل حتّى كان يسمّيهم أنصار عسكر -وهو اسم جمل عائشة-وحزب الشيطان. فاشتدّ ذلك على نفرٍ من بني تميم هم شيعةٌ لأمير المؤمنين (ع) منهم حارثة بن قدامة وغيره. فكتب بذلك حارثة إلى أمير المؤمنين عليّ (ع) يشكو إليه صنيع الوالي بهم. فكتب (ع) إلى ابن عبّاس: «اعلم أنَّ البصرة مهبط إبليس ومغرس الفتن، فحادث أهلها بالإحسان إليهم، واحلُلْ عقدة الخوف عن قلوبهم، وقد بلغني تنمّرك لبني تميمٍ وغلظتك عليهم، وإنَّ بني تميم لم يغبْ لهم نجمٌ إلا طلع لهم آخر، وإنهم لم يسبقوا بوغمٍ في جاهليَّةٍ ولا إسلامٍ. وإنَّ لهم بنا رحماً ماسةً، وقرابةً خاصَّةً، نحن مأجورون على صلتها، ومأزورون على قطيعتها. فأربع أبا العباس رحمك الله فيما جرى على لسانك ويدك من خيرٍ وشرٍّ، فإنا شريكان في ذلك، وكُنْ عند صالح ظنَّي بك، ولا يفيلنَّ رأيي فيك. والسلام» [نهج البلاغة ج3 ص18].

ولم يكن في كتاب أمير المؤمنين (ع) لعامله على البصرة عبد الله بن عبّاس محاباةٌ أو تمييزٌ طبقيٌّ، بل كان تصحيحاً لمسارٍ إداريّ لضمان العدل الشامل، وتجنب الظلم الناتج عن الغلظة والمواقف الشخصيَّة، وهو ما يتضح من خلال نقاطٍ أربعةٍ نذكرها:

النقطة الأولى: أنَّ الذي جاء في رسالته يبيِّن أهمية الحفاظ على السلم المجتمعيّ، حيث كانت البصرة تُعتبر في ذلك الوقت مغرس الفتن. وكان بنو تميم يمثلون ثقلاً اجتماعيّاً وقبليّاً كبيراً؛ لذا فإنَّ التوجيه باللين يهدف إلى تأليف القلوب، وهو إجراءٌ سياسيٌّ حكيمٌ يساعد في منع الاضطرابات التي قد تضر بعموم الرعية.

النقطة الثانية: أنَّ ما جاء في رسالته (ع) للوالي يوضح أهمية ردع الظلم وحماية الجميع من أي ظلمٍ قد يقع عليهم بسبب شدة المعاملة. وهذا هو جوهر العدل الذي يسعى له أمير المؤمنين (ع) لحماية الجميع من تعسف السلطة.

النقطة الثالثة: أنَّ تذكيره لابن عبّاس بالقرابة والرحم، كان بمثابة محفزٍ نفسيٍّ وأخلاقيٍّ له، فأراد أنْ يذكَّره بأن هؤلاء الناس ليسوا غرباءً أو أعداءً، بل هم جزءٌ من نسيجه الاجتماعيّ الذي ينبغي عليه أن يرعاه بمسؤوليَّةٍ مضاعفةٍ؛ حيث إنَّ سبب شدة الوالي كانت من أجل انتماء بعضهم لفرقة أهل الجمل، فحمل عليهم ابن عبّاس فأقصاهم وتنكَّر عليهم وعيَّرهم بالجمل [شرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 4 ص395].

والرحم هنا هو رحم الإسلام أو القرابة التي تعود إلى مضر (حيث يلتقي بنو هاشم وبنو تميم في إلياس بن مضر)، وإنَّ ذكر القرابة لم يكن لتفضيلهم على غيرهم، بل لكفِّ الأذى عنهم ومنع استضعافهم، فالعدل يقتضي إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، ولا سيما من يجمعك بهم حقَّان: حقُّ الرعية، وحقُّ القربى.

النقطة الرابعة: أكَّد (ع) في رسالته على الشراكة بقوله "فإنا شريكان في ذلك"؛ ليظهر لنا أهمية التعاون والمسؤوليَّة المشتركة. فأي تجاوزٍ يقوم به الوالي تجاه الرعية، سواء كانوا من بني تميم أو غيرهم، سيتحمل الإمام (ع) وزره أيضاً. وهذا يبرز أهمية العدل والرفق كواجباتٍ شرعيَّةٍ وإداريَّةٍ نتشارك فيها جميعاً.

نكتفي بهذا القدر والحمد لله أولاً وآخراً.