هل سيعيد الإمام المهدي (ع) بناء المسجد الحرام والمسجد النبوي؟
هل الإمام المهديُّ (عليه السلام) سيُعيد بناء المسجد الحرام والمسجد النبويِّ عند ظهوره المبارك؟
بسم الله الرحمن الرحيم
يُشير السائل إلى ما رواه شيخنا الكلينيُّ (طاب ثراه) بسندٍ مرسلٍ عن أبي بصيرٍ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنَّ القائم (عليه السلام) إذا قام ردَّ البيت الحرام إلى أساسه، ومسجد الرسول إلى أساسه، ومسجد الكوفة إلى أساسه. وقال أبو بصيرٍ: إلى موضع التمَّارين من المسجد» [الكافي ج4 ص543].وما رواه الطوسيُّ بسندٍ ضعيفٍ عن أبي بصيرٍ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «القائم يهدم المسجد الحرام حتَّى يردَّه إلى أساسه، ومسجد الرسول (صلَّى الله عليه وآله) إلى أساسه، ويردُّ البيت إلى موضعه، وأقامه على أساسه، وقطع أيدي بني شيبة السرَّاق وعلَّقها على الكعبة» [الغيبة ص472]. والظاهر أنَّهما روايةٌ واحدةٌ؛ بقرينة الراوي، وقرب المضمون فيهما.
وعلى كلِّ حالٍ، فلنا مع هذا النصِّ بعض الوقفات، نذكرها ضمن أمورٍ:
الأمر الأوَّل: أنَّ مسألة إعادة البناء هذه مسألةٌ إسلاميَّةٌ وليست مختصَّةً بنا، إذْ رويت عند العامَّة كما رويت عندنا على حدٍّ سواءٍ.1ـ فقد روى أحمد بن حنبل بسنده الصحيح عن أبي إسحاق، قال: «قال ابن الزبير للأسود: حدَّثني عن أمِّ المؤمنين، فإنَّها كانت تفضي إليك. قال: أخبرتني أنَّ نبيَّ الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) قال لها: لولا أنَّ قومك حديث عهدهم بجاهليَّةٍ لهدمتُ الكعبة، ثمَّ لجعلتُ لها بابين. فلما ملك ابن الزبير هدمها، وجعل لها بابين» [مسند أحمد ج42 ص272، تحقيق شعيب الأرنؤوط].2ـ وروى مُسلمٌ بسنده الصحيح عن سعيد بن ميناء قال: سمعتُ عبد الله بن الزبير يقول: «حدَّثتني خالتي ـ يعني: عائشة ـ قالت: قال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): يا عائشة، لولا أنَّ قومك حديثو عهدٍ بشركٍ لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض، وجعلتُ لها بابين: باباً شرقياً، وباباً غربياً، وزدتُ فيها ستَّة أذرعٍ من الحجر، فإنَّ قريشاً اقتصرتها حيث بَنَتْ الكعبة» [صحيح مُسلم ج4 ص98].وزاد البخاريُّ في نقله، فقال: «فذلك الذي حمل ابن الزبير على هدمه. قال يزيد: وشهدتُ ابن الزبير حين هدمه وبناه، وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيتُ أساس إبراهيم، حجارةً كأسنمة الإبل. قال جريرٌ: فقلتُ له: أين موضعه؟ قال: أريكه الآن، فدخلتُ معه الحجر، فأشار إلى مكانٍ، فقال: ها هنا، قال جريرٌ: فحزرتُ من الحجر ستَّة أذرعٍ أو نحوها» [يُنظر: صحيح البخاري ج2 ص574].ومن خلال هذا يتَّضح أنَّ الشيعة (أنار الله برهانهم) لم ينفردوا بهذه المسألة، وإنَّما هي شأنٌ إسلاميٌّ عامٌّ، كما بيَّنا.
الأمر الثاني: الظاهر أنَّ المراد من الروايات المذكورة هو أنَّ الإمام المهديَّ (عليه السلام) يُعيد البناء لغرض إرجاعه إلى أساسه الصحيح الذي كان على عهد النبيِّ إبراهيم (عليه السلام)، وليس المراد منها أنَّه (عليه السلام) يهدمها ظلماً وعدواناً كما يُصوِّره بعض المخالفين، ويشنِّع به علينا، كما هو واضحٌ.فلاحِظ قوله (عليه السلام) في مرسلة الكافي: «إنَّ القائم (عليه السلام) إذا قام ردَّ البيت الحرام إلى أساسه، ومسجد الرسول إلى أساسه، ومسجد الكوفة إلى أساسه». وقوله في رواية الغيبة: «يهدم المسجد الحرام حتَّى يرده إلى أساسه، ومسجد الرسول (صلَّى الله عليه وآله) إلى أساسه، ويردُّ البيت إلى موضعه، وأقامه على أساسه»، تجده واضحاً في أنَّ الهدم والبناء لغرض إرجاعه إلى أساسه وموضعه الصحيح الذي يُريده الله تعالى. وهذا المعنى لا إشكال فيه ولا شبهة تعتريه، كما لا يخفى.
الأمر الثالث: إنَّ الإمام المهديَّ حاكمٌ شرعيٌّ من عند الله تعالى عندنا وعند العامَّة؛ ولذلك فإنَّ ما يقوم به إنَّما يجري وفق إرادة الله سبحانه، وإنْ خفيت علينا حكمته، وهو في ذلك شبيهٌ بما وقع من الخضر مع موسى (عليهما السلام)، حيث كانت أفعاله قائمةً على أمرٍ إلهيٍّ ومصلحةٍ واقعيَّةٍ وإنْ لم تتَّضح تفاصيلها في حينها. وعليه، فالموقف الشرعيُّ الصحيح هو التسليم لأفعاله (عليه السلام)؛ لكونها صادرةً عن توجيهٍ إلهيٍّ ومصلحةٍ لازمةٍ، وإنْ لم ندرك جميع أبعادها، كما هو واضحٌ.أمَّا عندنا: فالأمر واضحٌ، إذْ نعتقد بكونه الإمام الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) الذين أوصى بهم النبيُّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) في حديث الثقلين المتواتر، وحديث الخلفاء الاثني عشر، وغيرهما من الأحاديث الكثيرة، كما هو مفصَّلٌ في كتب العقيدة والكلام.وأمَّا عند العامَّة: فهو رجلٌ من أهل البيت (عليهم السلام)، وهو أحد الخلفاء الاثني عشر الذين نصَّ عليهم النبيُّ الأعظم بقوله: «لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً، كلُّهم من قريشٍ». وهو الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً، وهو الذي يظهر في آخر الزمان، ويظهر العدل، ويتَّبعه المسلمون، ويستولي على المماليك الإسلاميَّة بالكامل، والذي يصلِّي خلفه نبيُّ الله عيسى بن مريم (عليه السلام)، كما مسطورٌ في كتبهم المعتبرة.1ـ قال ابن كثيرٍ الدمشقيُّ في حديث الخلفاء الاثني عشر: (وهذا الحديث فيه دلالةٌ على أنَّه لابدَّ من وجود اثني عشر خليفةً عادلاً .... إلى قوله: ومنهم المهديُّ الذي يطابق اسمه اسم رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، وكنيته كنيته، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً) [تفسير ابن كثيرٍ ج6 ص78].2ـ وقال العظيم آباديُّ: (اعلم أنَّ المشهور بين الكافَّة من أهل الإسلام على ممرِّ الأعصار أنَّه لابدَّ في آخر الزمان من ظهور رجلٍ من أهل البيت، يؤيِّد الدين، ويظهر العدل، ويتَّبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلاميَّة، ويسمَّى بالمهديِّ. ويكون خروج الدجَّال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره. وأنَّ عيسى (عليه السلام) ينزل من بعده، فيقتل الدجَّال ـ أو ينزل معه فيساعده على قتله ـ ويأتم بالمهديِّ في صلاته، وخرَّجوا أحاديث المهديِّ جماعةٌ من الأئمَّة، منهم: أبو داوود والترمذيُّ وابن ماجة والبزَّار والحاكم والطبرانيُّ وأبو يعلى الموصليُّ وأسندوها إلى جماعةٍ من الصحابة، مثل عليٍّ وابن عبَّاسٍ وابن عمر وطلحة وعبد الله بن مسعودٍ وأبي هريرة وأنسٍ وأبي سعيدٍ الخدريِّ وأمِّ حبيبة وأمِّ سلمة وثوبان وقرة بن إياسٍ وعليٍ الهلاليِّ وعبد الله بن الحارث بن جزءٍ ... وإسناد أحاديث هؤلاء بين صحيحٍ وحسنٍ وضعيفٍ. وقد بالغ الإمام المؤرِّخ عبد الرحمن بن خلدون المغربيُّ في تاريخه في تضعيف أحاديث المهديِّ كلِّها فلم يصب بل أخطأ) [عون المعبود في شرح سنن أبي داوود ج11 ص243].ومنه يتَّضح: أنَّه يجب علينا التسليم والإذعان لما يفعله الإمام المهديُّ (عليه السلام) في آخر الزمان، سواء عرفنا الوجه فيه أم لا، لكونه خليفة الله في أرضه وحُجَّته على عباده، وأنَّ ما يقوم به إنَّما يجري وفق إرادة الله سبحانه، كما هو واضحٌ وبيِّنٌ.
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ هذه الأحاديث لم ينفرد بها شيعة أهل البيت فقط، وإنَّما هي أخبارٌ مشتركةٌ. وأنَّ المراد منها هو أنَّ الإمام المهديَّ (عليه السلام) يُعيد البناء لغرض إرجاعه إلى أساسه الصحيح الذي كان على عهد نبيِّ الله إبراهيم (عليه السلام)، وليس كما يقوله بعض المغرضين، كما تبيَّن تفصيله.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق