هل حاول النبي (ص) الانتحار؟

بعد وفاة ورقة بن نوفل، انقطع الوحي عن نبيِّ الإسلام محمد بن عبد الله لمدَّةٍ طويلةٍ، ممَّا دفعه إلى التفكير في إلقاء نفسه من شواهق الجبال! وهذا حسب المعتقد الإسلاميّ فعل من لا عقل له، ومخلٌّ بالعصمة.

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم – أيّدك الله – أنَّ الشيعة الإماميَّة تعتقد أنّ الأنبياء (ع) في أعلى درجات الكمال العقليّ والخلقيّ، وأنّهم معصومون عصمةً تامةً في جميع أيام عمرهم، سواء قبل النبوَّة أو بعدها، فلا تصدر منهم المعاصي والأخطاء سواء قبل النبوَّة أم بعدها. ولا يخفى أنَّ الانتحار محرمٌ شرعاً في الكتاب والسنة، بل هو من الكبائر، فلا مجال – حسب اعتقادنا – لصدوره عن الأنبياء (ع)، بل لا مجال للتفكير به.ولم يرد في مصادر الإماميَّة شيءٌ من ذلك بالنسبة للنبيِّ الأكرم (ص)، وإنّما ورد في مصادر العامَّة، وفي أمهات مصادرهم الحديثيَّة والتاريخيَّة، وعلى رأسها (صحيح البخاريّ).

وقد استشكل علماءُ الإماميَّة على المخالفين روايتهم – بقلّة حياءٍ – مثل هذه الأحاديث الموضوعة في توهين الأنبياء (ع) والحطِّ من شأنهم [ينظر: دلائل الصدق ج4 ص141].فهذه (فضيحةٌ من فضائح البخاريّ وطامةٌ من طاماته، وهي افتراؤه على النبيّ (ص) بأنَّه كان مرتاباً في نبوَّته حتى بعد أن طمأنه ورقة بن نوفل، وأنَّه كان غير معصومٍ، وكان عصبياً متوتراً، لا يعرف الحكم الشرعيّ في حرمة قتل نفسه، أو لا يتقيد به! وتجعله بدوياً عامياً، يختار الانتحار خوفاً من الفضيحة وانكشاف كذبه) [ألف سؤال وإشكال ج2 ص194].ولا ينقضي العجب من محاولة بعض علماء العامّة – بكلّ وقاحةٍ – الدفاع عن هذه الرواية، والتبرير لصحّة صدور الإقدام المتكرّر على الانتحار من أعقل الخلق وأكملهم (ص) [ينظر: فتح الباري ج12 ص318].

والإنصاف أنّ جملةً من علماء العامّة – بعد أنْ تنبّهوا لسخافة هذه الرواية – طعنوا فيها، ونصّوا على عدم صحّتها وإنْ وردت في صحيح البخاريّ، ويُشكرون على تبرئتهم الساحة النبويَّة من هكذا رواياتٍ موضوعةٍ.

على كلّ، الرواية وردت في مصادر العامّة من طرقٍ، سنذكرها ونعقّبها بما ذكروه من الطعن بها:

1ـ طريق ابن شهاب الزهريّ:روى عبد الرزاق وأحمد والبخاريّ -واللفظ للبخاريّ-: عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب. وحدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، قال الزهريّ: فأخبرني عروة، عن عائشة أنها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح... فقال ورقة: ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره النبي (ص): ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، أكون حيَّاً حين يخرجك قومك. فقال رسول الله (ص): أو مخرجي هم؟ فقال ورقة: نعم، لم يأت رجلٌ قط بما جئت به إلَّا عُودِي، وإنْ يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أنْ توفي، وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي (ص) -فيما بلغنا -حزناً غدا منه مراراً كي يتردَّى من رؤوس شواهق الجبال، ‌فكلما ‌أوفى ‌بذروة ‌جبل ‌لكي ‌يلقي ‌منه ‌نفسه تبدى له جبريل ..» [المصنف ج5 ص216، مسند أحمد ج6 ص233، صحيح البخاريّ ج9 ص38، ج4 ص2185].

أقول: ذكروا أنّ رواية البخاريّ دُمجت بين روايتين: إحداهما: روايةٌ متصلة الإسناد إلى عائشة، ولم تشتمل على قضية الانتحار. والأخرى: روايةٌ منقطعة الإسناد، وهي المشتملة على قضية الانتحار.فما ورد في الرواية: «حتى حزن النبي (ص) -فيما بلغنا -حزناً غدا منه مراراً كي يتردَّى من رؤوس شواهق الجبال..» هو من كلام الزهريّ، فهو القائل: «فيما بلغنا»، وهذا يجعله بلاغاً منقطع الإسناد؛ إذ لم يذكر أنّه سمعه من عائشة. قال الحافظ ابن حجر: (ثم إنَّ القائل «فيما بلغنا» هو الزهريُّ، ومعنى الكلام: أنَّ في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله (ص) في هذه القصة. وهو من بلاغات الزهريّ وليس موصولاً، وقال الكرمانيُّ: هذا هو الظاهر) [فتح الباري ج12 ص 359].وقد حكم نُقَّاد الحديث بضعف بلاغات الزهريّ؛ إذ قال يحيى بن سعيد القطان: (مرسل الزهري شرّ من مرسل غيره؛ لأنَّه حافظ، وكلَّما يقدر أنْ يسمّي سَمَّى؛ وإنما يترك من لا يستجيز أنْ يسميه) [شرح علل الترمذي ج1 ص284]. وقال الذهبيّ: (مراسيل الزهريّ كالمعضل؛ لأنَّه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أنْ نظن به أنَّه أسقط الصحابيَّ فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه، ولما عجز عن وصله) [سير أعلام النبلاء ج5 ص339].

2ـ طريق ابن عباس:قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي موسى، عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان بن طريف، عن ابن عباس: «أنَّ رسول الله (ص) لما نزل عليه الوحي بحراء مكث أياماً لا يرى جبريل؛ فحزن حزناً شديداً حتى كان يغدو إلى ثبير مرةً، وإلى حراء مرةً يريد أنْ يلقي نفسه منه، فبينا رسول الله (ص) كذلك عامداً لبعض تلك الجبال إلى أنْ سمع صوتاً من السماء، فوقف رسول الله (ص) صعقا للصوت، ثم رفع رأسه، فإذا جبريل على كرسيٍّ بين السماء والأرض متربعا عليه يقول: يا محمد، أنت رسول الله حقا، وأنا جبريل قال: فانصرف رسول الله (ص) وقد أقر الله عينه، وربط جأشه ثم تتابع الوحي بعد وحمي» [الطبقات الكبرى ج1 ص196].

أقول: ذكروا أنَّ الإسناد ضعيفٌ، ففيه: (محمد بن عمر الواقديّ) وهو متروكٌ [ينظر: تهذيب الكمال ج26 ص 180]، وكذا شيخه (إبراهيم بن محمد بن أبي موسى) فإنّه مجهولٌ، ولكن ظنَّ الألبانيُّ أنَّ جده أبي موسى محرّف من أبي يحيى، وقال: (فإن كان كذلك فهو: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى -واسمه سمعان - الأسلميّ.. وقيل: إبراهيم بن محمد بن أبي عطاء [ت184ـ191هـ]، متروكٌ) [سلسلة الأحاديث الضعيفة ج3 ص161].

3ـ طريق عبيد بن عمير بن قتادة الليثيّ:قال الطبريّ: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني وهب بن كيسان -مولى آل الزبير -قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثيّ: «حدِّثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) من النبوَّة حين جاء جبريل (عليه السلام) .. ولم يكن من خَلْق الله أحدٌ أبغضَ إليّ من شاعرٍ أو مجنونٍ؛ كنت لا أطيق أنْ أنظر إليهما، قال: قلت إنّ الأبْعَدَ -يعني نفسه-لشَاعر أو مجنون، لا تحدّث بها عنّي قريش أبدًا! لأعمدنّ إلى حَالِقٍ من الجبل فلأطرحنّ نفسي منه فلأقتلنّها فلأستريحنّ. قال: فخرجت أريد ذلك؛ حتى إذا كنت في وسط من الجبل؛ سمعت صوتًا من السماء يقول: يا محمّد، أنتَ رسول الله، وأنا جبريل..» [تاريخ الطبري ج1 ص532، 533].

أقول: ذكروا أنَّ الإسناد ضعيفٌ، ففيه: (عبيد بن عمير) وهو ليس صحابياً، وإنما هو من كبار التابعين وإنْ ولد في عهد النبيِّ (ص)، فهو مرسلٌ، وكذا فيه: (ابن حميد) -واسمه محمد الرازيّ -، وهو ضعيفٌ جداً، كذبه جماعةٌ من الأئمة، منهم أبو زرعة الرازيّ [ينظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة ج10 ص456].

الحاصل: أنّ رواية الانتحار اختصّت بروايتها مصادر العامّة، بل طعن كثيرٌ منهم بصحّتها، فهي أوّلاً ليست مسلَّمة الصحّة عند العامّة، وثانياً: هي مختصّة بتراث العامّة، وليست عامّة بتراث المسلمين، فلا يمكن تشكيل رؤيةٍ إسلاميَّةٍ من رواية إحدى الفرق الإسلاميَّة، فلو كان هناك إشكالٌ فهو يتّجه على العامّة، لا على عامّة المسلمين وعلى رأسهم الإماميَّة.

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أولاً وآخراً.