تاريخ رحيل السيدة زينب (ع)
لم يرد في أيّ مصدرٍ تاريخيّ مُعتبر بأنَّ وفاة السيدة زينب (عليها السلام) كان في يوم (١٥) رجب، وهو من اختراعات بعض أهل زماننا، فلماذا المساهمة في تثبيت الأكاذيب والترويج لها؟
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ من أبرز ظلامات السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) أنَّ صفحاتٍ واسعةً من حياتها طُمست أو أُهملت، فلم يصل إلينا منها إلَّا شذراتٌ متناثرةٌ، في حين أُفرد الكثير لشخصياتٍ أُخرى لا تضاهيها أثراً ولا مقاماً. وهذا التفاوت في التدوين يثير تساؤلاً مشروعاً: وهو كيف تُختصر سيرة امرأةٍ كان لها الدور الأبرز في حفظ رسالة كربلاء، وتبيين أهداف نهضة أخيها الإمام الحسين (عليه السلام)، بينما يُفصَّل القول في غيرها ممن لم يتركوا أثراً يوازي أثرها؟لقد كانت السيدة زينب امتداداً لخط النبوَّة والإمامة، نشأت في بيت أمير المؤمنين والصدِّيقة الزهراء (عليهما السلام)، وتربَّت في أحضان الرسالة، فحملت من أبيها صلابة الموقف، ومن أمِّها طهارة الروح، ومن جدِّها (صلَّى الله عليه وآله) فصاحة البيان. ومع ذلك، فإنَّ المصادر التاريخية لم تنقل لنا من تفاصيل حياتها إلَّا القليل، ومن أبرز وجوه ذلك تعيين تاريخ رحيلها (عليها السلام).ومع هذا كلِّه فلا يصح قول السائل بعدم ورود تاريخ رحيلها في أيّ مصدرٍ من المصادر المعتبرة، وأنَّه من اختراعات أهل الزمان، ومن المساهمة في تثبيت الأكاذيب! إذْ بعد فقد المصادر الأوَّلية فمن الطبيعي اللجوء إلى المصادر الثانوية المعتمدة عند أهل العلم والتحقيق في أمثال ذلك.وبعد الرجوع إلى كلمات الباحثين والمحققين نجد أنَّ المشهور عندهم أنَّ تاريخ رحيلها (عليها السلام) كان في الخامس عشر من شهر رجب، سنة اثنتين وستين للهجرة. وهذا القول وإنْ لم يسلم من وجود أقوالٍ أُخرى، إلَّا أنَّ اشتهاره بين أهل الاختصاص، واعتماده من قبل أهل التحقيق، يجعله قولاً ذا وزنٍ علميّ لا يصح تجاهله أو الادِّعاء بعدم وجوده في الكتب والمصادر، نذكر جملةً من كلماتهم في هذا المقام.
1ـ فقد جاء في (منتخب التواريخ: أنها ولدت في أوَّل يوم من شعبان بعد ولادة أخيها الحسين (عليه السلام) بسنتين، وتوفِّيت في النصف من رجب سنة (62) هج، وقيل (65) هج. والتاريخ الأخير يوافق عام المجاعة في عهد عبد الملك، فيكون عمرها الشريف أقل من ستِّين عاماً) [يُنظر: موسوعة كربلاء، لبيب بيضون ج2 ص653].2ـ وجاء في (في الخيرات الحسان وغيره: أنَّ مجاعةً أصابت المدينة فرحل عنها عبد الله بن جعفر بأهله إلى الشام في ضيعةٍ له هناك، وقد حُمَّت زوجته زينب من وعثاء السفر أو ذكريات أحزانٍ وأشجانٍ من عهد سبي يزيد لآل الرسول، ثمَّ توفِّيت على إثرها في نصف رجب سنة (65) هج، ودفنت هناك حيث المزار المشهور) [يُنظر: زينب الكبرى للنقدي ص29 الهامش].3ـ وقال الشيخ فرج العمران (طاب ثراه): (وكيف كان، فالأرجح عندي أنها (عليها السلام) توفِّيت في الشام في النصف من شهر رجب، من العام الخامس والستين من الهجرة، وهو عام المجاعة، وذلك بمحضر زوجها الجواد عبد الله بن جعفر، ودفنت في إحدى قراه المعروفة برواية من غوطة دمشق المشتهرة الآن بقرية الست) [وفاة زينب الكبرى ص42].4ـ وقال السيد محمَّد كاظم القزوينيّ (طاب ثراه): (إنَّ المشهور أنَّ وفاة السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) كان في يوم الأحد مساء الخامس عشر من شهر رجب من سنة (26) للهجرة، وهناك أقوالٌ أُخرى غير مشهورةٍ في تحديد يوم وسنة وفاتها) [زينب من المهد إلى اللحد ص591].5ـ وقال العلَّامة الشيخ باقر شريف القرشيّ (طاب ثراه): (انتقلت إلى جوار الله تعالى على أرجح الأقوال يوم الأحد لخمسة عشر مضين من شهر رجب سنة (62) هجرية، وقد آن لقلبها الذي مزَقته الكوارث أنْ يسكن، ولجسمها المعذَّب أنْ يستريح) [السيدة زينب ص364].6ـ وقال الشيخ عبد السلام كاظم الجعفريّ: (المشهور أنَّ العقيلة زينب (عليها السلام) انتقلت إلى جوار ربِّها عشية يوم الأحد لخمسة عشر يوماً مضت من رجب سنة (62) هجرية) [زينب الكبرى ص205].وقد أكَّد ذلك أيضاً ما جاء في التقويم الصادر عن مكتب سماحة المرجع الدينيّ الأعلى السيد علي الحسينيّ السيستانيّ (دام ظلُّه) والموسوم بمواقيت الأهلَّة تحت المناسبات المتعلِّقة بشهر رجب الأصب.هذا، ولو أمكن الاعتماد على كتاب النسابة العبيدليّ المتوفَّى سنة (٢٧٧هـ) الموسوم بـ [أخبار الزينبات ص٤٩]، لكان بين أيدينا مصدرٌ قديمٌ يصرِّح بأنَّ وفاتها (عليها السلام) كانت في الخامس عشر من شهر رجب، فضلاً عمَّا ورد في المصادر المتأخِّرة التي أكدت اشتهار هذا القول. غير أنَّ الكلام يبقى في تحقيق نسبة هذا الكتاب ودراسة حاله. وعلى أيِّ حال، فإنَّ تصريح جمعٍ من الأعلام والمحققين بأنَّ رحيلها كان في الخامس عشر من رجب كافٍ في مثل هذا المقام، كما هو ظاهرٌ.
ثمَّ إنَّ تحديد يومٍ معيَّنٍ من السنة لإحياء أمر السيدة زينب (عليها السلام) أمرٌ مطلوبٌ ولا مشكلة فيه؛ لأنَّها سليلة النبوة والإمامة، ومجمع الفضائل والمناقب، وكعبة الرزايا والمصائب، فإحياء أمرها (عليها السلام) إحياءٌ لذكر النبوَّة والإمامة، وإحياءٌ للفضائل والمناقب، وإحياءٌ لمصائب سيد الشهداء وأهل بيته (عليهم السلام)، وكلُّ ذلك حسنٌ ومطلوبٌ كما لا يخفى، على أنك عرفت أنَّ تحديد ذلك بالخامس عشر من شهر رجب هو المشهور عند الأعلام والمحققين، كما أوضحنا.
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ المشهور عند الكتَّاب والباحثين أنَّ رحيلها (عليها السلام) كان في الخامس عشر من شهر رجب، وهذا المقدار من الشهرة كافٍ في أمثال هذه المسائل، كما لا يخفى.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق