هل الحجاب مجرد فلكلور؟

الحجاب، تشريعٌ دينيٌّ حديثٌ، عمره لا يتجاوز 100 عامٍ، كان الحجاب موجوداً قديماً وحتَّى قبل الإسلام بصيغة خمارٍ كزيٍّ عربيٍّ يقابل العمامة عند الرجل، وكان علامةً مميَّزةً للسيدة العربيَّة ذات المنزلة، مثل كلِّ الثقافات الأخرى التي كانت تراعي غطاء الرأس للرجل والمرأة؛ لذلك تجد في الشعر العربيِّ القديم عبارات (حاسر الرأس، أو حاسرة الرأس) إشارةً لشخصٍ غير مهندمٍ. ولم يلتفت الفقهاء للحجاب إلَّا حديثاً عندما بدأت الأزياء الأوربيَّة تغزو بلاد العرب بعد سقوط الإمبراطوريَّة العثمانيَّة، وتصادف هذا مع حقد العوامِّ والفقهاء على المُحتلِّ الغربيِّ، فتحول الخمار شيئاً فشيئاً إلى حجابٍ، ثمَّ أعادوا قراءة النصوص الدينيَّة القديمة لتلائم وجهة نظرهم الحديثة.

:  الشيخ محمد باقر آل حيدر

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم أنّ عمومَ الستر للمرأة المتمثل بالحجاب فريضةٌ شرعيَّةٌ، وهو من البديهيَّات في التاريخ الإسلاميّ، حيث كانت نساء النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وسائر النساء المؤمنات يواظِبْنَ على التستر بالحجاب، كما هو واضحٌ لمَن اطّلع على سيرة المسلمين منذ العصر الأوَّل.بل هي من الفرائض المشتركة بين الأديان الإلهيَّة، حتَّى إنَّ المجتمعات المسيحيَّة كانت تراعي ذلك على العموم إلى عصرٍ قريبٍ، حتَّى إنَّ مَن يشاهد الرسوم التمثيليَّة التي يقدّسونها ترى النساء مرتدياتٍ للحجاب، كما اللوحة التي يُشار بها إلى السيدة مريم (عليها السلام)، بل لا يزال الحجاب لباس الراهبات في الكنائس، مع أنّ الغرب بلغ من الانحلال إلى مراتب متدنيَّةٍ جدّاً حتَّى في الكنائس، فيُعلَم من هذا أنّ الحجاب من الرموز الدينيَّة التي تشترك بها الأديان السماويَّة.

ثمَّ إنَّ القرآن وإنْ لم يذكر الحجاب باسمه، إلَّا أنّه ذكره بوصفه وحدوده، بل عبَّر عنه بالـ(خِمَار)، كما في قوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ..} [النور: 31]، فإنّ الـ(خُمُر) جمع (خِمارٍ)، في الأصل تعني (الغطاء)، كما يظهر جلياً لمَن راجع معاجم اللغة. وكما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 59].

ثمَّ إنّه قد وردت أحاديث كثيرةٌ في كتب المسلمين الخاصَّة والعامَّة توجب ستر سائر البدن، ولا تجيز إبداءه دون الوجه والكفين بغير زينةٍ للأجنبيِّ، ولا يسعنا استقصاؤها، فإنْ أردتَ فيمكن مراجعة المصادر الآتية:كتاب «الكافي»، للشيخ الكلينيِّ، المتوفى سنة (328 أو 329هـ)، أي قبل 1118 عاماً. وكتاب «مَن لا يحضره الفقيه»، للشيخ الصدوق، المتوفى عام (381هـ)، أي قبل 1066 عاماً. وكتابا «التهذيب» و«الاستبصار»، لشيخ الطائفة الطوسيِّ، المتوفى سنة (460هـ)، أي قبل 987 عاماً.وكتاب «صحيح البخاريّ»، لمحمَّد بن إسماعيل البخاريِّ، المتوفى عام (256هـ)، أي قبل 1191 عاماً، وكتاب «صحيح مسلمٍ»، لمسلم بن الحجّاج القشيريِّ، المتوفى سنة (260هـ)، أي قبل 1187 عاماً.وغيرها الكثير من الكتب الجامعة للأخبار التي عليها عمل المسلمون، بل لا يكاد يخلو كتابٌ جامعٌ للأحاديث الفقهيَّة من ذلك.

وأمَّا دعوى أنّ الفقهاء لم يلتفتوا إلى هذا إلَّا قريباً فأعادوا تفسير النصوص الدينيَّة بما يلائمهم، فهي غاية في السطحيَّة، فأين صاحب هذه الدعوى من الكتب الفقهيَّة القديمة لدى عامَّة المسلمين خاصَّةً وعامَّةً؟ دونك فتاواهم بحرمة النظر إلى شعر المرأة الأجنبيَّة، وعدم صحَّة الصلاة مع كشف الرأس، وكذا عدم صحَّة الطواف، حتَّى إنّ العلَّامة الحليَّ [ت726 هـ] ادّعى إجماع علماء الأمصار على أنّ المرأة كلّها عورةٌ ما عدا الوجه [ينظر: تذكرة الفقهاء ج2 ص446، مختلف الشيعة ج2 ص98، منتهى المطلب ج4 ص271]، حتَّى صار وجوب التستر المتمثّل بلبس الحجاب من القطعيَّات التفصيليَّة التي لا داعي للتقليد بها، فهي ممّا يُحرَز أنّها مما شرّع الله تعالى، فلا جاهل بها كي يُرجَع فيها إلى عالمٍ، إلَّا مَن اعتراه الشكُّ بعد اليقين، والوسوسة بعد الاعتدال، أعاذنا الله وجميع المؤمنين من الزلل والخطأ.وقد نُشر في الموقع مقالاتٌ عديدةٌ تناولت عدَّة جهاتٍ من الحجاب ووجوب الستر.وأدام الله جميع المؤمنين في رعايته.