هل يعمل الإمام وفق علمه الظاهري أم الواقعي؟

في معتبرة محمَّد بن قيسٍ عنه عن أمير المؤمنين (ع): «في رجلٍ شهد عليه رجلان بأنَّه سرق فقطع يده، حتَّى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجلٍ آخر، فقالا: هذا السارق وليس الذي قطعت يده، إنَّما شبَّهنا ذلك بهذا، فقضى عليهما أنْ غرَّمهما نصف الدية ولم يجز شهادتهما على الآخر»، الرواية تدلُّ على نفي علم الإمام بالموضوعات، وعدم تسديده بالروح المؤيَّد دائماً، ولا يصحُّ الاعتقاد بـ (علم الإمام المطلق) أو (العصمة الكاملة) التي تتضمن العلم بكلِّ شيءٍ؟

:  الشيخ محمد باقر آل حيدر

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم أنّ الأدلّة اليقينيَّة – من القرآن الكريم والسنَّة الشريفة - دلّت على عصمة الإمام المطلقة، وعلى سعة علمه، مثل قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59]، وقوله تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد: 43]، ومثل قول النبيّ (ص): «إنّي تاركٌ فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً»، وقوله (ص): «يا عليُّ، أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنَّه لا نبيّ بعدي»، وقوله (ص): «أنا مدينة العلم وعليّ بابها»، وغير ذلك كثيرٌ، يمكن مراجعتها في الكتب العقديَّة، وقد نُشر على الموقع أجوبةٌ كثيرةٌ حولها، يمكن مراجعتها.فالإمام المعصوم يعلّمه الله تعالى بما كان وما يكون وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، ويعلّمه بما هو غائبٌ عنه، ما بين المغرب والمشرق، وما في السماء وما في الأرض، كما يعلّمه أيضاً بموته كيف يكون ومتى يكون وعلى يد مَن، فهو لا يحتاج شيئاً إلّا أعلمه الله به، إلى غير ذلك، وهذا كلّه ثابتٌ بالأدلّة اليقينيَّة العامَّة والخاصَّة.

إذا عرفتَ هذا، فنقول:إنّ الرواية - التي وردت في نصِّ السؤال - لا تدلُّ على عدم علم أمير المؤمنين (ع) بالجاني الحقيقيِّ أو بخطأ الشاهدين، وإنّما تصف الموقف الشرعيَّ في حال رجوع الشهود عن شهادتهم، وقد وردت في ذلك عدَّة نصوصٍ، عقد لها الشيخ الكلينيُّ باباً بعنوان: (باب مَن شهد ثمّ رجع عن شهادته) [الكافي ج7 ص383].بيان ذلك:أنَّ المعصومين (عليهم السلام) يحكمون بحسب الظاهر وفق ما قامت عليه البيّنات والأيمان، لا بحسب الواقع المكشوف لهم، فإنّ هذا ما قامت عليه الأدلّة، روى سعدٌ وهشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنَّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان، وبعضكم ألحن بحجّته من بعضٍ، فأيّما رجلٍ قطعتُ له من مال أخيه شيئاً فإنّما قطعتُ له به قطعةً من النار» [الكافي ج7 ص414، التهذيب ج6 ص229]، وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحكم بين الناس بالبيّنات والأيمان في الدعاوي» [تفسير الإمام العسكريّ ص284]، وروي: «نحن نحكم بالظواهر، والله متولِّي السرائر» [تفسير البحر المحيط ج4 ص54]، وغيرها.نعم، اختصّ الإمام المهديّ (عجل الله فرجه) بالحكم حسب الواقع، كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «لن تذهب الدنيا حتَّى يخرج رجلٌ منّا - أهل البيت - يحكم بحكم آل داود، لا يسأل الناس بيِّنةً» [بصائر الدرجات ص279]، وروي عنه (عليه السلام) أنَّه قال: «لا تذهب الدنيا حتَّى يخرج رجلٌ منّي، يحكم بحكم آل داود، لا يسأل عن بيِّنةٍ، يعطي كلَّ نفسٍ حكمها» [بصائر الدرجات ص278]، وروي كذلك: «إذا قام قائم آل محمَّدٍ (عليهم السلام)، حكم بحكم داود وسليمان، لا يسأل الناس بيّنةً» [بصائر الدرجات ص279]، ورُوي عنه أيضاً: «إذا قام قائم آل محمَّدٍ (عليهم السلام)، حكم بين الناس بحكم داود، لا يحتاج إلى بيّنةٍ، يلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه، ويخبر كلَّ قومٍ بما استبطنوه» [الإرشاد ص365]، فالمراد بـ(حكم داود) هو الحكم بحسب الواقع، وللمركز جوابٌ سابقٌ منشورٌ بعنوان: (هل الإمام المهديّ (عجّ) يحكم بحكم داود؟)، يمكن مراجعته.

بل إنّ المعصومين (صلوات الله عليهم) مأمورون بالعمل بحسب الظواهر في غالب أمورهم، لا في خصوص القضاء والحكم بين الناس فحسب، فإنّهم يديرون حياتهم ومعاشهم بالسبل الاعتياديَّة، حتَّى إنّهم (عليهم السلام) أقدموا على ما به موتهم، كشرب السُّم، مع أنّ الأدلّة قامت على أنّهم يعرفون مواعيد آجالهم وأماكنها وقاتليهم، وقد عقد لها الشيخ الكلينيُّ باباً بعنوان: (باب أنّ الأئمّة (ع) يعلمون متى يموتون، وأنّهم لا يموتون إلّا باختيارٍ منهم) [الكافي ج1 ص258]، فدونك مُضيّ أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مكان قتله وهو عالمٌ بذلك، ومضيّ إمامنا الحسين (عليه السلام) إلى مقتله وهو عالمٌ بذلك، إلى غير ذلك من الشواهد الكثيرة التي لا يسعها هذا البحث المختصر.ولا مجال لدعوى أنّ لازم هذا إلقاء النفس في التهلكة وهو محرَّمٌ؛ وذلك لأنّ إلقاء النفس في التهلكة ليس محرَّماً على إطلاقه وفي جميع الموارد؛ لأنَّه إذا كان بأمر الله تعالى فإنَّه يكون واجباً؛ ولهذا يجب على كلِّ مسلمٍ أنْ يفدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنفسه ولو بإلقائها في التهلكة، كما يجب الجهاد في سبيل الله تعالى - إذا قامت شروطه – على كلِّ مسلمٍ وإنْ علم أنَّه سيُقتل في ميدان القتال، فإنّ علمه بالقتل لا يسوِّغ له ترك الجهاد، أو أنْ يفرّ عند الزحف، ومَن فدى النبيَّ (صلى الله عليه وآله) بنفسه أو جاهد في سبيل الله وقُتل، فإنَّه يصدق عليه بهذا اللحاظ أنَّ موته كان باختياره، وأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) عبادٌ مُكرَمون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، والإمام مع علمه بأنَّه يُقتل فإنَّه مأمورٌ بالذهاب إلى موضع قتله؛ لأنَّ مصلحة الدين تقتضي ذلك وإنْ كنّا لا نعلم بها، وتجدر الإشارة إلى وجود أجوبةٍ سابقةٍ حول ذلك يمكن مراجعتها.ودمتم في رعاية الله سالمين.