حديث: «من سب علياً فقد سبني» سنداً ودلالةً
الجواب: ما مدى صحّة حديث: «من سبَّ عليّاً فقد سبَّني»؟ وما هي دلالاته؟
الجواب:
بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
اعلم – أيّدك الله – أنَّ هذا الحديث يُعدّ من الأحاديث التي رواها كبار محدثي العامّة في مصنفاتهم، وقد ورد عن أمّ المؤمنين أمّ سلمة وعبد الله بن عبّاس، وذلك بأسانيد متعدّدةٍ، من طريق الرواة الثقات، مما دفع جملةً من أكابر نقاد الحديث إلى الإقرار بصحّة صدوره عن النبيّ (ص)، كما أنّ دلالة الحديث واضحةٌ، ولبيان ذلك نذكر مقامين:
المقام الأول: طرق الحديث وصحّته:
ورد هذا الحديث المشهور من طريق أمّ سلمة (رض) وعبد الله بن عبّاس (رض)، ولا بدّ من عرض الحديثين بطرقهما، مع اتباعهما ببعض كلمات علماء العامّة القائلين بصحّة الإسناد ووثاقة الرواة:
الحديث الأول: حديث أم سلمة (رض):
تُعدّ رواية أمّ المؤمنين أمّ سلمة من أقوى وأشهر الطرق التي نُقل بها هذا الحديث، وقد اعتمد عليها العلماء والمحدّثون. رواه عنها: أبو عبد الله الجدليّ. ورواه عن الجدليّ: أبو إسحاق السبيعيّ.
وروى الحديث عن أبي إسحاق: إسرائيل بن يونس، وبكير بن عثمان، وعليّ بن المسهر:
أمّا رواية إسرائيل بن يونس:
فأخرجها أحمد والنسائيّ والحاكم من طريقه عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الله الجدليّ، قال: «دخلت على أمّ سلمة (رض)، فقالت لي: أيسبّ رسول الله (ص) فيكم؟ فقلت: معاذ الله -أو سبحان الله، أو كلمةٌ نحوها -، فقالت: سمعتُ رسول الله (ص) يقول: مَن سبّ عليّاً فقد سبّني» [فضائل الصحابة ج2 ص594، مسند أحمد ج44 ص329، خصائص علي ص111، السنن الكبرى ج7 ص441، المستدرك ج3 ص130].
قال الحاكم النيسابوريّ: (هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبيّ في التلخيص: (صحيحٌ).
وقال الحافظ الهيثميّ: (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، غير أبي عبد الله الجدليّ، وهو ثقةٌ) [مجمع الزوائد ج9 ص130].
وقال الحافظ الشوكانيّ: (وأخرج أحمد بإسنادٍ رجاله رجال الصحيح غير أبي عبد الله الجدلي وهو ثقةٌ) [در السحابة ص224].
وقال شعيب الأرنؤوط ومساعدوه: (إسناده صحيحٌ) [مسند أحمد بتحقيقه ج44 ص329].
وأمّا رواية بكير بن عثمان البجليّ:
فأخرجها الحاكم بالإسناد إلى بكير بن عثمان البجليّ، قال: سمعتُ أبا إسحاق التميميّ يقول: سمعتُ أبا عبد الله الجدليّ يقول: «حججتُ وأنا غلامٌ، فمررتُ بالمدينة وإذا الناس عنقٌ واحدٌ، فاتّبعتهم، فدخلوا على أمّ سلمة - زوج النبيّ (ص) -، فسمعتُها تقول: يا شبيب بن ربعي، فأجابها رجلٌ جلفٌ جافٌ: لبيك يا أمتاه، قالت: يُسبُّ رسول الله (ص) في ناديكم؟ قال: وأنّى ذلك؟ قالت: فعليّ بن أبي طالب، قال: إنّا لنقول أشياء نريد عرض الدنيا، قالت: فإنّي سمعتُ رسول الله (ص) يقول: مَن سبّ عليّاً فقد سبّني، ومَن سبّني فقد سبّ الله تعالى» [المستدرك ج3 ص130].
وأمّا رواية عليّ بن مسهر:
فأخرجها الحميريّ وابن عساكر بالإسناد إلى عليّ بن مسهر، عن أبي إسحاق السبيعيّ، قال: «حججتُ وأنا غلامٌ، فمررت بالمدينة، فرأيت الناس عنقاً واحداً، فأتبعتهم فأتوا أمّ سلمة -زوج النبيّ (ص) -، فسمعتُها وهي تقول: يا شبيب بن ربعيّ، فأجابها رجلٌ جلفٌ جافٌ: لبيك يا أمه، فقالت: أيُسبُّ رسول الله (ص) في ناديكم؟ فقال: إنّا نقول شيئاً نريد عرض هذه الحياة الدنيا، فقالت: سمعتُ رسول الله (ص)، يقول: مَن سبّ عليّاً فقد سبّني، ومَن سبّني سبّ الله» [جزء علي بن محمد الحميري ص79، تاريخ دمشق ج42 ص533].
أقول: يبدو أنّه سقط من الإسناد عبارة: (عن أبي عبد الله الجدليّ)؛ إذ الرواية معروفةٌ من طريق أبي إسحاق عن أبي عبد الله الجدليّ عن أمّ سلمة.
الحديث الثاني: حديث عبد الله بن العبّاس (رض):
أخرج الآجريّ بالإسناد إلى سليمان بن عليّ، عن أبيه عليّ بن عبد الله، قال: «كنتُ مع أبي عبد الله بن عبّاس بعد ما كف بصره وهو بمكّة، فمرّ على قومٍ من أهل الشام في صفة زمزم يسبّون عليّ بن أبي طالب (رض)، فقال لسعيد بن جبير - وهو يقوده -: ردّني إليهم، فقال: أيّكم السابّ الله؟ قالوا: سبحان الله، ما فينا أحدٌ يسبّ الله، قال: فأيّكم السابّ رسول الله؟ قالوا: والله ما فينا أحدٌ يسبّ رسول الله، قال: فأيّكم السابّ عليّاً؟ قالوا: أما هذا فقد كان، فقال ابن عبّاس: فإنّي أشهد لسمعتُ رسول الله (ص) يقول: مَن سبّ عليّاً فقد سبّني، ومَن سبّني فقد سبّ الله، ومَن سبّ الله عزّ وجلّ أكبّه الله عزّ وجلّ على منخريه في نار جهنّم» [الشريعة ج4 ص2060].
وأخرج ابن عساكر بالإسناد إلى عليّ بن حماد، عن المنقريّ، عمّن حدّثه، عن ابن عباس، قال: «مرّ ابن عبّاس بعدما حُجِب بصرُه بمجلسٍ من مجالس قريش وهم يسبّون عليّاً، فقال لقائده: ما سمعت هؤلاء يقولون؟ قال: سبّوا عليّاً، قال: فردّني إليهم، فردّه، فقال: أيّكم السابّ الله؟ قالوا: سبحان الله، مَن سبّ الله فقد أشرك، قال: فأيّكم السابّ لرسول الله (ص)؟ قالوا: سبحان الله، مَن سبّ رسول الله (ص) فقد كفر، قال: فأيّكم السابّ لعليّ؟ قالوا: أمّا هذا فقد كان، قال: فأنا أشهد بالله وأشهد لسمعتُ رسول الله (ص) يقول: مَن سبّ عليّاً فقد سبّني، ومَن سبّني فقد سبّ الله..» [معجم الشيوخ ج1 ص448].
وأقول: ويشهد لحديث: «مَن سبّ عليّاً فقد سبّني» أحاديث كثيرةٌ، منها:
1ـ حديث أمير المؤمنين (ع): «والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي الأميّ (ص) إليّ: ألا يحبني إلَّا مؤمنٌ ولا يبغضني إلا منافقٌ» [صحيح مسلم ج1 ص60].
وهذا الحديث له مخارج كثيرةٌ، ويكفي أنّه مخرَّجٌ في صحيح مسلم.
2ـ حديث: «مَن أحبّ عليّاً فقد أحبّني، ومَن أبغض عليّاً فقد أبغضني» [المستدرك ج3 ص130، المعجم الكبير ج23 ص380، تاريخ دمشق ج42 ص270، كنز العمال ج11 ص622، وغيرها].
هذا الحديث مرويّ عن أمّ سلمة وسلمان المحمديّ وأبي رافع ويعلى بن مرة.
قال الحاكم: (هذا حديثٌ صحيحٌ، على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، ووافقه الحافظ الذهبيّ.
3ـ حديث: «مَن آذى عليّاً فقد آذاني» [مسند أحمد ج3 ص483، مصنف ابن أبي شيبة ج7 ص502، صحيح ابن حبان ج15 ص365، المستدرك ج3 ص131، تاريخ دمشق ج42 ص203، مسند أبي يعلى ج2 ص109، بغية الباحث ص296، تاريخ جرجان ص367، التدوين في أخبار قزوين ج3 ص390، وغيرها].
هذا الحديث مرويّ عن عمرو بن شاس وسعد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله الأنصاري وعمر بن الخطّاب.
قال الحاكم: (هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وصحَّحه الحافظ الذهبيّ في التلخيص، وقال الهيثميّ: (رواه أحمد والطبرانيّ باختصارٍ، والبزار أخصر منه، ورجال أحمد ثقاتٌ) [مجمع الزوائد ج9 ص129].
المقام الثاني: دلالة الحديث:
إنّ دلالة الحديث واضحةٌ جدّاً في حرمة سبّ أمير المؤمنين (ع) والتنقيص منه؛ وذلك لأنّ سبّه هو سبٌّ لرسول الله (ص)، ومن الواضح حرمة سبّ رسول الله (ص).
بل من المعلوم عند المسلمين كفر سابّ النبيّ (ص)، كما صرّح بذلك العلماء، قال ابن تيميّة: (إنّ سبّ الله أو سبّ رسوله كفرٌ ظاهراً وباطناً، هذا مذهب الفقهاء، وسائر أهل السنّة) [الصارم المسلول ج1 ص513]، فيلزم كفر سابّ أمير المؤمنين (ع)، وهذا ما صرّح به بعض علماء العامّة.
ومن المستحسن نقل كلمات بعض علماء العامّة في شرح هذا الحديث:
قال الملّا الهرويّ: («قالت: قال رسول الله (ص): مَن سبّ عليّاً»، أي: من جهة النسب «فقد سبّني»، أو مَن شتم عليّاً فكأنّه شتمني، فمقتضاه أن يكون سبّ عليّ كفراً، أو هو محمولٌ على التهديد والوعيد، أو مبنيٌّ على الاستحلال، والله أعلم بالحال) [مرقاة المفاتيح ج9 ص3942].
وقال العلّامة المناويّ: ((«مَن سبّ عليّاً» أي: ابن أبي طالب «فقد سبّني»، أي: فكأنّه سبّني «ومَن سبّني فقد سبّ الله»، ومَن سبّ الله فهو أعظم الأشقياء (حم ك عن أم سلمة)، وإسناده صحيحٌ) [التيسير ج2 ص422].
وقال أيضاً: (ومَن سبّ الله فهو أعظم الأشياء. وفيه إشارةٌ إلى كمال الاتّحاد بين المصطفى والمرتضى بحيث أنّ محبّة الواحد توجب محبّة الآخر، وبغضه يوجب بغضه. ولا يلزم منه تفضيل عليّ على الشيخين؛ لِـمَا بُيِّن في علم الكلام) [فيض القدير ج6 ص147]. أقول: وجميع ما بيّنوه في علم الكلام مدخولٌ، ولا يصحّ منه شيءٌ، كما أوضح ذلك علماء الإماميّة في مطوّلاتهم الكلاميّة.
وقال العلّامة العزيزيّ: («مَن سبّ عليّاً» ابن أبي طالب «فقد سبّني» أي: فكأنّه سبّني «ومَن سبّني فقد سبّ الله»، ظاهره أنّه يصير مرتدّاً. والظاهر أنّ المراد الزجر والتنفير. (حم ك) عن أمّ سلمة، وإسناده صحيحٌ) [السراج المنير ج4 ص300]. أقول: قوله: (ظاهره..) ثم قوله: (والظاهر..) لا يخلو من تهافتٍ.
وقال الأمير الصنعانيّ: («مَن سبّ عليّاً» بن أبي طالب، أوّل الناس إسلاماً، وأعظمهم جهاداً، وفضائله جمّةٌ لا تدخل تحت العدّ -بيّناها في الروضة النديّة، «فقد سبّني»؛ لأنّه قال (ص): «عليّ منّي وأنا منه»، فسابّه سابٌّ له، «ومَن سبّني فقد سبّ الله»؛ لأنّه رسوله الذي أوجب تعظيمه وتكريمه وحبّه، فسابّه رادٌّ على الله ما أوجبه، وظاهره وجوب قتل مَن سبّ عليّاً لأنّه سابٌّ للنبيّ ولله تعالى، ومَن سبّ النبيّ قتل، ومَن سبّ الله قتل. (حم ك عن أمّ سلمة)، رمز المصنّف لصحّته..) [التنوير ج10 ص253].
ويتبيّن من ذلك ثلب كثيرٍ من الصحابة الذين كانوا يسبّون أمير المؤمنين (ع)، أمثال معاوية أبي سفيان والمغيرة بن شعبة وأضرابهما، قال ابن تيميّة: (فإنّ كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبّونه ويقاتلونه) [منهاج السنّة ج7 ص138].
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوّلاً وآخراً.
اترك تعليق