هل في قوله تعالى: {فكسونا العظام لحماً} خطأ علمي؟
السؤال: يقول الله: {ثم كسونا العظام لحما}. قد أخطأ القرآن عند ذكر تخلق العضلات بعد العظام؛ لأن كليهما ينشآن من طبقة الميزوديرم (mesoderm)، وبالتالي يتكونا في نفس الوقت، فلا تسبق العظام تكون العضلات (اللحم).
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
توجد عدة تعليقات في مقام الجواب عن هذا الإشكال:
التعليق الأوَّل: إن المشكل لم ينقل الآية القرآنيَّة بشكلٍ صحيحٍ، فالآية القرآنيَّة جاءت هكذا: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14].
فلم تعبِّر الآية بـ: (ثم كسونا العظام لحما)، بل عبرّت بالفاء ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾، وشتّان بين التعبيرين في الدلالة؛ فإنَّ التعبير بـ (ثمَّ) ظاهرٌ في الترتيب والتراخي، بينما التعبير بـ (الفاء) ظاهرٌ في الترتيب والتعاقب بلا فصلٍ، وهذا مفصَّلٌ في محلِّه في علوم اللغة [ينظر: مغني اللبيب ج1 ص117 (ثم)، وص161 (الفاء)].
التعليق الثاني: هذه الإشكاليَّة كغيرها من الإشكاليَّات التي يدَّعي أصحابها وجود تعارضٍ وتنافٍ بين الدين وبين ما يثبته العلم الحديث، وذاك بهدف إلغاء حقانية الدين. إلّا أنّ هذه الإشكاليَّات كلَّها باطلةٌ، وهذه إحداها كما ستعرف.
والذي ينبغي التنبُّه له في مثل هذه الشبهات: أنّ ما يُدَّعى تعارضه من العلم الحديث مع النصوص الدينيَّة هل هو من قبيل النظريَّة العلميَّة أم هو من قبيل الحقيقة العلميَّة؟ فإنْ كان من قبيل الأوَّل فالنظريَّات العلميَّة ليست مقطوعاً بها، فهي قد تخطأ وقد تصيب، فكيف يصحُّ الاحتجاج بها وجعلها ذريعةً لتكذيب القرآن؟!
وإنْ كانت من قبيل الحقيقة العلميَّة، فلا بدَّ من التفصيل بين نحوين من المضامين القرآنيَّة:
النحو الأوَّل: المضامين التي تكون نصّاً قطعيَّ الدلالة: فإنْ كان المضمون قطعيَّ الدلالة، فهذا ممَّا نجزم بعدم وقوعه؛ لأنّ الحقيقة العلميَّة مقطوعٌ بها، والقرآن قطعيُّ الصدور فإنْ كانت الآية قطعيَّة الدلالة أيضاً، فهذا ممَّا نجزم بعدم تعارضه مع الحقائق العلميَّة القطعيَّة؛ وذلك لأنَّ القطعيَّينِ لا يتعارضان، وسرُّ ذلك مبحوثٌ في محلِّه، ولا مجال للتفصيل في ذلك في هذا المقام.
النحو الثاني: المضامين التي تكون ظنيَّة الدلالة: فحينما تكون الآية ظاهرةً في معنىً معيَّنٍ أو تكون دلالتها إشعاريَّةً لم تصل لمرحلة الظهور، فإنّ مضمونها يكون حينئذٍ ظنيّاً، فلو تعارضت الحقيقة العلميَّة القطعيَّة مع نصٍّ قطعيِّ الصدور وظنيِّ الدلالة، فهنا لا بدَّ من رفع اليد عن هذا الظهور وتأويله بما يتلاءم مع تلك الحقيقة القطعيَّة.
التعليق الثالث: هل ما يُدَّعى في السؤال من قبيل الحقيقة العلميَّة، أم من قبيل النظريَّة العلميَّة؟
ادَّعى المشكل أنّ كلاً من العظام واللحم ينشآن من مادَّةٍ واحدةٍ في وقتٍ واحدٍ، فهل هذا يُعدُّ حقيقةً علميَّةً قطعيَّةً لا تقبل الشكَّ والاختلاف، حالها حال بقيَّة الحقائق العلميَّة التي لا يختلف فيها؟ أم أنّ ذلك لا يعدو كونه نظريَّةً علميَّةً ورأياً علميّاً، خضع لتجارب معيَّنةٍ، لم تصل إلى حدِّ الجزم والقطع بنتائجها؟
وجواب ذلك يجرنا إلى الرجوع إلى بعض كـلمات علماء الأجنَّة، لنرى قولهم في هذه المسألة، وهنا نكتفي بنقل كلامين لاثنين من أمَّهات المصادر في هذا المجال:
الأوَّل: كيث مور (Keith Moore)، وهو من أشهر علماء التشريح وعلم الأجنَّة، صاحب الكتاب المعروف (The Developing Human)، وهو يُعدُّ من أهم الكتب في هذا المجال، وقد تُرجم إلى أكثر من عشرين لغةً. قد صرَّح بتصريحٍ مهمٍّ في مؤتمر الإعجاز العلميِّ الأوَّل للقرآن الكريم والسنة المطهرة، والذي عُقد في القاهرة عام 1986، والذي كان أحد الباحثين المشاركين في المؤتمر المذكور، في محاضرته قائلاً: (إنَّني أشهد بإعجاز الله في خلق كلِّ طورٍ من أطوار القرآن الكريم، ولست أعتقد أنّ محمّداً أو أيَّ شخصٍ آخر يستطيع معرفة ما يحدث في تطوُّر الجنين؛ لأنّ هذه التطوُّرات لم تُكتشَف إلّا في الجزء الأخير من القرن العشرين، وأريد أن أؤكِّد على أنّ كلَّ شيءٍ قرأته في القرآن الكريم عن نشأة الجنين وتطوُّره في داخل الرحم ينطبق على كلِّ ما أعرفه كعالمٍ من علماء الأجنَّة البارزين) [ينظر: رحلة إيمانية مع رجال ونساء أسلموا ج1 ص200].
الثاني: حينما نراجع كتاب (Langman’s Embryology)، وهو أحد أهم المراجع الطبِّيَّة العالميَّة المعتمدة في دراسة تطوُّر الجنين البشريّ، سنصل إلى عدَّة نتائج تتعلَّق بما نحن فيه، وهنا أشير إلى خلاصةٍ مهمَّةٍ، ومَن شاء فليرجع تفصيل ذلك في الصفحات التي سأشير إليها:
على الرغم من أنّ كلاً من العضلات والعظام تتشكَّلان من نفس المنشأ والمادَّة، وهي ما يُعبَّر عنه بـ(Mesoderm) أو (الأديم الأوسط)، إلّا أنّ وقت التشكُّل والنمو يختلف، فحينما نرجع إلى الفصول الخاصَّة بتطوُّر الجهاز الهيكليّ والجهاز العضليّ، سنجد أنّ الأساس الهيكليَّ الذي يتشكَّل أوَّلاً هو القوالب الغضروفيَّة للعظام، ثمّ تنمو الخلايا العضليَّة حول تلك القوالب وتكسوها.
وبعبارةٍ مختصرةٍ: تتشكَّل النماذج الأوليَّة للعظام أوَّلاً في أماكنها المحدَّدة، ثمّ تتشكَّل الألياف العضليَّة وتكسوها وترتبط بها.
(تكون العظام والأساس الغضروفي أوَّلاً: تُشرح هذه العمليَّة في فصل الجهاز الهيكلي المحوري (The Axial Skeleton)، انظر الصفحات 135 إلى 146).
(تكون اللحم ثمّ تغطية العظام: تُشرح هذه العمليَّة في فصل الجهاز العضلي (Muscular System)، انظر الصفحة 147 وما بعدها).
والمتحصَّل من هذين المصدرين اللذين يُعدَّان من مراجع علم الأجنة:
1ـ أنّ السائل قد خلط بين أمرين: اشتراك العضلات والعظام في منشأ المادَّة الأوليَّة لتشكُّلهما، ووقت تشكُّل كلِّ منهما، فظنَّ بأنَّ الأوَّل مساوقٌ للثاني، وهما أمران مختلفان كما استفدناه من الكـلام الذي نقلناه آنفاً.
2ـ أنّ الآية الشريفة لا تتنافى مع ما يقرِّره علم الأجنة، فما ذُكر في هذين المصدرين: إمّا أن يكون من قبيل الحقيقة العمليَّة أو يكون من قبيل النظريَّة: فإنْ كان من قبيل الحقيقة العلميَّة فما ذُكر في سؤال السائل يصطدم معه، فلا يُعبأ به، ويثبت أنّ النصَّ القرآني موافقٌ للحقيقة العلميَّة وليس مخالفاً لها. وإنْ كان من قبيل النظريَّة العلميَّة فإنَّ ما ذُكِر في سؤال السائل نظريَّةٌ أيضاً، فما هو المرجِّح لها على غيرها؟ بل إنَّ ما جاء في هذين المصدرين هو الراجح؛ لكونهما محلَّ اعتمادٍ عند أهل الاختصاص في هذا المجال.
التعليق الرابع: لو سلَّمنا بما يقوله السائل من تشكُّل العضلات والعظام معاً، فإنَّ الآية الشريفة لا تتنافى مع هذا المعنى أيضاً كما أنّها لا تثبته؛ إذ إنَّ الآية الشريفة عبَّرت باكتساء اللحم للعظام، واكتساء اللحم ظاهرٌ في الإحاطة للعظام، وليس في التشكُّل والنشوء، فهي تريد أن تقول: إنَّ العظم الذي تكوَّن سيحيط به لحمٌ، وهذا التعبير لا ينفي وجود تشكُّلٍ عضليٍّ لحميٍّ قد تشكَّل في بداية نشوء العظم، وهذا حصل قبل اكتساء العظام للحم، فتأمَّل.
اترك تعليق