هل يلزم من تبرئة جابر والمفضل من الغلو تبرئة أبي الخطاب؟

: اللجنة العلمية

الجواب: إشكالٌ منهجيٌّ في علم الرجال، لماذا قام السيّد الخوئيّ بتبرئة المفضّل بن عمر، جابر الجعفيّ، بينما لم يدافع عن أبي الخطّاب؟ مفارقةٌ تاريخيّةٌ، لماذا المتقدّمون قالوا: إنّ رؤوس الغلاة هم: جابر، المفضّل، أبو الخطّاب، بينما المتأخّرون برّؤوا جابراً، وبرَّؤوا المفضّل، وتركوا أبا الخطّاب وحده؟

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

لابدّ من الالتفات أوّلاً إلى أنَّ دراسة أحوال الرجال لا تختلف عن دراسة أيّ حقلٍ معرفيٍّ آخر من جهة وجود المتفق عليه والضروريّ، وبين المختلف فيه والنظريّ؛ ولذلك تختلف مواقف الدارسين تبعاً لاختلاف المسألة محلّ الدراسة.

وهذا منشأ عدم خلاف واختلاف علماء الحديث والرجال في تضعيف أبي الخطاب وعدم قبول حديثه، بينما اختلفوا في روايات جابر والمفضّل.

ومن هنا ينحصر السؤال في سبب تبرئة المفضل وجابر، دون البحث عن سبب تضعيف أبي الخطاب؛ لأنّ الروايات وأقوال الرجاليّين مطبقةٌ على تضعيفه.

وكلٌّ من الرجلين -أعني المفضل وجابراً -ورد في حقّه روايات مادحة وأخرى ذامّة، وقد اختلفت كلمات الرجاليّين في تقييمهما كراويَيْنِ:

1ـ المفضّل بن عمر الجعفيّ:

قال النجاشيّ: (فاسد المذهب، مضطرب الرواية، لا يعبأ به، وقيل: إنّه كان خطابيّاً، وقد ذُكرَت له مصنّفات لا يُعوّل عليها) [رجال النجاشي ص416]. وقد نسبه إلى ذلك ابن الغضائريّ في [رجاله ص87].

إلا أنّ الشيخ المفيد قد صرّح بأنّ المفضّل من خاصّة أبي عبد الله (ع) وبطانته، وثقاته الفقهاء الصالحين [ينظر: الإرشاد: ج٢ ص٢١٦]. وتابعه على ذلك ابن شهر آشوب في [مناقب آل أبي طالب ج3 ص400].

كلّ ذلك تبعاً لاختلاف الروايات في حقّه، وقد رجّح السيّد الخوئيّ جانب المدح والتوثيق، بسبب ضعف جملةٍ من الروايات الذامّة، وعدم صلاحيّة الصحيح منها لمعارضة الروايات المادحة، فإنّها متضافرةٌ، مع قرب أنْ يكون الذمّ من الإمام قد صدر لمصلحةٍ وعلّةٍ، كما ورد في حقّ زرارة ومحمّد بن مسلم، خصوصاً وهذه الروايات المختلفة قد وردت عن الإمام الصادق (ع)، وأمّا ما ورد عن الأئمّة (ع) من بعده فهي مادحةٌ فقط.

ثمّ ناقش السيّد الخوئيّ كلام الشيخ النجاشي، فلم يقبل نسبة فساد المذهب للمفضّل؛ لمعارضته كلام الشيخ المفيد المعتضد بالروايات المتضافرة، كما لم يعتبر اضطراب الرواية موجباً لضعف المفضّل في نفسه كراوٍ، فخلص – في النتيجة – إلى تبرئة المفضّل. [ينظر: معجم رجال الحديث ج19 ص329].

2ـ جابر بن يزيد الجعفيّ:

قد رماه الشيخ النجاشي بالاختلاط [ينظر: رجال النجاشي ص128]. ووردت روايةٌ ذامّةٌ له عن زرارة، قال: «سألتُ أبا عبد الله (ع) عن أحاديث جابر، فقال: ما رأيتُه عند أبي قط، إلّا مرّة واحدة، وما دخل عليَّ قط» [اختيار معرفة الرجال ج2 ص436].

إلّا أنَّه يقابلهما شهادة الشيخ المفيد بأنّه ممّن لا مطعن فيهم، ولا طريقَ لذمّ واحدٍ منهم. [ينظر: الإرشاد: ج٢ ص٢١٦]. وقال ابن الغضائري: (إن جابر بن يزيد الجعفيّ الكوفيّ ثقة في نفسه) [ينظر: خلاصة الأقوال ص94]. وعدّه ابن شهر آشوب من خواصّ أصحاب الصادق (ع) في [مناقب آل أبي طالب: ج3 ص400].

وأمّا الرواية الذامّة فهي محمولة على نحوٍ من التورية؛ لأنّه لو لم يدخل على الإمام قط، فلا منشأ لاختلاف الناس في رواياته حتّى استدعى سؤال زرارة عنه. على أنّ عدم دخوله على الإمام لا ينافي صدقه في أحاديثه؛ لاحتمال أنّه كان يلاقي الإمام في غير داره، فيأخذ منه العلوم والأحكام، ويرويها، وقد وردت رواية تتضمّن شهادة الإمام الصادق (ع) له بالصدق على أهل البيت. [ينظر: معجم رجال الحديث ج4 ص344].