هل القول بعدم سهو النبي (ص) من الغلو عند النجاشي والطوسي؟
السؤال: هل تعلمون أنّ من قال: إنّ النبيّ لا يسهو، يُعدّ مغالياً كافراً عند الطوسيّ والنجاشيّ؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم – أخي القارئ – أنّ السؤال يتضمن اشتباهين:
أحدهما: في اعتبار النافي للسهو عن النبيّ (ص) مغالياً غلوّاً كفريّاً.
والآخر: نسبة ذلك للشيخين الطوسيّ والنجاشيّ.
أمّـا الأوّل: فالصحيح أنّ اعتبار نفي السهو غلوّاً هو قول الشيخ الصدوق وأستاذه ابن الوليد، ولكنّهما لا يعتبرانه من الغلوّ الموجب الكفر؛ إذ للغلوّ مراتب ودرجات، والجامع بينها هو نسبة أمورٍ إلى منزلة أهل البيت (ع) لم تثبت بالدليل، وبعض مراتبها يصل إلى حدّ الكفر؛ كاعتبارهم شركاء لله عزّ وجلّ، أو متّحدين معه، أو محلّاً لحلوله تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. وبعضها الآخر لا يصل لذلك. وهذه المسألة بنظر الشيخ الصدوق وأستاذه ابن الوليد كذلك.
وبعبارةٍ أخرى: هناك فرقٌ بين الغلوّ عند الرجاليّين والمحدّثين وبين الغلوّ عند الفقهاء، فإنّ الفقه يرتّب على الغلوّ حكم الكفر والنجاسة، بينما ينصبّ نظر الرجاليّين في تمييز مذهب ومنزلة الراوي ورواياته لقبولها وردّها.
قال المرجع الشيخ لطف الله الصافي الكلبيكانيّ:
(فمثل الصدوق (رضوان الله تعالى عليه) يرى أوّل درجةٍ في الغلوّ نفي السهو عن النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فربّما كان رجلٌ عند شخصٍ غالياً وهو صحيح المذهب عند غيره، وهذا بابٌ يدخل فيه اجتهادُ الرجاليّين وآراؤهم في الغلوّ، بل وغلوّهم في أمر الغلوّ، وشدّة تحفّظهم عن الوقوع فيه، فيتّهم بعضُهم - على حسب اجتهاده أو رأيه - رجلاً بالغلوّ في حين أنّه يراه غيره مستقيم المذهب. فالاعتماد على حكم البعض بالغلوّ إنّما يجوز إذا كان ما هو الملاك عنده في الغلوّ معلوماً لنا وملاكاً عندنا أيضاً، وكان مستنده في إسناد الغلوّ إليه أيضاً معتبراً عندنا، فلا اعتماد على الاجتهاد والشهادة الحدسيّة، وإلّا فلا عبرة برميه به، ولا نحكم عليه به، فضلاً من أن نعدّ ذلك موجباً لعدم الاعتماد على رواياته، سيّما إذا كان الرجل من المشايخ وتلامذة الشيوخ، موصوفاً بالصدق والوثاقة) [منتخب الأثر ج٣ ص٣٣٧].
أمّـا الثاني: فلا دليل على أنّ الشيخين الطوسيّ والنجاشيّ كانا يقولان بمقالة الشيخ الصدوق وأستاذه ابن الوليد؛ فإنّ أستاذهما هو الشيخ المفيد الذي ردّ على الشيخ الصدوق، وصنّف رسالةً في نفي السهو عن النبيّ (ص).
بل إنّ للشيخ الطوسيّ تصريحاتٍ عديدةً في نفي السهو عن النبيّ (ص) والأئمّة (ع)، نذكر منها:
1ـ قال: (مع أنّ في الحديثين ما يمنع من التعلّق بهما، وهو حديث ذو الشمالين وسهو النبيّ (ص)، وذلك ممّا تمنع منه الأدلّة القاطعة في أنّه لا يجوز عليه السهو والغلط (ص)) [الاستبصار ج1 ص371].
2ـ وقال: (لاضطراب متنه لاشتماله على أنّ النبيّ (ص) يسهو في صلاته، وهو باطلٌ بالإجماع) [الخلاف ج2 ص197].
3ـ وقال: (مسألة: نبيّنا محمّد (ص) معصومٌ من أوّل عمره إلى آخره - في أقواله وأفعاله وتروكه وتقريراته - عن الخطأ والسهو والنسيان؛ بدليل أنّه لو فعل المعصية لسقط محلّه من القلوب، ولو جاز عليه السهو والنسيان لارتفع الوثوق من إخباراته، فتبطل فائدة النبوّة، وهو محالٌ) [الرسائل العشر ص96].
4ـ وقال: (وجعلهم معصومين من الخطأ، مأمونين عليهم السهو والغلط؛ ليأمن بذلك مَن يفزع إليهم من التغيير والتبديل والغلط والتحريف، فيكون بذلك واثقاً بدينه، قاطعاً على وصوله إلى الحقّ الذي أوجبه الله تعالى عليه وندب إليه) [المبسوط ج1 ص1].
5ـ وقال: (روى أصحابنا عن أبي جعفر [الباقر] وأبي عبد الله [الصادق] (ع): أنّهم الأئمّة من آل محمّد، فلذلك أوجب الله تعالى طاعتهم بالإطلاق، كما أوجب طاعة رسوله وطاعة نفسه كذلك، ولا يجوز إيجاب طاعة أحدٍ مطلقاً إلّا مَن كان معصوماً مأموناً منه السهو والغلط) [تفسير التبيان ج3 ص236].
وأمّـا الشيخ النجاشيّ فإنّه وإنْ لم يُعثَر له على تصريحٍ في نفي السهو – باعتبار أنّه لم يصلنا له غير كتابه في الرجال -، ولكن لا مجال لنسبة القول بالسهو إليه؛ فإنّ هذا اتّهامٌ من غير دليلٍ.
وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أنّ مقالة الصدوق هي نسبة الإسهاء، لا السهو، وفرقٌ بينهما؛ فإنّ الإسهاء من الله تعالى، والسهو من الشيطان، وهذا نصّ كلامه: (وليس سهو النبيّ (ص) كسهونا؛ لأنّ سهوه من الله عزّ وجلّ، وإنّما أسهاه ليعلم أنّه بشرٌ مخلوقٌ، فلا يُتّخذ ربّاً معبوداً دونه، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو متى سهوا. وسهونا من الشيطان، وليس للشيطان على النبيّ (ص) والأئمّة (ص) سلطانٌ، {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّونَه وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ}، وعلى مَن تبعه من الغاوين) [من لا يحضره الفقيه ج1 ص360].
والحمد لله ربّ العالمين.
اترك تعليق