هل يقر الإمام علي (ع) بأن الإمامة باختيار الناس؟
السؤال: عبارةٌ لعليٍّ (رضي الله عنه) تنقض بدعة التنصيب الإلهيّ، وتوجب نصب إمامٍ من الناس، يرويها سليم بن قيسٍ: ” رسالةٌ من أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى معاوية: فلما قرأ عليٌّ عليه السلام كتاب معاوية وأبلغه أبو الدرداء وأبو هريرة رسالته ومقالته، قال عليٌّ (عليه السلام) لأبي الدرداء: قد أبلغتماني ما أرسلكما به معاوية، فاسمعا منّي ثمّ أبلغاه عنّي كما أبلغتماني عنه وقولا له: إنّ عثمان بن عفان لا يعدو أن يكون أحد رجلين: إمّا إمام هدىً حرام الدم واجب النصرة لا تحلّ معصيته ولا يسع الأمة خذلانه، أو إمام ضلالةٍ حلال الدم لا تحلّ ولايته ولا نصرته، فلا يخلو من إحدى الخصلتين. والواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين بعد ما يموت إمامهم أو يقتل - ضالاً كان أو مهتدياً، مظلوماً كان أو ظالماً، حلال الدم أو حرام الدم - أنْ لا يعملوا عملاً ولا يحدثوا حدثاً ولا يقدموا يداً ولا رجلاً ولا يبدؤوا بشيءٍ قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً عالماً ورعاً عارفاً بالقضاء والسنّة، يجمع أمرهم ويحكم بينهم ويأخذ للمظلوم من الظالم حقّه ويحفظ أطرافهم ويجبي فيئهم ويقيم حجّهم وجمعتهم ويجبي صدقاتهم، ثمّ يحتكمون إليه في إمامهم المقتول ظلماً ويحاكمون قتلته إليه ليحكم بينهم بالحقّ: فإن كان إمامهم قتل مظلوماً حكم لأوليائه بدمه، وإن كان قتل ظالماً نظر كيف الحكم في ذلك“ [كتاب سليم بن قيس ص٢٩١].
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الاستدلال في حقيقته لا يقوم على فهمٍ كاملٍ لكلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل على اقتطاع جزءٍ منه، ثمّ تحميله معنىً عقديّاً لم يُقصد منه أصلاً؛ لأنّ كلام الإمام (ع) هنا ليس في مقام تأسيس نظريّة الإمامة، بل في مقام الجدل مع الخصم وإلزامه بما يلتزم به.
فالإمام (عليه السلام) كان يخاطب معاوية ومن معه، وهم لا يؤمنون بالنصب الإلهيّ للإمامة، بل يحتجّون بالشورى واختيار الناس، فكان من الطبيعيّ أنْ يحتجّ عليهم من داخل هذا المبنى نفسه، لا أن يبدأ معهم من أصلٍ لا يؤمنون به. وهذا أسلوبٌ معروفٌ في الاحتجاج: أنْ تُلزم خصمك بما ألزم به نفسه.
والدليل الواضح على أنّ كلام الإمام ليس تقريراً لمبدأ "اختيار الأمّة" كأصلٍ، هو تتمّة كلامه التي أهملها المُشكل، حيث قال (عليه السلام):
«فإنْ كان الله جلّ اسمه جعل الاختيار إلى الأمّة، وهم الذين يختارون وينظرون لأنفسهم، واختيارُهم لأنفسهم ونظرهم لها خيرٌ لهم من اختيار الله ورسوله لهم، وكان من اختاروه وبايعوه بيعته بيعة هدىً، وكان إماماً واجباً على الناس طاعته ونصرته، فقد تشاوروا فيَّ واختاروني بإجماعٍ منهم، وإنْ كان الله عزّ وجلّ هو الذي يختار، وله الخيرة، فقد اختارني للأمّة واستخلفني عليهم، وأمرهم بطاعتي ونصرتي في كتابه المنزل وسنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله)، فذلك أقوى بحجّتي وأوجب بحقّي».
فتمام النصّ يبيّن بوضوحٍ أنّ الإمام (عليه السلام) يحتجّ على خصمه بكلا المبنيين:
فإنْ قلتم: بالاختيار، فقد اختاروني.
وإنْ قلتم – وهو الحقّ –: إنّ الاختيار لله، فالله هو الذي اختارني، وهذا أقوى في الحجّة.
فهو ليس بصدد تقرير أنّ الإمامة تُستمدّ من الناس، بل بصدد سدّ كلّ منفذٍ للخصم، بحيث لا يبقى له طريقٌ للاعتراض، سواءٌ احتجّ بالشورى أو احتجّ بغيرها.
بل إنّ تأمّل قوله: «فذلك أقوى بحجّتي وأوجب بحقّي» يكشف بوضوحٍ أنّ الإمام (ع) يجعل الحجّة القائمة على الاختيار الإلهيّ هي الأقوى والأصل، وما قبلها إنّما هو إلزامٌ جدليّ، لا تأسيسٌ عقديّ.
وعليه، يتبيّن أنّ الاستدلال بكلامه الأوّل على نفي "التنصيب الإلهيّ" استدلالٌ في غير محلّه؛ لأنّه أغفل سياق الكلام، وأهمل تتمّته، ولم يميّز بين مقام الاحتجاج ومقام البيان العقديّ. وبمجرّد قراءة النصّ كاملاً، ينكشف أنّ الإمام (عليه السلام) لا ينقض أصل الإمامة الإلهيّة، بل يؤكّده، ويضيف إليه حجّةً جدليّةً تُلزم الخصم من داخل منطقه هو.
اترك تعليق