هل قصة النبي سليمان (ع) في التوراة أكثر منطقية من قصته في القرآن؟

السؤال: بعد المقارنة بين قصة سليمان في التوراة والقرآن، يتبين أنَّ قصة سليمان في التوراة هي القصة المنطقيَّةُ التي يقبلها العقل والمنطق، ولا تتخللها قصصٌ خرافيَّةٌ ولا شياطين ولا جنٌّ، بينما قصتُه في القرآن تشوبها حكاياتٌ تشبه قصص ألف ليلةٍ وليلةٍ. فيحول مؤلف القرآن سليمان رجلاً خارقاً يتكلم بلغة الطيور، ويفهم لغة النمل، وسماع ما يتحدثون به من مسافةٍ بعيدةٍ، ويستطيع أنْ يسخّر الشياطين والجنَّ لخدمته يغوصون في أعماق البحر ليستخرجوا له اللؤلؤ والمرجان وينحتون له المحاريب ويصنعون له القدور والتماثيل.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

الإشكال هنا ليس في قصة سليمان (عليه السلام)، بل في زاوية النظر التي يُراد فرضها على النصّ القرآنيّ، فكلامه قائمٌ على خلطٍ منهجيٍّ بين ما هو «عقليّ» وما هو «مألوفٌ»، وبين ما هو «ممكنٌ» وما هو «معتادٌ».

فالقول بأنَّ قصة سليمان في التوراة أكثر منطقيَّةً، ليس حكماً عقلياً خالصاً، بل هو حكمٌ ذوقيّ قائمٌ على ما اعتاده الذهن المعاصر. فالعقل لا ينفي وجود عالمٍ غير ماديٍّ، ولا يمنع إمكان وجود مخلوقاتٍ غير مرئيَّةٍ كالجنّ، ولا يرى استحالة أنْ يمنح الله بعض عباده قدراتٍ خارقةً ضمن إطار المعجزة أو الكرامة، فالإشكال العقليّ يقع ضمن السؤال: هل هذا ممكنٌ في ذاته أم مستحيلٌ؟ وليس: هل هو مألوفٌ عندي أم لا؟ وبين الأمرين فرقٌ جوهريٌّ.

حين يقال إنَّ تسخير الجنّ أو فهم لغة الطير خرافةٌ، فالسؤال حينها يكون: ما الدليل العقليّ على استحالة ذلك؟ ولا وجود لمثل هذا الدليل؛ لأنَّ العقل لا يحكم بالاستحالة إلَّا عند اجتماع المتناقضين فقط. وأقصى ما يمكن قوله: «هذا غير مألوفٍ في تجربتنا اليوميَّة»، وكما هو واضحٌ عدم الألفة ليست دليلاً على الاستحالة، فنحن اليوم نعيش في عالمٍ كانت كثير من ظواهره تُعدّ قبل قرونٍ سحراً أو خرافةً: التواصل الفوريّ عبر القارات، نقل الصوت والصورة، التحكم في الآلات عن بُعد… كلّ ذلك كان سيُرفض قديماً بنفس الحجة: «لا يقبله العقل لأنَّه غير مألوفٍ».

ثم إنَّ القرآن لا يقدّم هذه الظواهر على أنَّها قدراتٌ ذاتيَّةٌ لسليمان (ع)، بل يربطها بوضوحٍ بمشيئة الله وتسخيره: {وَسَخَّرْنَا لِسُلَيْمَانَ...} [سبأ: 12]. فالقضية ليست «إنساناً خارقاً» بالمعنى الأسطوريّ، بل نبيّاً أُعطي مُلكاً خاصاً ومعجزةً مخصوصةً، وإذا كان أصل الإيمان يقوم على الإقرار بقدرة الله المطلقة، فإنَّ إنكار هذه التفاصيل بحجة "عدم معقوليَّتها" يصبح تناقضاً داخلياً: كيف نقبل بوجود إلهٍ قادرٍ على كلّ شيءٍ، ثم نرفض تجليات قدرته حين تخرج عن المألوف؟

بل اللافت أنَّ النصّ التوراتيّ نفسه الذي يُمدح هنا، لا يخلو من أمورٍ أشد إشكالاً من جهة العقل والأخلاق، كالنصوص التي تُنسب إلى الأنبياء ما لا يليق بمقامهم؛ وعلى الرغم من كلّ الأوصاف الإيجابيَّة التي أطلقها العهد القديم على الشطر الأول من حكم سليمان، فإنَّه سرعان ما تتبدل تلك التوصيفات في الشطر الثاني منه، حيث يذكر سفر ملوك أول أنَّ سليمان قد خرج عن تعاليم اليهوديَّة وتشريعاتها عندما مال في شيخوخته إلى عددٍ كبيرٍ من النساء الأجنبيَّات، وكانت إحداهن بنت فرعون مصر، ويصف السفر هذه المعصية الكبرى بأنَّه أقام الأوثان داخل الهيكل وأقرَّ عبادة آلهة زوجاته، حتى عبّر النصّ عن ذلك بقوله: «وعمل سليمان الشر في عين الرب».

فهل هذه أيضاً منطقيَّةٌ؛ لمجرد أنَّها لا تتضمن جنّاً وشياطين؟ أم أنَّ معيار المنطق هنا انتقائيّ يُستخدم فقط عندما يخدم موقفاً مسبقاً؟

والأهمّ من كلّ ذلك أنَّ قراءة قصة سليمان (ع) في القرآن قراءةً سطحيَّةً تختزلها في «غرائبيَّة المشهد» تُغفل بُعدها الأساسيّ: البعد القيميّ والتربويّ، القرآن لا يذكر هذه التفاصيل لإثارة الدهشة، بل ليؤسس لمعانٍ عميقةٍ: علاقة الإنسان بالسلطة، اختبار النعمة، التواضع رغم التمكين، شكر النعمة، وتحويل القوة إلى وسيلةٍ للعدل لا للبطش. حتى مشهد النملة الذي يُستهزأ به، هو في حقيقته درسٌ في حساسيَّة القائد وعدله، حيث يبتسم سليمان ويشكر الله، لا لأنَّه سمع "حكايةً طريفةً"، بل لأنَّه أدرك مسؤوليَّته تجاه مخلوقاتٍ ضعيفةٍ لا تُرى.

وفي المحصلة، إنَّ المشكلة في مثل هذا الطرح أنَّه يُسقط معياراً ضيقاً للعقل، ثم يُحاكم به نصاً يتحدث عن عالمٍ أوسع من حدود التجربة الحسيَّة المباشرة، فالعقل السليم يميّز بين المستحيل والممكن، وبين ما نجهله وما لا يمكن أنْ يكون. والقرآن حين يحدّث عن سليمان، لا يطلب منك أنْ تُصدّق خرافةً، بل أنْ توسّع أفقك لتفهم أنَّ الواقع ليس محصوراً فيما تراه وتعتاده. وبعبارةٍ أوضح: ليس كلّ ما لا نألفه خرافةً، وليس كلّ ما نألفه حقيقةً مطلقةً. وبين هذين الحدّين، يتحدد موقع العقل الحقيقيّ.