إمامة الإمام الصادق (ع)
السؤال: ما هو الدليل على إمامة الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمَّد الصادق (عليه السلام)؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
ذكرنا في جوابٍ سابقٍ تحت عنوان (تواتر النصوص على الأئمَّة الاثني عشر) أنَّ الأخبار الدالَّة على إمامة الأئمَّة الاثني (عليهم السلام) قد تجاوزت حدَّ التواتر المفيد للعلم واليقين، وقد أشرنا إلى ذكر جملةٍ كبيرةٍ من كتب الأعلام والمحققين الناقلة لتلك الأخبار، ممَّا تجعل الباحث المنصِف على درجةٍ عاليةٍ من التصديق والاطمئنان بذلك.
إذا اتَّضح هذا فنقول: إنَّ الأخبار الدالَّة على إمامة الإمام الصادق (عليه السلام) على أقسامٍ عدَّةٍ يتجاوز مجموعها رتبة التواتر المفيد للعلم واليقين، كما سيتَّضح، نذكر شطراً منها، حذر التطويل.
القسم الأوَّل: النصوص العامَّة:
وهي ما روي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في حقِّ الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) جميعاً، ومنهم الإمام الصادق (عليه السلام)، وهي كثيرةٌ أيضاً نذكر بعضاً منها.
من ذلك: ما رواه الشيخ الخزَّاز بسنده إلى أبي عبد الله الصادق، عن آبائه (عليهم السلام)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): حدَّثني جبرئيل، عن ربِّ العزة (جلَّ جلاله) أنه قال: «من عَلِم أنْ لا إله إلَّا أنا وحدي، وأنَّ محمَّداً عبدي ورسولي، وأنَّ عليَّ بن أبي طالب خليفتي، وأنَّ الأئمَّة من ولده حُجَجِي، أدخلتُهُ جنَّتي برحمتي، ونجَّيتُه من النار بعفوي، وأبحتُ له جواري، وأوجبتُ له كرامتي، وأتممتُ عليه نعمتي، وجعلته من خاصتي وخالصتي ... ومن لم يشهد أنْ لا إله إلَّا أنا وحدي، أو شهد بذلك ولم يشهد أنَّ محمَّداً عبدي ورسولي، أو شهد بذلك ولم يشهد أنَّ عليَّ بن أبي طالب خليفتي، أو شهد بذلك ولم يشهد أنَّ الأئمَّة من ولده حُججي، فقد جحد نعمتي، وصغَّر عظمتي، وكفر بآياتي وكتبي ورسلي ... فقام جابر بن عبد الله الأنصاريُّ فقال: يا رسول الله، ومن الأئمَّة من ولد علي بن أبي طالب؟ قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ثمَّ سيد العابدين في زمانه علي بن الحسين، ثمَّ الباقر محمَّد بن علي، وستدركه يا جابر، فإذا أدركتَه فاقرأه مني السلام، ثمَّ الصادق جعفر بن محمَّد، ثمَّ الكاظم موسى بن جعفر، ثمَّ الرضا علي بن موسى، ثمَّ التقي محمَّد بن علي، ثمَّ النقي علي بن محمَّد، ثمَّ الزكيُّ الحسن بن علي، ثمَّ ابنه القائم بالحق مهدي أمتي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً. هؤلاء يا جابر خلفائي وأوصيائي وأولادي وعترتي، من أطاعهم فقد أطاعني، ومن عصاهم فقد عصاني، ومن أنكرهم أو أنكر واحداً منهم فقد أنكرني» [كفاية الأثر ص235].
إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى، كما لا يخفى على المطالِع.
القسم الثاني: النصوص الخاصَّة:
وهي ما رُوي من نصِّ آبائه أو أبيه الإمام الباقر (عليه السلام) عليه بالخصوص، نذكر جملة منها:
1ـ روى الشيخ الكلينيُّ بسنده إلى أبي الصباح الكنانيّ قال: «نظر أبو جعفر (عليه السلام) إلى أبي عبد الله (عليه السلام) يمشي فقال: ترى هذا؟ هذا من الذين قال الله (عزَّ وجلَّ):﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ﴾ [القصص: 28]» [الكافي ج1 ص366].
2ـ وروى الشيخ الصدوق بسنده إلى أبي خالد الكابليّ قال: «دخلتُ على سيدي علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) فقلتُ له: يا بن رسول الله، أخبرني بالذين فرض الله (عزَّ وجلَّ) طاعتهم ومودتهم، وأوجب على عباده الاقتداء بهم بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟ فقال لي: يا كنكر، إنَّ أولي الأمر الذين جعلهم الله (عزَّ وجلَّ) أئمَّة للناس وأوجب عليهم طاعتهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثمَّ الحسن، ثمَّ الحسين ابنا علي بن أبي طالب، ثمَّ انتهى الأمر إلينا، ثمَّ سكت. فقلتُ له ... فمن الحجَّة والإمام بعدك؟ قال: ابني محمَّد، واسمه في التوراة باقر، يبقرُ العلم بقراً، هو الحجَّة والإمام بعدي، ومن بعد محمَّد ابنه جعفر، واسمه عند أهل السماء الصادق» [كمال الدين ص٣١٩].
3ـ وروى الشيخ الخزَّاز بسنده إلى محمَّد بن مسلم، قال: «كنتُ عند أبي جعفر محمَّد بن علي الباقر (عليه السلام) إذْ دخل جعفر ابنه وعلى رأسه ذؤابة ... إلى قوله: ثمَّ قال لي: يا محمَّد، هذا إمامك بعدي فاقتدِ به واقتبس من علمه، والله إنَّه لهو الصادق الذي وصفه لنا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأنَّ شيعتَه منصورونَ في الدُّنيا والآخرة، وأعداءه ملعونون في الدنيا والآخرة على لسان كلِّ نبي» [كفاية الأثر ص٢٥٣].
4ـ وروى أيضاً بسنده إلى أبي همام بن نافع قال: «قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) لأصحابه يوماً: إذا افتقدتمُوني فاقتدوا بهذا، فإنَّه الإمام بعدي، وأشار إلى ابنه جعفر (عليه السلام)» [كفاية الأثر ص٢٥٤].
5ـ وروى أيضاً بسنده إلى أبي مريم عبد الغفَّار بن القاسم قال: «دخلتُ على مولاي الباقر (عليه السلام) وعنده أناس من أصحابه .... إلى قوله: قلتُ: فإنْ كان هذا كائنٌ يا بن رسول الله فإلى من بعدك؟ قال: إلى جعفر، وهو سيد أولادي وأبو الأئمَّة، صادق في قوله وفعله» [كفاية الأثر ص٢٥٤].
إلى غيرها من الروايات الواردة في هذا المعنى.
القسم الثالث: المعاجز والكرامات:
وهي النصوص التي تتضمَّن نقل (المعاجز والكرامات) التي صدرت من الإمام الصادق (عليه السلام) والتي تكشف عن كونه حُجة لله تعالى وإماماً للخلق، نذكر بعضاً منها:
1ـ روى عبد الله والحسين ابنا بسطام بالإسناد إلى داوود الرقيّ قال: «كنتُ عند أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) فدخلت حبابة الوالبيَّة .... فقال الصادق (عليه السلام): ما لي أرى عينيكِ قد سالتا؟ قالت: يا بن رسول الله، داءٌ قد ظهر بي من الأدواء الخبيثة التي كانت تصيب الأنبياء والأولياء، وإنَّ قرابتي وأهل بيتي يقولون: قد أصابتها الخبيثة، ولو كان صاحبُها كما قالت مفروض الطاعة لدعا لها، فكان الله تعالى يُذهب عنها .... قال: فحرَّك الصادق (عليه السلام) شفتيه بشيءٍ ما أدري أيَّ دعاءٍ كان، فقال: ادخلي دار النساء حتَّى تنظرين إلى جسدك، قال: فدخلتْ فكشفتْ ثيابها ثمَّ قامت ولم يبقَ في صدرها ولا في جسدها شيء، فقال: اذهبي الآن إليهم وقولي لهم: هذا الذي يُتقرَّب إلى الله تعالى بإمامته» [طب الأئمَّة ص١٠٤].
2ـ وروى محمَّد بن جرير الطبري بسنده إلى مهلَّب بن قيس قال: «قلت للصادق (عليه السلام): بأي شيءٍ يعرف العبد إمامه؟ قال: أنْ يفعل كذا. ووضع يده على حائط، فإذا الحائط ذهباً. ثمَّ وضع يده على أسطوانة فورقت من ساعتها، فقال: هنا معرفة الإمام» [نوادر المعجزات ص١٤٠].
3ـ وروى أيضاً بسنده إلى الحسن بن هارون، قال: «كنتُ بالمدينة، فكنتُ آتي موضعاً أسمع فيه غناء جيران لنا، فدخلتُ على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال لي ابتداءً منه:﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ﴾[الاسراء: 36]، يُسأل السمع عمَّا سمع، والبصر عمَّا أبصر، والفؤاد عمَّا عقد عليه» [نوادر المعجزات ص١٥٢].
4ـ وروى ابن حمزة الطوسي إلى داوود الرقي قال: «خرجت مع أبي عبد الله (عليه السلام) حاجاً إلى مكَّة، ونحن نتساير ذات يوم في أرضٍ سبخةٍ، إذْ دخل علينا وقت الصلاة فقال: هلمَّ بنا إلى هذا الجانب لنتطهَّر ونصلِّي. فقلتُ: إنها أرضٌ سبخةٌ لا ماء فيها! فقال: اطع إمامك. فملت، وسرنا ما شاء الله، فإذا نحن بعينٍ فوَّارةٍ، وماءٍ باردٍ عذبٍ، وأشجارٍ خضرٍ، فنزلنا وتطهَّرنا وصلَّينا وشربنا وأروينا رواحلنا وملأنا سقاءنا، وقمنا ومضينا، فلمَّا سرنا غير بعيد قال لي: يا داوود، هل تعرف الموضع الذي كنا فيه؟ قلت: نعم يا بن رسول الله. قال: فاذهب وجئني بسيفي فقد علَّقته على الشجرة فوق العين ونسيته. فمضيتُ إليه فوجدتُ السيف معلقاً على الشجرة، وما رأيتُ أثراً من العين، ولا من الأشجار الخضر، وإنما هي أرضٌ سبخةٌ لا عهد للماء فيها» [الثاقب في المناقب ص٤٢٠].
إلى غيرها من الروايات الواردة في هذا المعنى.
فتحصَّل من جميع ذلك، أنَّ الروايات الدالَّة على إمامة الإمام الصادق (عليه السلام) قد تجاوزت حدَّ التواتر المفيد للعلم واليقين.
والنتيجة من كلِّ ما تقدَّم، أنَّ هذه النصوص ـ وغيرها ـ من أوضح الدلائل على إمامة الإمام الصادق (عليه السلام).. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق