هل كان الشيخ الطوسي شافعياً؟

السؤال: هل كان شيخ الطائفة الشيخ محمّد بن الحسن الطوسيّ من علماء العامَّة من المذهب الشافعيّ، ثمَّ استبصر وصار شيعيّاً إماميّاً؟ هل كان شيخ الطائفة الشيخ محمّد بن الحسن الطوسيّ من علماء العامَّة من المذهب الشافعيّ، ثمَّ استبصر وصار شيعيّاً إماميّاً؟

: اللجنة العلمية

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ نسبة الشافعيَّة إلى الشيخ الطوسيّ ظهرت أوَّل ما ظهرت في كلام الذهبيّ إذ قال في ترجمة الطوسيّ: (محمّد بن الحسن بن عليّ، أبو جعفرٍ الطوسيّ: شيخ الشيعة وعالمهم. توفّي بالمشهد المبارك، مشهد أمير المؤمنين (ع)، في المحرَّم. ولأبي جعفرٍ الطوسيّ تفسيرٌ كبيرٌ عشرون مجلّدةً، وعدَّة تصانيف مشهورةٌ. قدم بغداد وتعيَّن، وتفقَّه للشافعيّ، ولزم الشيخ المفيد مدَّةً، فتحوَّل رافضيّاً، وحدَّث عن هلالٍ الحفَّار. روى عنه: ابنه أبو عليّ الحسن. وقد أُحرِقَت كتبُه غير مرَّةٍ، واختفى لكونه ينقص السلف، وكان ينزل بالكرخ، ثمَّ انتقل إلى مشهد الكوفة) [تاريخ الإسلام ج10 ص122].

ثمَّ تبعه على ذلك تلميذه السبكيّ، فقال في تراجم علماء الشافعيَّة: (محمّد بن الحسن بن عليّ، أبو جعفرٍ الطوسيّ: فقيه الشيعة ومصنّفهم، كان ينتمي إلى مذهب الشافعيّ، له تفسير القرآن، وأملى أحاديث وحكاياتٍ تشتمل على مجلّدين. قدم بغداد وتفقَّه على مذهب الشافعيّ. وقرأ الأصول والكلام على أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالمفيد فقيه الشيعة. وحدَّث عن هلالٍ الحفَّار. روى عنه: ابنه أبو عليّ الحسن. وقد أُحرِقَت كتبه عدَّة نوبٍ بمحضرٍ من الناس. توفّي بالكوفة سنة ستين وأربعمائة) [طبقات الشافعيَّة الكبرى ج4 ص65].

ومن ثمَّ أخذ عنهما جملةٌ من الباحثين.

أقول: هذه النسبة لا تصحُّ أبداً؛ لوجوهٍ:

الوجه الأوَّل: أنَّ من المعروف أنّ الأخبار الغريبة والعجيبة من شأنها النقل الكثير من حين الواقعة، فتفرُّد شخصٍ برواية حدثٍ غريبٍ -كإنشاء حديقةٍ مائيَّةٍ في البلد -يُعَدُّ عند العقلاء من أمارات الكذب وعلاماته؛ إذ هو مجرىً لقاعدة (لو كان لبان)، أي: لو كان متحقّقاً لظهر وانتشر.

وهذه الدعوى محلّ النقاش من أغرب الأحداث؛ فإنّها عبارةٌ عن انتقال شخصٍ متّبعٍ لمذهبٍ إلى مذهبٍ على خلافٍ شديدٍ معه، ومن ثمَّ يصبح شيخ طائفة المذهب الآخر والمصنّف لأهمِّ مصادره، والمربّي لكثيرٍ من علمائه.

ومع ذلك لم يشر هو نفسه لتحوّله واستبصاره، بل ولم يُنقَل في أيٍّ من كتب الشيعة المترجمين له، مع اهتمام بعضهم بالإشارة إلى تغيّر رأيه في مسألةٍ كلاميَّةٍ وهي القول بالوعيد [ينظر: خلاصة الأقوال ص249].

بل وكذلك لم يُشر له في كتب التاريخ، مثل: [الكامل في التاريخ ج10 ص58] لابن الأثير، و[البداية والنهاية ج16 ص16] لابن كثيرٍ، و[النجوم الزاهرة ج5 ص82] لابن تغري بردي.

ولا في كتب التراجم العامَّة، مثل [لسان الميزان ج5 ص135] لابن حجرٍ العسقلانيّ.

ولا التراجم الخاصَّة بالشافعيَّة المعاصرة له والمتأخرة عنه؛ إذ لم يذكروه ضمن رجالات الشافعيَّة البتَّة كـ: (طبقات الفقهاء) لأبي إسحاقٍ الشيرازيّ المعاصر للشيخ الطوسيّ، و(طبقات الفقهاء الشافعيَّة) لابن الصلاح المذيّل من قبل النوويّ، و(طبقات فقهاء الشافعيّين) لابن كثيرٍ.

الحاصل: هذه النسبة غريبةٌ، وقد تفرَّد بها الذهبيّ وتبعه السبكيّ، ولم يُنقل عن أحدٍ قبلهما من أهل السنة، بل ولا أشار لها أحدٌ من علماء الشيعة قديماً وحديثاً، مع أنّهم أعلم بحاله من غيرهم باعتبار أنَّه كان شيخ الطائفة في زمانه بلا منازعٍ.

الوجه الثاني: إنَّ حال الناقلين لهذا الخبر معلومٌ من جهة العقيدة والوثاقة والموقف من الشيعة، وقد أشار إلى ذلك جملةٌ من الباحثين من المدرستين [ينظر: دلائل الصدق ج1 ص37، العتب الجميل ص49، وص114، فتح الملك العليّ ص160]. بل إنَّ السبكيّ -وهو تلميذ الذهبيّ -قد تكرَّر منه النقد والانتقاد لأستاذه [ينظر: طبقات الشافعيَّة: ج2 ص3ـ15، معيد النعم ص70]. كما أنَّ السبكيّ نفسه لم يسلم من مثل ذلك النقد والانتقاد [ينظر: الإعلان بالتوبيخ لمن ذمَّ أهل التاريخ ص201ـ202].

فكيف يمكننا الركون لأخبار أمثال هؤلاء مع تفرُّدهم بالخبر؟!

خصوصاً أنَّ الذهبيّ وُلِدَ بعد وفاة الشيخ الطوسيّ بقرنين تقريباً من الزمان، ولا مجال للاعتماد على كلامه؛ لوجود فترةٍ زمنيَّةٍ طويلةٍ بينهما، كما أنَّه لا يُعلَم مصدر كلام الذهبيّ ليُنظَر في مدى اعتباره وقيمته العلميَّة وهل يمكن الاعتماد عليه أو لا.

الحاصل: هذه النسبة صدرت من أشخاصٍ لا يمكن الوثوق بنقلهم، فإنّهم مع توجّه الطعن إليهم، قد وُلِدوا بعد الشيخ الطوسيّ بفترةٍ زمنيَّةٍ طويلةٍ، كما أنَّه لا يُعلَم مصدرهم ليُنظَر في مدى إمكان الاعتماد عليه.

الوجه الثالث: إنَّ هذه الدعوى متناقضةٌ مع ما ذُكر من ملازمة الشيخ الطوسيّ لأستاذه الشيخ المفيد من أوَّل قدومه بغداد، وقد تنبَّه لذلك بعض الباحثين من أهل السنة [ينظر: الاتجاهات الحديثيَّة عند الشيعة الإماميَّة للدكتور أحمد صنوبر ص111].

الوجه الرابع: إنَّ الشيخ الطوسيّ نفسه قد حكى عن ملازمته لزيارة قبر السفير الأوَّل في كتابه الغيبة من أوائل وجوده في بغداد، فكيف يتناسب هذا مع تسننه وشافعيته؟ إذ للسفير مكانةٌ خاصّةٌ عند خصوص الإماميَّة؛ باعتبار أنَّه كان السفير الخاصَّ بين الإمام المهديّ (عج) وبين الشيعة، وكان يؤدّي مهامَّه بشكلٍ سريٍّ وبعيدٍ عن أعين السلطة والعامَّة.

قال الشيخ الطوسيّ: (قال أبو نصرٍ هبة الله بن محمّدٍ: وقبر عثمان بن سعيدٍ بالجانب الغربيّ من مدينة السلام، في شارع الميدان في أوَّل الموضع المعروف بدرب جبلة في مسجد الدرب يمنة الداخل إليه، والقبر في نفس قبلة المسجد. قال محمّد بن الحسن - مصنّف هذا الكتاب -: رأيتُ قبره في الموضع الذي ذكره، وكان بُنِيَ في وجهه حائطٌ، وبه محراب المسجد، وإلى جنبه بابٌ يدخل إلى موضع القبر في بيتٍ ضيقٍ مظلمٍ، فكنّا ندخل إليه ونزوره مشاهرةً، وكذلك من وقت دخولي إلى بغداد، وهي سنة ثمان وأربعمائة إلى سنة نيفٍ وثلاثين وأربعمائة) [الغيبة ص379].العنوان:

هل كان الشيخ الطوسي شافعياً؟

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ نسبة الشافعيَّة إلى الشيخ الطوسيّ ظهرت أوَّل ما ظهرت في كلام الذهبيّ إذ قال في ترجمة الطوسيّ: (محمّد بن الحسن بن عليّ، أبو جعفرٍ الطوسيّ: شيخ الشيعة وعالمهم. توفّي بالمشهد المبارك، مشهد أمير المؤمنين (ع)، في المحرَّم. ولأبي جعفرٍ الطوسيّ تفسيرٌ كبيرٌ عشرون مجلّدةً، وعدَّة تصانيف مشهورةٌ. قدم بغداد وتعيَّن، وتفقَّه للشافعيّ، ولزم الشيخ المفيد مدَّةً، فتحوَّل رافضيّاً، وحدَّث عن هلالٍ الحفَّار. روى عنه: ابنه أبو عليّ الحسن. وقد أُحرِقَت كتبُه غير مرَّةٍ، واختفى لكونه ينقص السلف، وكان ينزل بالكرخ، ثمَّ انتقل إلى مشهد الكوفة) [تاريخ الإسلام ج10 ص122].

ثمَّ تبعه على ذلك تلميذه السبكيّ، فقال في تراجم علماء الشافعيَّة: (محمّد بن الحسن بن عليّ، أبو جعفرٍ الطوسيّ: فقيه الشيعة ومصنّفهم، كان ينتمي إلى مذهب الشافعيّ، له تفسير القرآن، وأملى أحاديث وحكاياتٍ تشتمل على مجلّدين. قدم بغداد وتفقَّه على مذهب الشافعيّ. وقرأ الأصول والكلام على أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالمفيد فقيه الشيعة. وحدَّث عن هلالٍ الحفَّار. روى عنه: ابنه أبو عليّ الحسن. وقد أُحرِقَت كتبه عدَّة نوبٍ بمحضرٍ من الناس. توفّي بالكوفة سنة ستين وأربعمائة) [طبقات الشافعيَّة الكبرى ج4 ص65].

ومن ثمَّ أخذ عنهما جملةٌ من الباحثين.

أقول: هذه النسبة لا تصحُّ أبداً؛ لوجوهٍ:

الوجه الأوَّل: أنَّ من المعروف أنّ الأخبار الغريبة والعجيبة من شأنها النقل الكثير من حين الواقعة، فتفرُّد شخصٍ برواية حدثٍ غريبٍ -كإنشاء حديقةٍ مائيَّةٍ في البلد -يُعَدُّ عند العقلاء من أمارات الكذب وعلاماته؛ إذ هو مجرىً لقاعدة (لو كان لبان)، أي: لو كان متحقّقاً لظهر وانتشر.

وهذه الدعوى محلّ النقاش من أغرب الأحداث؛ فإنّها عبارةٌ عن انتقال شخصٍ متّبعٍ لمذهبٍ إلى مذهبٍ على خلافٍ شديدٍ معه، ومن ثمَّ يصبح شيخ طائفة المذهب الآخر والمصنّف لأهمِّ مصادره، والمربّي لكثيرٍ من علمائه.

ومع ذلك لم يشر هو نفسه لتحوّله واستبصاره، بل ولم يُنقَل في أيٍّ من كتب الشيعة المترجمين له، مع اهتمام بعضهم بالإشارة إلى تغيّر رأيه في مسألةٍ كلاميَّةٍ وهي القول بالوعيد [ينظر: خلاصة الأقوال ص249].

بل وكذلك لم يُشر له في كتب التاريخ، مثل: [الكامل في التاريخ ج10 ص58] لابن الأثير، و[البداية والنهاية ج16 ص16] لابن كثيرٍ، و[النجوم الزاهرة ج5 ص82] لابن تغري بردي.

ولا في كتب التراجم العامَّة، مثل [لسان الميزان ج5 ص135] لابن حجرٍ العسقلانيّ.

ولا التراجم الخاصَّة بالشافعيَّة المعاصرة له والمتأخرة عنه؛ إذ لم يذكروه ضمن رجالات الشافعيَّة البتَّة كـ: (طبقات الفقهاء) لأبي إسحاقٍ الشيرازيّ المعاصر للشيخ الطوسيّ، و(طبقات الفقهاء الشافعيَّة) لابن الصلاح المذيّل من قبل النوويّ، و(طبقات فقهاء الشافعيّين) لابن كثيرٍ.

الحاصل: هذه النسبة غريبةٌ، وقد تفرَّد بها الذهبيّ وتبعه السبكيّ، ولم يُنقل عن أحدٍ قبلهما من أهل السنة، بل ولا أشار لها أحدٌ من علماء الشيعة قديماً وحديثاً، مع أنّهم أعلم بحاله من غيرهم باعتبار أنَّه كان شيخ الطائفة في زمانه بلا منازعٍ.

الوجه الثاني: إنَّ حال الناقلين لهذا الخبر معلومٌ من جهة العقيدة والوثاقة والموقف من الشيعة، وقد أشار إلى ذلك جملةٌ من الباحثين من المدرستين [ينظر: دلائل الصدق ج1 ص37، العتب الجميل ص49، وص114، فتح الملك العليّ ص160]. بل إنَّ السبكيّ -وهو تلميذ الذهبيّ -قد تكرَّر منه النقد والانتقاد لأستاذه [ينظر: طبقات الشافعيَّة: ج2 ص3ـ15، معيد النعم ص70]. كما أنَّ السبكيّ نفسه لم يسلم من مثل ذلك النقد والانتقاد [ينظر: الإعلان بالتوبيخ لمن ذمَّ أهل التاريخ ص201ـ202].

فكيف يمكننا الركون لأخبار أمثال هؤلاء مع تفرُّدهم بالخبر؟!

خصوصاً أنَّ الذهبيّ وُلِدَ بعد وفاة الشيخ الطوسيّ بقرنين تقريباً من الزمان، ولا مجال للاعتماد على كلامه؛ لوجود فترةٍ زمنيَّةٍ طويلةٍ بينهما، كما أنَّه لا يُعلَم مصدر كلام الذهبيّ ليُنظَر في مدى اعتباره وقيمته العلميَّة وهل يمكن الاعتماد عليه أو لا.

الحاصل: هذه النسبة صدرت من أشخاصٍ لا يمكن الوثوق بنقلهم، فإنّهم مع توجّه الطعن إليهم، قد وُلِدوا بعد الشيخ الطوسيّ بفترةٍ زمنيَّةٍ طويلةٍ، كما أنَّه لا يُعلَم مصدرهم ليُنظَر في مدى إمكان الاعتماد عليه.

الوجه الثالث: إنَّ هذه الدعوى متناقضةٌ مع ما ذُكر من ملازمة الشيخ الطوسيّ لأستاذه الشيخ المفيد من أوَّل قدومه بغداد، وقد تنبَّه لذلك بعض الباحثين من أهل السنة [ينظر: الاتجاهات الحديثيَّة عند الشيعة الإماميَّة للدكتور أحمد صنوبر ص111].

الوجه الرابع: إنَّ الشيخ الطوسيّ نفسه قد حكى عن ملازمته لزيارة قبر السفير الأوَّل في كتابه الغيبة من أوائل وجوده في بغداد، فكيف يتناسب هذا مع تسننه وشافعيته؟ إذ للسفير مكانةٌ خاصّةٌ عند خصوص الإماميَّة؛ باعتبار أنَّه كان السفير الخاصَّ بين الإمام المهديّ (عج) وبين الشيعة، وكان يؤدّي مهامَّه بشكلٍ سريٍّ وبعيدٍ عن أعين السلطة والعامَّة.

قال الشيخ الطوسيّ: (قال أبو نصرٍ هبة الله بن محمّدٍ: وقبر عثمان بن سعيدٍ بالجانب الغربيّ من مدينة السلام، في شارع الميدان في أوَّل الموضع المعروف بدرب جبلة في مسجد الدرب يمنة الداخل إليه، والقبر في نفس قبلة المسجد. قال محمّد بن الحسن - مصنّف هذا الكتاب -: رأيتُ قبره في الموضع الذي ذكره، وكان بُنِيَ في وجهه حائطٌ، وبه محراب المسجد، وإلى جنبه بابٌ يدخل إلى موضع القبر في بيتٍ ضيقٍ مظلمٍ، فكنّا ندخل إليه ونزوره مشاهرةً، وكذلك من وقت دخولي إلى بغداد، وهي سنة ثمان وأربعمائة إلى سنة نيفٍ وثلاثين وأربعمائة) [الغيبة ص379].