هل تقدم الأمم دليل على صحة أديانها؟
السؤال: (الصينيون) الذين يتبعون البوذيَّة يعيشون بسلامٍ ويعملون بجدٍّ، وتحترمهم جميع الأمم! (الهنود) الذين يقدّسون البقر، ويتّبعون تعاليم الهندوسيَّة يتطورون ويلعبون دوراً بارزاً حاليَّاً في تطور البشرية! (العرب وأبناء الشرق الأوسط) في العموم يعبدون الله، ويقتل بعضهم بعضا، ويقولون إنَّ أديانهم هي الأديان الصحيحة وهي أديان الله؟ ترى لماذا ترككم الله على هذا الجهل إذا كانت أديانكم صحيحةٌ؟ ولماذا يكرم غيركم ويجعلكم أنتم تعيشون في ذلٍ وحروبٍ وشظف عيشٍ؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
لقد أجبنا في مواضع سابقةٍ عن هذا النمط من التساؤلات، وبيّنا الخلل المنهجيّ الذي يقوم عليه هذا النوع من التفكير، ونكتفي هنا بالتنبيه إلى أصلٍ مهمٍّ يغفله هذا الطرح، وهو أنَّ الحياة الإنسانيَّة – في جانبها الماديّ – محكومةٌ بسننٍ وقوانين عامَّةٍ لا ترتبط بدين الإنسان ولا بعقيدته ولا بمستواه الأخلاقيّ، فالتقدّم العلميّ والاقتصاديّ والصناعيّ مرهونٌ بالأخذ بالأسباب، لا بالانتماء الدينيّ: من يزرع الأرض يحصد الثمر، سواءٌ كان مؤمناً أو كافراً، صالحاً أو فاسداً، هذه سننٌ كونيَّةٌ ثابتةٌ لا تحابي أحداً، ولا تتبدل تبعاً للمعتقدات.
ومن هنا، فإنَّ تقييم الإنسان – فرداً كان أو مجتمعاً – ينبغي أنْ يُبنى على بعدين مختلفين: بعدٍ ماديّ يتعلق بالتقدم والإنتاج والقوة، وبعدٍ قيميّ أخلاقيّ يتعلق بالمعنى والسلوك والغاية، والدين – في جوهره – يدخل في البعد الثاني، لا في الأول، فهو يقدّم منظومة قيمٍ ومعايير أخلاقيَّةً، ولا يعدُّ بحدِّ ذاته بديلاً عن قوانين العمران والتقدم الماديّ؛ ولذلك قد نجد مجتمعاً متقدماً ماديَّاً لكنَّه يعاني خللاً أخلاقيَّاً عميقاً، كما قد نجد مجتمعاً يحمل قيماً راقيةً لكنَّه متخلفٌ في إدارة واقعه الماديّ.
فلا هذا دليلٌ على صحة دينٍ، ولا ذاك دليلٌ على بطلانه.
ثم إنَّ هذا الطرح يقع في خلطٍ آخر، وهو عدم التفريق بين «الدين في نصوصه» و«المتديّنين في سلوكهم»؛ فقد يكون الدين – في بنائه المعرفيّ والعقائديّ – متماسكاً لا إشكال فيه، لكنَّ بعض أتباعه يخلطونه بالخرافات أو يمارسون ما يخالف نصوصه، ومع ذلك ينسبون أنفسهم إليه.
وقد يؤسّس الدين لمنظومةٍ أخلاقيَّةٍ عاليةٍ، لكنَّ الواقع البشريّ لا يلتزم بها، فهل يُحاسب الدين على انحراف أتباعه، أم يُفهم من خلال نصوصه ومبادئه؟
ولهذا، فإنَّ المقارنة المنهجيَّة بين الأديان لا تكون بمقارنة «المسلمين» بـ «الهندوس» أو «البوذيّين»، بل بمقارنة الإسلام – في نصوصه ومبانيه المعرفيَّة والقيميَّة – مع غيره من الأديان في نصوصها التأسيسيَّة.
أمّا مقارنة الشعوب ببعضها بوصفها شعوباً، فهي مسألةٌ مختلفةٌ تماماً، تدخل فيها عوامل السياسة والتاريخ والاقتصاد والتعليم، ولا يصحّ اختزالها في الدين.
وعليه، فإنَّ القول بـ «أنَّ غير المسلمين متقدّمون، وأنَّ المسلمين متخلّفون، إذن: دينهم أفضل»، هو استنتاجٌ متعجّلٌ، قائمٌ على خلطٍ بين مجالاتٍ مختلفةٍ، وعلى تجاهل سنن الحياة وتعقيداتها، ومَن أراد أنْ يفهم بإنصافٍ، فعليه أنْ يفرّق بين ما هو ماديٌّ تحكمه القوانين، وما هو قيميٌّ يوجّهه الدين، وبين النصوص وبين تطبيقات البشر، وإلَّا بقي يدور في دائرةٍ من المقارنات السطحيَّة التي لا تفسّر الواقع بقدر ما تشوّهه.
فكلُّ ما هو مطروحٌ في هذا السؤال قائمٌ على انتقائيَّةٍ واضحةٍ في قراءة الواقع؛ إذ يُنتقى نموذجٌ إيجابيٌّ من بعض المجتمعات غير الإسلاميَّة، ويُقابل بأسوأ ما في بعض المجتمعات الإسلاميَّة، ثم تُبنى النتيجة على هذا الانتقاء. فهل الصين تعيش فعلاً حالة سلامٍ مطلقٍ بلا توتراتٍ داخليَّةٍ أو سياساتٍ قاسيةٍ؟ وهل الهند خاليةٌ من الصراعات الدينيَّة والطبقيَّة؟ وفي المقابل، هل العالم الإسلاميّ كلُّه حروبٌ ودمارٌ بلا أيّ نماذج للاستقرار أو النجاح؟
إنَّ هذه ليست مقارنةً علميَّةً، بل صورةٌ مجتزأةٌ تُعيد ترتيب الواقع بما يخدم نتيجةً مسبقةً.
وفي المحصّلة، هذا الادّعاء لا يثبت شيئاً عن صحّة دينٍ أو بطلانه، بقدر ما يكشف عن طريقةٍ انتقائيَّةٍ في قراءة الواقع، تختزل ظواهر معقّدةً في سببٍ واحدٍ. ومَن أراد أنْ يحكم بإنصافٍ، فعليه أنْ يفرّق بين الدين وتعاليمه، وبين الواقع وتحوّلاته، وأنْ يدرك أنَّ التقدّم أو التخلّف ليس دليلاً مباشراً على الحقيقة بقدر ما هو نتيجة شبكةٍ معقّدةٍ من العوامل.
اترك تعليق