هل قوة العقل الباطن حقيقة أم وهم؟

السؤال: يقول البعض بما يُسمّى قوّة العقل الباطن، حيث يعتمد هذا المفهوم على فكرة اللاشعور التي نادى بها فرويد، ويُقال إنّه أحياناً يدعو بعض الأشخاص إلههم حتّى لو كان صنماً، وتتمّ استجابة الدعاء بناءً على قوّة العقل الباطن الذي بجلب الإجابة؟ هل لذلك نوعٌ من المعقوليّة؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

لقد تناولنا من قبل سؤالاً شبيهاً بهذا السؤال، وبيّنّا الخلل الذي يقوم عليه هذا الطرح في جوابٍ سابقٍ نُشر في مركزنا تحت عنوان: (ما هو رأي الشيعة في خوارق اللاشعور أو قوّة العقل الباطن؟)، حيث أشرنا إلى أنّ الإشكال لا يكمن في أصل الفكرة، بل في المبالغات التي تُبنى عليها، إذ يتمّ الانتقال من مفهومٍ نفسيٍّ محدودٍ إلى تفسيرٍ شاملٍ للواقع وكأنّه قوّةٌ خفيّةٌ تتحكّم في الأقدار.

فالعقل الباطن – بوصفه مفهوماً في علم النفس – لا إشكال في أصل وجوده، إذ يشير إلى جانبٍ من التكوين الإنسانيّ المرتبط بالخبرات والتراكمات الداخليّة التي تؤثّر على السلوك والتفكير. لكن الخلل يبدأ حين يُحمَّل هذا المفهوم ما لا يحتمل، فيُصوَّر وكأنّه قوّةٌ خارقةٌ قادرةٌ على تحقيق الدعاء، أو جلب النتائج، أو تغيير الواقع استقلالاً عن السنن الكونيّة.

ومن هنا يظهر الاضطراب في تفسير بعض الظواهر، كقولهم إنّ شخصاً دعا صنماً أو غيره فاستُجيب له بسبب «قوّة العقل الباطن»، فهذا في حقيقته ليس تفسيراً، بل استبدالُ لغزٍ بلغزٍ آخر مع تغيير الأسماء فقط؛ لأنّ ما يحدث في مثل هذه الحالات لا يخرج عن احتمالاتٍ معروفةٍ: إمّا مصادفاتٌ، أو نتائجُ طبيعيّةٌ لأسبابٍ قائمةٍ، أو تأثيراتٌ نفسيّةٌ تمنح الإنسان شعوراً بالتحقّق، لا تحقّقاً موضوعيّاً في الخارج. أمّا القول بأنّ العقل الباطن هو الذي «جلب الإجابة»، فهو ادّعاءٌ لا دليل عليه، بل قفزةٌ فوق كلّ التفسيرات الممكنة.

ولو كان للعقل الباطن هذه القدرة المطلقة؛ لكان الإنسان قادراً على تحقيق كلّ ما يريد بمجرد التفكير أو الدعاء، ولما بقي فقرٌ ولا مرضٌ ولا فشلٌ، لأنّ كلّ إنسانٍ يتمنّى ويأمل. لكنّ الواقع يكذّب هذا التصوّر بوضوحٍ، ممّا يدلّ على أنّ هذا «التضخيم» لدور العقل الباطن لا يقوم على أساسٍ صحيحٍ.

والأدقّ من ذلك: أنّ هناك خلطاً بين مستويين مختلفين: التأثير النفسيّ الداخليّ، والتأثير الواقعيّ الخارجيّ. فالحالة النفسيّة – كالتفاؤل والتركيز – قد تُحسّن من أداء الإنسان وتزيد من فرص نجاحه، وهذا أمرٌ مفهومٌ ومقبولٌ. لكن تحويل هذا الأثر المحدود إلى قوّةٍ «تجذب النتائج» أو «تصنع الاستجابة»، هو انتقالٌ غير مبرّرٍ من علم النفس إلى نوعٍ من التفكير الأسطوريّ.

كما أنّ هذا الطرح – في عمقه – يحمل إشكالاً أكبر؛ لأنّه يعيد تفسير الواقع بطريقةٍ تُخرج الإنسان من إطار السنن التي تحكم الحياة، وتجعله في موقع المتحكّم المطلق، وكأنّ ما يجري ليس خاضعاً لقوانين ولا لتقديرٍ أعلى، بل لمجرّد ما يدور في ذهن الإنسان. وهذا تصوّرٌ لا يصمد أمام العقل ولا الواقع.

وفي المحصّلة، يمكن القول إنّ للعقل الباطن دوراً في تفسير بعض الجوانب النفسيّة والسلوكيّة للإنسان، لكن ما يُنسب إليه من قدراتٍ خارقةٍ، كتحقيق الدعاء أو جلب النتائج، ليس إلّا مبالغةً تُخرج المفهوم من إطاره العلميّ إلى دائرة الوهم. فالمشكلة ليست في أصل الفكرة، بل في تحويلها إلى تفسيرٍ شاملٍ لكلّ شيءٍ، وإسناد ما لا تملكه إليها.