وثاقة جميع أصحاب الإمام الصادق (ع)
السؤال: يرى بعض الشيعة – كالحرّ العامليّ – وثاقة جميع أصحاب الإمام الصادق (ع) إلّا ما خرج بالدليل. ما هو الدليل على ذلك؟ وهل يمكن الالتزام بهذا المبنى؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
ذهب المحدّثان الحرّ العامليّ والنوريّ (رحمهما الله) إلى وثاقة من ذُكر في كتبنا الرجاليّة من المجاهيل الذين هم في عداد أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) على اختلافٍ بينهما في بعض الجهات [ينظر: الفوائد الطوسيّة ص232، خاتمة المستدرك ج7 ص179].
والظاهر أنّ منشأ هذا القول هو ما قاله المفيد (رضوان الله عليه) في الإرشاد: (إنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه - أي عن الإمام الصادق (عليه السلام) - من الثقات، على اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجلٍ) [الإرشاد ج2 ص179].
وقريبٌ منه ما عن الفتّال النيسابوريّ والطبرسيّ والسيّد النيليّ وابن شهر آشوب [روضة الواعظين ص207، إعلام الورى ج1 ص535، الأنوار المضيئة مخطوطٌ، مناقب آل أبي طالب ج3 ص372].
وبقرب عباراتهم من عبارة المفيد حتّى كأنّهم اقتبسوا منه، ويظهر أنّهم ليس لهم مصدرٌ في هذا سواه.
ويلاحظ بخصوص ذلك:
أنّ الشيخ المفيد لم يعيّن الأربعة آلاف رجلٍ، فلا أثر لهذا الكلام؛ وذلك لأنّه:
1ـ إمّـا أنْ يقصد حصر أصحاب الصادق (ع) في الأربعة آلاف وأنّ جميعهم ثقاتٌ.
وهذا الاحتمال ضعيفٌ جدّاً؛ لأنّه ثبت بالقطع واليقين وجود رواةٍ ضعفاء بل كذّابين في جملة مَن روى عن الإمام (ع)، مع أنّ حصر أصحابه (ع) في هذا العدد ممّا لم يقم عليه دليلٌ، فإنّ مثل الشيخ الطوسيّ الذي أتعب نفسه في عدّ أصحابه لم يبلغ هذا العدد، وإنّما بلغ ثلاثة آلافٍ وكسرٍ.
2ـ وإمّـا أن يقصد أنّ أصحاب الصادق (ع) بالآلاف، وأنّ الثقات منهم أربعة آلافٍ.
وهذا الاحتمال لا يفيد في المقام؛ لأنّ كلّ راوٍ ذُكر في أصحاب الإمام الصادق (ع) يُحتمل أنّه من الموثقين، ويُحتمل أنّه من غير الموثقين، فلا يمكن استفادة توثيق كلّ راوٍ من هذه العبارة.
يضاف إلى ذلك: أنّ الكلام المتقدّم مبنيٌّ على أنّ قوله: (من الثقات) متعلّقٌ بـ (أسماء الرواة عنه)، ولكن يُحتمل أن يكون متعلّقاً بعبارة: (أصحاب الحديث)، أي: أنّ أصحاب الحديث من الثقات قد جمعوا أسماء الرواة عن الصادق (ع) فكانوا أربعة آلاف رجلٍ. ويُحتمل حصول سقطٍ، والصواب: (من طريق الثقات)، يعني: أنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من طريق الثقات، فكانوا أربعة آلاف رجلٍ.
الحاصل: لا أثر لهذه الشهادة من الشيخ المفيد في توثيق الرواة المذكورين في أصحاب الإمام الصادق (ع) في كتب الرجال.
نعم، أضاف ابن شهر آشوب بياناً، فقال: (بيان ذلك: إنَّ ابن عقدة صنّف كتاب الرجال لأبي عبد الله (عليه السلام)، عدّدهم فيه) [مناقب آل أبي طالب ج3 ص372].
والظاهر أنّ ابن شهر آشوب استظهر أنّ المفيد ناظرٌ إلى كتاب ابن عقدة، - كما استظهره المحدّث النوريّ [خاتمة المستدرك ج7 ص73] وغيره -، فأضاف بياناً صرّح فيه باشتمال كتاب ابن عقدة على الأربعة آلاف الثقة.
ويُلاحظ على ذلك:
1ـ أنّه لا دليل على أنّ ابن عقدة خصّ كتابه بذكر الثقات، بل الشواهد على خلافه، فإنّ المستفاد من كلام شيخ الطائفة والعلامة (رحمهما الله) [رجال الطوسي ص17، خلاصة الأقوال ص322]: أنّ ابن عقدة لم يخصّص كتابه لذكر الثقات، بل خصّصه لذكر مَن روى عنه (عليه السلام). ويشهد له: ما هو دأبه في كتبه الأخرى، فإنّه ألّف كتباً فيمن روى عن الإمام أمير المؤمنين والإمامين الحسن والحسين والإمام زين العابدين والإمام الباقر (عليهم السلام)، ومن روى عن زيد بن عليٍّ [رجال النجاشيّ ص68]، ولم يدّعِ أحدٌ أنّ هذه الكتب مختصّةٌ بذكر الثقات من أصحابهم.
قال شيخ الطائفة في مقدّمة كتاب الرجال ما نصّه: (ولم أجد لأصحابنا كتاباً جامعاً في هذا المعنى – أي في ذكر الرواة عن المعصومين (عليهم السلام) – إلّا مختصراتٍ قد ذكر كلّ إنسانٍ طرفاً منها، إلّا ما ذكره ابن عقدة من رجال الصادق (عليه السلام)، فإنّه قد بلغ الغاية في ذلك، ولم يذكر رجال باقي الأئمة (عليهم السلام) وأنا أذكر ما ذكره وأورد من بعد ذلك ما لم يورده) [رجال الطوسي ص17].
وكلامه ظاهرٌ في أنّ ابن عقدة إنّما اهتمّ باستقصاء أسماء أصحابه (عليه السلام)، ثمّ إنّ ابن عقدة لو كان وثّقهم لأشار الشيخ إلى ذلك، ولو في الفهرست الذي بنى على أن يشير فيه عند ذكر كلّ رجلٍ من المصنّفين وأصحاب الأصول إلى ما قيل فيه من التجريح والتعديل، وهل يُعوّل على روايته أو لا، وبيان اعتقاده، بل صرّح بضعف بعض من أخذ أسماءهم من كتاب ابن عقدة في رجاله وفهرسته.
وقال العلامة الحلّيّ (ره): (له كتبٌ ذكرناها في كتابنا الكبير، منها: كتاب أسماء الرجال الذين رووا عن الصادق (عليه السلام) أربعة آلاف رجلٍ..) [خلاصة الأقوال ص322].
وقال الشهيد في الذكرى: (ودوّن من رجاله المعروفين أربعة آلافٍ...ومن رام معرفة رجالهم والوقوف على مصنّفاتهم فليطالع كتاب الحافظ ابن عقدة وفهرست النجاشيّ) [الذكرى ص6]، وهذه العبارة تدلّ على بقاء كتاب ابن عقدة بأيدي العلماء إلى زمان الشهيد، وهذا أيضاً ممّا يؤكّد عدم وجود التوثيق فيه، وإلّا لنقله هؤلاء وغيرهم، ولا يخفى أنّ وصف الشهيد إياهم بالمعروفين لا يقتضي التوثيق.
بل من مثل النجاشيّ في اهتمامه بشأن التوثيق، فهذا قوله في ابن عقدة: (له كتاب الرجال، وهو كتاب مَن روى عن جعفر بن محمدٍ (عليه السلام)) [رجال النجاشيّ ص94 رقم233]، حيث ذكر الكتاب وعمّمه لمَن روى ولم يذكر اختصاصه في الثقات من أصحابه (عليه السلام).
هذا كلّه من جهة تخصيص ابن عقدة كتابه بذكر الثقات.
2ـ وأمّا كون المذكورين في كتابه أربعة آلافٍ - كما مرّ من ابن شهر آشوب -، فلا دليل عليه، بل الشواهد على خلافه، حيث إنّ الشيخ بنى على ذكر مَن ذكرهم ابن عقدة، ولم يبلغ العدد المزعوم، بل ربما استدرك عليه مضيفاً غير من ذكرهم ابن عقدة، فيكون عددهم أقلّ ممّا ادّعاه ابن شهر آشوب بكثيرٍ، وإنْ صرّح العلامة بكونهم أربعة آلاف رجلٍ - كما مرّ في عبارته -، فلا دليل على أنّ كلّ من ذكره الشيخ (ره) موجودٌ في رجال ابن عقدة.
3ـ ثمّ لو سلّمنا بوثاقة رجال ابن عقدة، فإنّ الشيخ الطوسيّ لم يأخذ على نفسه ذكر الثقات فقط، فاختلط الثقات بغيرهم، فلا يكون أثرٌ للتوثيق المذكور.
ودمتم في رعاية الله سالمين.
اترك تعليق