هل يصح أثر الشافعي: «ما صح في الفتنة إلا حديث عثمان»؟

السؤال: استدلّ بعض المخالفين بما نُقل عن الشافعيّ – فيما أخرجه أبو نعيمٍ في حلية الأولياء (9/114) – أنَّه قال: «ما صحّ في الفتنة حديثٌ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلَّا حديث عثمانّ بن عفانّ أنَّه مرّ بالنبيّ فقال: «هذا يومئذٍ على الحقّ). وزعم المستدلّ أنَّ مقتضى هذا الحصر من الشافعيّ – وهو من كبار أئمَّة الحديث والفقه – إسقاط حجيَّة سائر الأحاديث الواردة في أبواب الفتن، وفي مقدِّمتها حديث عمارّ بن ياسرٍ: «تقتله الفئة الباغية»، وحديث «كلاب الحوأب»، وحديث المارقين: «تقتلهمْ أولى الطائفتين بالحقّ»، وأنَّ مقتضاه عدم رؤيته لعليّ بن أبي طالبٍ على الحقّ في حروبه وأنَّه ليس من الخلفاء الراشدين. وبناءً على ذلك، يكون المطالبون بدم عثمانّ أولى بوصف أهل الحقّ والهدى استناداً إلى التزكية النبويَّة الثابتة له. فما هو قولكمْ في هذا؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

اعلمْ – أيدّك الله – أنَّ هذا الأثر المنسوب إلى محمدّ بن إدريس - إمام الشافعيَّة – وإنْ كان صحيحاً من جهة السند، إلَّا أنَّ في المراد من (الفتنة) احتمالين:

الأول: أنْ يُراد به الفتنة خصوص ما ورد في فتنة عثمان، وذلك بالقول: إنَّ هناك أكثر من حديثٍ ورد في فتنة عثمان، وأنَّ الصحيح منها - بحسب رأي الشافعيّ - ما ورد عن عثمان أنَّه على الحقِّ! إشارةً من الشافعيّ إلى حديث كعب بن عجرة وكعب بن مرة.

وعليه؛ فلا دلالة في الأثر على نفي صحَّة الأحاديث الواردة في وقائع الجمل وصفينّ والخوارج؛ لأنَّ تلك الأحاديث تتناول حوادث أخرى غير الفتنة الخاصَّة بعثمان، فيبقى كلّ بابٍ خاضعاً لأدلّته الخاصَّة.

الثاني: أنْ يُراد به عموم أحاديث الفتن والملاحم، وأحداث الاختلاف الواقعة بين المسلمين فمعناه أنَّ الشافعي أراد حصر جميع الأحاديث الصحيحة في باب الفتن بحديث: «هذا يومئذٍ على الحقّ».

والصواب أنَّه يقصد (الاحتمال الأول)؛ لأنَّ الأحاديث الواردة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) في الفتن التي ستحصل بعده متواترةٌ معنىً، والشافعيّ فقيهٌ ومحدّثٌ، ولا يمكن دعوى عدم ثبوتها عنده، نقتصر في المقام على ثلاثة أحاديث:

1ـ حديث عمار بن ياسرٍ: «تقتل عماراً الفئة الباغية»:

وقدْ رواه جمعٌ كبيرٌ من الصحابة، من أمثال: حذيفة بن اليمان، وابن عباسٍ، وأبي هريرة، وأبي قتادة، وأمّ سلمة، وعمرو بن العاص، وابنه عبد الله بن عمرو، وغيرهمْ. حتى قال الحافظ ابن عبد البرّ: «تواترت الآثار عن النبيّ أنَّه قال: تقتل عماراً الفئة الباغية، وهذا من أصحّ الأحاديث» [الاستيعاب ج3 ص1140].

فهو حديثٌ متواترٌ، لا يمكن دفعه بنقلٍ محتملٍ، أو اجتهادٍ منسوبٍ إلى أحد الأئمَّة.

2ـ حديث المارقين: «‌تمرق ‌مارقةٌ عند فرقةٍ من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحقّ»:

وقدْ رواه جمعٌ كبيراً من الصحابة، من أمثال: أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأبي أيوب الأنصاريّ، وابن مسعودٍ، وعمار بن ياسرٍ، وأبي موسى الأشعريّ، وأبي سعيدٍ الخدريّ، وأم سلمة، وجابرٍ الأنصاريّ، وابن عباسٍ. ويكفي تخريج الإمام مسلم بن الحجّاج له من حديث أبي سعيدٍ الخدريّ في [الصحيح ج3 ص113]. وتفصيل ذلك في جوابٍ سابقٍ بعنوان: (هل كانت حروب عليّ بأمر النبيّ؟).

3ـ حديث: «أيتكُنَّ التي تنبحها ‌كلاب ‌الحوأب»:

وقدْ رواه جمعٌ من الصحابة، من أمثال عائشة، وابن عباسٍ، وغيرهما. وقدْ صحَّحه العلماء كـ: ابن حبان، والحاكم، وابن كثيرٍ، والذهبيّ، وابن حجرٍ. قال الألبانيّ: «‌وجملة ‌القول ‌أنَّ ‌الحديث ‌صحيح الإسناد، ولا إشكال في متنه» [سلسلة الأحاديث الصحيحة ج1 ص854].

والملاحظ أنَّه لا أحد من العلماء طيلة ألف سنةٍ، احتجّ أو استشهد بكلام الشافعيّ لردّ أحاديث الفتن، ولم ينقلها سوى أبي نعيمٍ، ولم يحفل أحدٌ من بعده بهذا الكلام، عدا بعض المعاصرين - كشعيب الأرنؤوط وغيره -، مستشهدين به لتصحيح حديث كعب بن عجرة: «هذا يومئذٍ على الحق».

على أنَّه لو أراد المعنى الثاني – إضافةً لاستلزامه ردّ الأحاديث المتواترة – لا ينسجم مع مبنى الشافعيّ؛ وذلك لأنَّ لازم هذا الكلام هو عدم ثبوت حقانية أمير المؤمنين (عليه السلام) في حروبه، وبالتالي عدم عده ضمن الخلفاء الراشدين. في حين ثبت عن الشافعيّ في ترتيب الخلفاء أنَّه عدّ عليّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام) ضمن الخلفاء الراشدين، بل جعل الخلفاء خمسةً، فقال: «الخلفاء خمسةٌ: أبو بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليّ، وعمر بن عبد العزيز»، روى ذلك عنه ابن أبي حاتمٍ في [آداب الشافعيّ ومناقبه ص145]، والبيهقيّ في [مناقب الشافعيّ ج1 ص448]. ومن المعلوم أنَّ إدخال عليّ (عليه السلام) في عداد الخلفاء الراشدين يقتضي قبول الأصول الحديثيَّة التي استند إليها جمهور أهل السنَّة في إثبات فضله وخلافته، ومنها الأحاديث الواردة في وقائع الفتنة.

يضاف لذلك: حديث الخلافة ثلاثون سنةً، فقد ثبت عن سفينة مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنَّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنةً ثمَّ تكون ملكاً». وقدْ رُوِيَ هذا الحديث من طرقٍ ومصادر أهل السنَّة بلفظين متقاربين [ينظر: صحيح ابن حبان ج15 ص393، المستدرك ج3 ص71، سنن أبي داود ج2 ص401، المعجم الكبير ج7 ص84]. وهذا الحديث يقتضي امتداد الخلافة الراشدة إلى خلافة أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)؛ إذْ لا تكتمل مدَّة الثلاثين سنةً إلَّا بإدخال خلافته فيها، وهو ما ينسجم مع مذهب الشافعيّ المعروف.

ثمَّ تجدر الإشارة إلى أنَّ العلماء لم يعتنوا بكلام الشافعيّ هذا - مع أنَّهم فهموا منه الاحتمال الأوّل -؛ وذلك لأنَّ ظاهره هو الحصر الحقيقيّ، وهذا الظاهر لا مجال له؛ لأنَّه يلزم منه عدم ثبوت الأحاديث الأخرى الواردة – عدا حديث كعب بن عجرة وكعب بن مرة – في فتنة عثمان، في حين وردت أحاديث ثابتةٌ في الصحيحين غيرها، إضافةً إلى أنَّ حديث كعب بن عجرة مرسلٌ، وحديث كعب بن مرة حسنٌ، فهذان الحديثان ليسا ثابتين بمستوى أحاديث مخرّجةٍ في الصحيحين وفق مباني المخالفين، فلا مجال لحمله إلَّا على الحصر الإضافيّ، فيفقد قيمته - حينئذٍ - في التعليل.

والملاحظ أنَّ نزراً من المعاصرين استشهدوا بكلام الشافعيّ لتقوية حديث كعب بن عجرة المرسل، ولم نجدهم يستشهدون به في أحاديث أخرى.

وأخيراً، إنْ أُصِرَّ على أنّ الاحتمال الثاني هو مراد الشافعيّ، فحينها سنردُّ عليه بقول الشافعيّ نفسه لَـمَّا قال: «إذا قلت قولاً يخالف قول رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) فخذوا بقول رسول الله واضربوا بقولي عرض الحائط» [شرح كتاب الإيمان لأبي عبيدٍ ج9 ص6].

الحاصل: الاستدلال بالأثر المنسوب إلى الشافعيّ: «ما صحّ في الفتنة إلَّا حديث عثمانّ» لإسقاط الأحاديث الصحيحة الواردة في وقائع الجمل وصفينّ والنهروان استدلالٌ غير تامٍّ؛ إذْ أنَّ لفظ «الفتنة» يراد به أحاديث فتنة عثمان دون غيرها، والحصر فيه إضافيّ لا حقيقيّ - لاستلزامه ردّ أحاديث ثابتةٍ -.

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أولاً وآخراً.