هل تنزيه الله تعالى يعني عدم معرفته؟
السؤال: الفيلسوف البريطانيّ أنتوني كيني يتساءل عن مدى قابليَّة الله للمعرفة المفهوميَّة. يرى كيني أنَّ الإله كما تصفه الميتافيزيقا الكلاسيكيَّة—بوصفه بسيطاً غير مركّبٍ، أزلياً، غير متغيّرٍ، متعالياً عن الزمان والمكان—قد يصبح، كلَّما اشتدَّ تنزيهه-أقلَّ قابليَّةٍ للفهم. فحين تُنزَع عنه كلّ الصفات البشريَّة بدعوى التنزيه، يبقى السؤال: هل ما يزال بالإمكان أنْ نصفه وصفاً ذا معنىً؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
يبدو أنَّ الإشكال الذي يطرحه الفيلسوف البريطانيّ «أنتوني كيني» ناتجٌ عن افتراضٍ مسبقٍ، يحتاج هو نفسه إلى المراجعة، وهو أنَّ معرفة الله لا تكون ذات معنىً إلَّا إذا كانتْ معرفةً مفهوميَّةً من جنس معرفتنا بالأشياء المحيطة بنا، فمن هنا نشأ التساؤل: إذا كان الله بسيطاً غير مركَّبٍ، أزلياً غير متغيّرٍ، متعاليَّاً عن الزمان والمكان، ومنزَّهاً عن جميع الصفات البشريَّة، فهل يبقى بعد ذلك شيءٌ يمكن فهمه أو الحديث عنه؟
غير أنَّ هذا السؤال يفترض ابتداءً أنَّ المعرفة الحقيقية لا تكون إلَّا من خلال التصوُّر العقليّ والإحاطة المفهوميَّة، وهو افتراضٌ لا دليل عليه، بل هو موضع النزاع نفسه.
ذلك أنَّ الإنسان في حياته المعرفيَّة يدرك حقائق كثيرةً من غير أنْ يحيط بها مفهوماً أو يكتنفها تصوُّراً، فهو يدرك وجود ذاته قبل أنْ يستطيع تعريفها، ويدرك وجود العقل الذي يفكر به من دون أنْ يحيط بحقيقته، ويدرك معنى الوعيّ والإرادة والحياة إدراكاً مباشراً مع أنَّ الفلاسفة والعلماء لم يتَّفقوا إلى اليوم على تعريفٍ جامعٍٍ مانعٍٍ لها؛ فعدم الإحاطة المفهوميَّة لا يساوي انعدام المعرفة.
ومن هنا فإنَّ المشكلة ليستْ في أنَّ التنزيه يجعل الله غير قابلٍ للمعرفة، بل في أنَّ بعض الفلاسفة يحصرون المعرفة في نمطٍ واحدٍ من المعرفة، وهو المعرفة المفهوميَّة، أما إذا كانتْ هناك مرتبةٌ أخرى من المعرفة أسبق من المفهوم وأعمق منه، فإنَّ الإشكال يتغيّر من أساسه.
إنَّ الرؤية القرآنيَّة وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) لا تتعامل مع الله بوصفه فرضيَّةً غائبةً نحاول الوصول إليها عبر سلسلةٍ من التصوُّرات العقليَّة المجرَّدة، وإنَّما تتعامل معه بوصفه الحقيقة الأكثر حضوراً وظهوراً في الوجود؛ ولذلك لا يخاطب القرآن الإنسان وكأنَّه يبحث عن مجهولٍ مطلقٍ، بل يخاطبه بلغة التذكير والتنبيه، قال تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: 10]، وقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: 21].
فالأنبياء - في المنهج القرآنيّ - لا يصنعون معرفةً جديدةً بالله تعالى، بل يوقظون معرفةً فطريَّةً حجبتْها الغفلة والأهواء؛ ولهذا نجد أنَّ القرآن يصف نفسه بأنَّه «ذِكْرٌ» و«ذكرى» و«تذكرةٌ»، لا بأنَّه محاولةٌ لإثبات مجهولٍ لا أصل له في واقع الإنسان.
وعلى هذا الأساس، فإنَّ ازدياد التنزيه لا يؤدّي إلى إفراغ مفهوم الله من المعنى، بل على العكس تماماً، إنَّه يحفظ حقيقة الألوهيَّة من أنْ تتحوَّل إلى صورةٍ ذهنيَّةٍ محدودةٍ. فلو أمكن للعقل أنْ يتصوَّر الله تصوُّراً تامّاً؛ لأصبح الله داخلاً ضمن حدود المفاهيم البشريَّة، ولكان مشابهاً لسائر الأشياء التي نعرفها ونحيط بها، وعندئذٍ يكون الإشكال الحقيقيّ في التشبيه لا في التنزيه.
ولهذا جاء في روايات أهل البيت (عليهم السلام): «كلّ ما تُصُوِّر فهو بخلافه» [الاحتجاج ج1 ص299]؛ لأنَّ التصوُّر بطبيعته يحوّل الشيء إلى موضوعٍ محدودٍ داخل أفق العقل الإنسانيّ، بينما الله سبحانه هو خالق العقل وموجد المفاهيم كلّها، فلا يمكن أنْ يقع تحت سلطان ما هو دونه.
فما نُقل عن هذا الفيلسوف يفترض أنَّ أمامنا خيارين لا ثالث لهما: إمّا إلهٌ يمكن تصوُّره وفهمه فهماً مفهوماً واضحاً، وإمّا إلهٌ غامضٌ لا معنى للكلام عنه، لكنَّ هذا التقابل ليس لازماً.
فالرؤية الإسلاميَّة تطرح طريقاً ثالثاً، وهو أنْ يكون الله معروفاً من دون أنْ يكون متصوَّراً، ومعروفاً من دون أنْ يكون محاطاً به، وحاضراً في الفطرة والوجدان من دون أنْ يتحوَّل إلى مفهومٍ ذهنيٍّ محدودٍ، كما يعرف الإنسان البصر والسمع والقدرة والرحمة، معرفةً واضحةً وظاهرةً، ومع ذلك يستحيل عليه أنْ يتصوَّرها في ذاتها، نعم يمكنه أنْ يتصوَّر بعقله آياتها وتجليّاتها في الواقع، ولكنْ يستحيل عليه أنْ يتصوَّر كنهها وحقيقتها مع شدَّة ظهورها ووضوحها في الفطرة والوجدان.
ومن هنا نفهم كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) في دعاء عرفة: «متى غبْتَ حتى تحتاج إلى دليلٍ يدلّ عليك؟ ومتى بعدْتَ حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟» [بحار الأنوار ج95 ص226]. فالمشكلة ليستْ أنَّ الله خفيٌّ أكثر من اللازم، بل إنَّ الإنسان يحاول أحياناً أنْ يبحث عنه بواسطة أشياء هي أقلّ ظهوراً منه؛ إذْ إنَّ كلَّ دليلٍ إنَّما يكون أوضح من المدلول عليه، بينما الله هو مصدر ظهور كلّ شيءٍ، فكيف يكون ما سواه أظهر منه؟
وعليه، فإنَّ السؤال الصحيح ليس: هل يمكن أنْ نحيط بالله بالمفاهيم؟ لأنَّ الجواب قطعاً هو: «لا»، وإنَّما السؤال هو: هل يمكن أنْ نعرف الله من دون أنْ نحيط به؟ وهنا يكون الجواب: «نعم».
بل إنَّ هذا هو مقتضى الألوهية نفسها؛ لأنَّ الإحاطة الكاملة بالله تعني جعله محدوداً قابلاً للاحتواء العقليّ، بينما المعرفة الحقيقيَّة بالله تقوم على حضوره في الفطرة، وتعريفه نفسه لعباده، وإدراك العقل لهذه الحقيقة والتسليم لها، لا على تحويله إلى مفهومٍ ذهنيٍّ من جملة المفاهيم.
ولذلك فإنَّ التنزيه ليس سبباً لضياع معنى الحديث عن الله، بل هو الشرط الذي يحفظ لهذا الحديث معناه الصحيح؛ لأنَّه يمنع من اختزال الخالق في صورة مخلوقٍ، ويمنع من تحويل الحقيقة المطلقة إلى مفهومٍ محدودٍ. فالله ليس موضوعاً من موضوعات المعرفة حتى يُحاط به، بل هو الحقيقة التي بها تُعرَف الأشياء كلّها، وهو النور الذي به يظهر كلّ شيءٍ، كما قال الإمام الحسين (عليه السلام): «أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟» [بحار الأنوار ج95 ص226].
اترك تعليق