هل في صفات الله تناقض فلسفي؟
السؤال: صفات الله من القدرة المطلقة، والعلم المطلق، والخيرية المطلقة، والأزلية، والثبات، هل يمكن لهذه الصفات أنْ تجتمع دون تناقضٍ؟ فإذا كان الله خارج الزمان، فكيف يعلم الأحداث بوصفها "ماضيةً" أو "حاضرةً" أو "مستقبلةً"؟ وإذا كان بسيطاً غير مركّبٍ، فكيف نميّز بين صفاته دون الوقوع في تركيبٍ مفهوميٍّ؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
إن الإجابة عن هذا السؤال تحتاج أولاً إلى تحديد موضع الإشكال بدقةٍ؛ لأنَّ كثيراً من هذه الاعتراضات تنشأ من نقل مفاهيم مأخوذةٍ من عالم الموجودات المحدودة وإسقاطها على الموجود المطلق.
فعندما نقول إنَّ الله تعالى قادرٌ قدرةً مطلقةً، وعالمٌ علماً مطلقاً، وخيّرٌ خيراً مطلقاً، وأزليٌّ وثابتٌ، فإنَّ البعض قد يفهم أنَّ هذه الصفات أشياءٌ منفصلةٌ اجتمعتْ في ذاتٍ واحدةٍ، ثمَّ يسأل: كيف اجتمعتْ؟ لكنَّ هذا الفهم نفسه غير صحيحٍ، فالرؤية الإسلاميَّة لا تقول إنَّ هناك ذاتاً أولاً ثمَّ أُضيفتْ إليها القدرة والعلم والحياة والخيرية كما تُضاف الأوصاف إلى الإنسان، بل تقول إنَّ ذات الله هي عين الكمال المطلق، وإنَّ هذه الصفات ليستْ أجزاءً متجاورةً داخل الذات الإلهيَّة معاذ الله.
فالإنسان مثلاً يعلم بشيءٍ، ويجهل شيئاً آخر، وقدرته محدودةٌ، وحياته شيءٌ، وعلمه شيءٌ، وإرادته شيءٌ، ولذلك يمكن عقلاً التمييز بين هذه الجوانب فيه. أما في حقّ الله تعالى فلا يوجد هذا التعدد؛ لأنَّ كلَّ صفةٍ من صفات الكمال استحقّها على نحوٍ غير محدودٍ وغير منفصلٍ. ولهذا قرر علم الكلام الشيعيُّ بأنَّ علمه عين ذاته، وقدرته عين ذاته، وحياته عين ذاته، لا بمعنى أنَّ الألفاظ مترادفةٌ، بل بمعنى أنَّ ما تشير إليه هذه الألفاظ حقيقةٌ واحدةٌ لا تركيب فيها.
أما القول: إذا كان بسيطاً غير مركّبٍ، فكيف نميّز بين صفاته دون الوقوع في تركيبٍ مفهوميٍّ؟
مما لا شكّ فيه أنَّ هذه الصفات مميزةٌ في الذهن الإنسانيّ ولكنَّ تميزها نابعٌ من تجليّات كلّ صفةٍ في الواقع الخارجيّ، وبعبارةٍ أخرى: يميز العقل بين الصفات من خلال فعل الله تعالى، وليس من خلال ذاته، وهذا ما يصطلح عليه أسماء الله الحسنى، فالله عالمٌ يعني أنَّه يصنع بعلمٍ وعلمه متجليٍّ في خلقه، وقديرٌ بمعنى فعله القدرة وقدرته ظاهرةٌ في خلقه.. وهذه الأسماء مجعولةٌ ومخلوقةٌ وهي غير الله تعالى، وإنَّما موضوعةٌ بالوضع الشخصيّ في قبال الذات الخارجة من الحدّين: التعطيل والتشبيه.
وفي الحديث عن الإمام الرضا (عليه السلام): «ثمَّ وصف نفسه تبارك وتعالى بأسماءَ دعا الخلق – إذ خلقهم وتعبّدهم وابتلاهم - إلى أنْ يدعوه بها، فسمّى نفسه سميعاً بصيراً قادراً قاهراً قائماً...» [الكافي ج1 ص120]، فكان الله ولا خلق، وقبل أنْ يخلق الله الخلق، كان غنياً بذاته عارفاً بنفسه، فنفسه هو وهو نفسه، فلا يحتاج إلى اسمٍ ونعتٍ، ولكنْ خلقها لغيره لكي يعبدوه بها، فهي بالتالي غيره، ومن عبد هذه الأسماء فقدْ عبد غيره [ينظر: الكافي ج1 ص113].
فأسماؤه تعالى تعبيرٌ وتذكيرٌ وإرشادٌ إلى الله القدوس الخارج عن الحدّين، الظاهر بذاته بعد مرتبة تعريفه تعالى نفسه للعباد، وليستْ إيقاعاً على مجهولٍ أو متوهمٍ أو متصورٍ، وروايات أهل البيت في هذا الشأن كثيرةٌ، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «الاسم غير المسمى، فمن عبد الاسم دون المعنى فقدْ كفر، ولم يعبد شيئاً، ومن عبد الاسم والمعنى فقدْ أشرك وعبد اثنين، ومن عبد المعنى دون الاسم، فذاك التوحيد، أفهمتَ يا هشام؟ قال: قلتُ زدني قال: لله تسعةٌ وتسعون اسماً فلو كان الاسم هو المسمى، لكان كلّ اسمٍ منها إلهاً ولكنَّ الله معنىً يُدَلُّ عليه بهذه الأسماء وكلّها غيره» [الكافي ج1 ص114].
أما الإشكال المتعلِّق بالزمان حيث يقال: إذا كان الله خارج الزمان، فكيف يعلم أنَّ حادثةً ما وقعتْ في الماضي، وأخرى تقع الآن، وثالثةً ستقع في المستقبل؟
والجواب: أنَّ هذا الإشكال يفترض أنَّ الله يعيش داخل مجرى الزمن مثلنا ثمَّ ينظر إلى الأحداث من نقطةٍ معينةٍ، نحن نصف الأشياء بأنَّها ماضيةٌ أو حاضرةٌ أو مستقبليةٌ لأنَّنا نعيش داخل الزمن ونتحرّك معه لحظةً بعد لحظةٍ. أما إذا كان الله خالق الزمان نفسه، فلا معنى لكونه أسيراً له أو متدرجاً معه.
فالله لا يعلم الأحداث لأنَّها انتقلتْ من المستقبل إلى الحاضر ثمَّ إلى الماضي، بل يعلمها جميعاً في حضورٍ واحدٍ لا يعتريه التغير، نحن نقول عن حادثةٍ إنَّها مستقبليةٌ بالنسبة إلينا، لكنْ ليس لأنَّها مجهولةٌ عند الله أو لم تدخلْ بعد في دائرة علمه، بل لأنَّها لم تدخلْ بعد في دائرة تجربتنا الزمنيَّة.
ولهذا فإنَّ أوصاف «الماضي» و«الحاضر» و«المستقبل» ليستْ أوصافاً للعلم الإلهيّ، بل أوصافٌ لعلاقتنا نحن بالأحداث، فالحدث الواحد قد يكون مستقبلاً بالنسبة لشخصٍ، وحاضراً بالنسبة لآخر، وماضياً بالنسبة لثالثٍ، بينما هو في نفسه حدثٌ واحدٌ. وكذلك الأمر بالنسبة للعلم الإلهيّ؛ فهو لا يتجزأ تبعاً لتجزؤ وعينا الزمنيّ.
وقد يتساءل البعض: إذا كان الله يعلم كلَّ شيءٍ دفعةً واحدةً، فهل يعني ذلك أنَّ علمه يتغير عندما تقع الأحداث؟
والجواب: لا؛ لأنَّ التغير يقع في المعلوم لا في العلم، نحن تتغير معلوماتنا؛ لأنَّنا نكتسب معارفَ جديدةً لم تكنْ لدينا من قبل، أما الله فلا يمرّ بحالة جهلٍ ثمَّ معرفةٍ، ولا ينتقل من انتظار الحدث إلى مشاهدته. الحدث نفسه هو الذي ينتقل في عالم الزمن، بينما العلم الإلهيُّ محيطٌ به قبل وقوعه وأثناء وقوعه وبعد وقوعه دون أيّ تغيرٍ.
وفي المحصّلة، أنَّ معظم التناقضات المتصورة تنشأ عندما نتخيل الله ككائنٍ كبيٍر جداً داخل الكون، يخضع للزمان لكنْ بصورةٍ أوسع منا، أو يمتلك صفاتٍ منفصلةً متجاورةً كما يمتلكها الإنسان، عندئذٍ تبدأ الإشكالات بالظهور، أما إذا كان الله هو مبدأ الوجود نفسه، وخالق الزمان والمكان، والكمال المطلق غير المركب، فإنَّ التمييز بين الصفات يكون تمييزاً مفهوماً في أذهاننا، لا تمييزاً واقعياً يقتضي وجود أجزاءٍ أو مكوناتٍ داخل الذات الإلهيَّة، كما أنَّ علمه بالأحداث لا يكون علماً زمنياً متدرجاً، بل علماً محيطاً بها جميعاً من غير أنْ يكون أسيراً لمفاهيم الماضي والحاضر والمستقبل التي تنتمي إلى عالمنا نحن لا إلى ذاته سبحانه.
اترك تعليق