هل أفتى علماء الشيعة بالجهاد الابتدائي؟

السؤال: في كتب الشيعة الحديثيّة نجد باب اشتراط وجوب الجهاد بأمر الإمام وإذنه، وتحريم الجهاد مع غير الإمام العادل، لكن واقعاً الشيعة عبر التاريخ وبعد الغيبة جاهدوا كثيراً وأعلنوا الثورات مثل ثورة العشرين في العراق وغيرها، والمراجع على رأس هذه الثورات. فكيف كان ذلك؟

:  الشيخ محمد باقر آل حيدر

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم - أخي السائل - أنَّ علماء الشيعة الإماميّة (أعزّهم الله) اختلفوا في جواز الجهاد الابتدائيّ لغير الإمام المعصوم. إلَّا أنَّنا لم نَرَ في تاريخ علمائنا مَن أفتى بالجهاد الابتدائيّ أبداً، فكلّ ما تسمع به من ثورات والحروب التي قام بها علماؤنا، لو تأمّلتها لوجدتها دفاعيّةً، وليست ابتدائيّةً، ونحن هنا ذاكرون لك ما يسعه المقام من الأمثلة:

1ـ فالحرب التي دارت بين الروس وعلماء الشيعة في إيران في أواسط القرن الثالث عشر الهجريّ إنَّما كانت جهاداً دفاعيّاً إثر مهاجمة الروس إيّاهم، وقد دعم الحركة الجهاديّة السيّد محمّد المجاهد نجل السيّد صاحب الرياض (طاب ثراهما)، حيث شدّ الرحال من كربلاء إليهم وأبلوا بلاءً حسناً، وكان النصر حليفهم لولا الخيانات، وانتهى الأمر إلى احتلال أذربيجان.

2ـ ومرة أخرى هاجم الروس بلاد إيران في العقد الثالث من القرن الرابع عشر، فتهيّأ للجهاد الدفاعيّ المرحومُ الآخوند الخراسانيّ مع جماعةٍ من علماء عصره، وأعدّ عدّة السفر لإيران، لكنّه توفّي فجأة بوجهٍ مريبٍ، فانحلّ ما أبرمه، ولله أمرٌ هو بالغه.

3ـ وحينما غزت الجيوش البريطانيّة العراق في حربها مع العثمانيين ـ الذين رأى الشيعة وعلماؤهم منهم الأمرّين ظلماً وعسفاً وتجاهلاً واستهواناً ـ ومع كلّ ذلك تناسى علماؤنا الأعلام (رفع الله درجاتهم) ذلك كلّه، واندفعوا للقيام بواجبهم في حفظ بيضة الإسلام، والدفاع عنه، وحصلت خياناتٌ من جانب الجيش التركيّ في جبهة الشعيبة، وأمّا جبهة الكوت فقد انتصرت إلَّا أنَّ النصر لم يدم طويلاً، فقد استرجعت بريطانيا ما خسرته فيها بعد أنْ اضطربت أُمور العثمانيين في العراق، وتمّ بعد ذلك لبريطانيا احتلال العراق وانسحاب العثمانيين منه.

4ـ ولمّا بسطت بريطانيا نفوذها على العراق واحتلّته لم يمكث علماؤنا (رضوان الله تعالى عليهم) طويلاً حتى طالبوها بالوفاء بوعودها بتحرير العراق واستقلاله، ولما تجاهلت ذلك فجّروا ضدّها الثورة المعروفة بثورة العشرين بقيادة المرجع المعظّم الشيخ محمد تقي الشيرازيّ (رحمه الله) الذي لم يلبث طويلاً حتى توفّي، فخلفه في قيادتها المرحوم شيخ الشريعة الأصفهانيّ (رحمه الله).

5ـ وغير بعيدٍ عنك ما اقترفته الأيادي الإرهابيّة في شمال العراق، من قتلٍ لآلاف المؤمنين وحرق النساء المؤمنات وسبيٍ وتهديمٍ للمساجد، وتهديدهم الواضح بالقضاء على كلّ من يوالي أمير المؤمنين (عليه السلام) وتهديم المقدّسات، إلى غير ذلك من الجرائم والتهديدات التي تشكّل خطراً واضحاً على بيضة الإسلام، فأفتى مرجع الطائفة الأعلى السيّد علي السيستانيّ (دام ظلّه) بالجهاد الدفاعيّ الكفائيّ، فخابت آمال أعداء الدين.

هذا ما يسعه المقام، فمن أراد التفصيل فليطلبه ممّا كتب في هذا الشأن، وقد اعتمدنا في هذا الموجز على ما قدّمه المرجع الديني السيد محمد سعيد الحكيم (رحمه الله) في كتابه المهم الموسوم بـ(المرجعيّة الدينيّة وقضايا أخرى)، حفظ الله علماءنا من كلّ سوء، وعجّل بظهور إمامنا وجعلنا من الممتثلين لأمره، ودمتم في رعاية الله سالمين.