هل قتل الأمويين للقدرية ينفي عنهم عقيدة الجبر؟
السؤال: أيديولوجيَّة الدولة الأمويَّة ومعاوية هي الجبر - كما يدّعي عابد الجابريّ -، لكن هناك من نقض ذلك؛ استناداً لقتل الأمويّين كثيراً من القدريَّة في زمنهم.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ هذا الطرح، حين يُبحث في سياق تاريخ المسلمين، وخصوصاً في واحدةٍ من أهمّ المراحل السياسيّة والفكريّة في تاريخهم، ومع الالتفات إلى طبيعة الحكم الأمويّ، وتنوّع التوجّهات الفكريّة والثقافيّة السائدة آنذاك، يبدو طرحاً مبسّطاً لا ينسجم مع التعقيد الحقيقي للمشهد التاريخيّ، فهو يكتفي بقراءة سطح الأحداث دون الغوص في دوافعها وخلفيّاتها، ويغفل ما بين سطور المصادر التاريخيّة، بل أحياناً ما هو ظاهرٌ فيها بوضوح.
ولتوضيح ذلك، لا بدّ من الالتفات إلى حقيقةٍ عامّة لا تختصّ ببني أميّة وحدهم، وإن كانت تنطبق عليهم بوضوح، وهي أنّ الأنظمة السياسيّة غير القائمة على أساسٍ إلهيٍّ أو مبدئيٍّ ثابتٍ تجعل المحافظة على السلطة واستمرار الحكم في مقدّمة أولويّاتها. ومن ثَمّ، فإنّ قيمة الأفكار والنظريّات لا تُقاس عندها غالباً بمدى صحّتها أو بطلانها، وإنّما بمقدار ما تخدم استقرار السلطة وتُسهم في إطالة عمرها.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم أسباب الترويج لبعض الأفكار العقديّة أو السياسيّة في ذلك العصر، ففكرة الجبر ـ على سبيل المثال ـ لم تكن مجرّد نقاشٍ نظريّ مجرّد، بل كانت تحمل آثاراً سياسيّةً واضحةً؛ لأنّها تؤدّي عمليّاً إلى إقناع الناس بأنّ ما يقع في المجتمع من وصول حاكمٍ إلى السلطة، أو استمرار حكمه، أو ما يمارسه من سياسات، إنّما هو قضاءٌ إلهيٌّ لا ينبغي الاعتراض عليه، وبذلك تتحوّل معارضة الحاكم أو مساءلته إلى نوعٍٍ من الاعتراض على إرادة الله تعالى، ويُطلب من الناس الرضا بالأمر الواقع مهما كانت الوسائل التي أوصلت الحاكم إلى السلطة، سواء أكانت القوّة أم السياسة أم غير ذلك.
ومن الطبيعيّ أنّ مثل هذه الفكرة تمنح السلطة السياسيّة غطاءً فكريّاً يخفّف من حدّة المعارضة، ويعزّز حالة التسليم الشعبي؛ ولذلك كان من مصلحة الحاكم دعمها ونشرها، وليس المقصود أنّ الحكّام كانوا بالضرورة مؤمنين بها من منطلقٍ فكريٍّ خالصٍ، بل إنّ العامل السياسي والمصلحي كان حاضراً بقوّة؛ فالمعيار العمليُّ كان: ما دام هذا الفكر يخدم استقرار الحكم ويصون شرعيّته فهو فكرٌ مرغوبٌ فيه ومدعوم، أمّا إذا تحوّل إلى تهديدٍ للسلطة أو أصبح وسيلةً للطعن في شرعيّتها، فإنّ الموقف منه يتغيّر.
وعليه، فإنّ فهم العلاقة بين السلطة الأمويّة وبعض الاتجاهات الفكريّة لا ينبغي أنْ يُبنى على افتراض الانسجام العقديّ الكامل بين الطرفين، بل على دراسة المصالح السياسيّة المتبادلة وتأثيرها في صناعة الخطاب الدينيّ والفكريّ في تلك المرحلة، وهذا هو المفتاح الأساس لفهم الإشكال في صورته الإجماليّة.
ومن هنا يُلاحظ على هذا الكلام:
أوّلاً: أنّ الاستدلال بقتل بعض رؤوس القدريّة - وهما الجهم بن صفوان والجعد بن درهم - أو الاستشهاد ببعض كلمات معاوية وغيرها لإثبات أنّ الدولة الأموية كانت تعادي الفكر الجبريّ أو لا تتبنّاه، استدلالٌ غير تام، فالجهم لم يُقتل ـ بحسب جملةٍ من المصادر التاريخيّة ـ بسبب آرائه الكلاميّة فحسب، بل بسبب ارتباطه المباشر بالحركة الثوريّة التي قادها الحارث بن سريج ضد السلطة الأمويّة، فقد ذكر الطبريّ وابن الأثير أنّ الحارث دعا نصر بن سيار إلى جعل الأمر شورى بين المسلمين، فلمّا رفض خرج عليه، وكان الجهم بن صفوان من أبرز أعوانه وخطبائه، يقرأ كتبه على الناس ويدعو إلى مشروعه السياسيّ، ممّا جعله جزءاً من حركة المعارضة لا مجرّد متكلّم يطرح آراءً نظرية [ينظر: تاريخ الطبريّ ج6 ص6، الكامل في التاريخ ج5 ص342].
ولهذا ذهب جمال الدين القاسميّ وغيره من المعاصرين إلى أنّ مقتل الجهم كان سياسياً بالدرجة الأولى، لا دينياً، مستدلاً بكلام سَلَم بن أحوز ـ قائد شرطة نصر بن سيار ـ عندما أُتي بالجهم أسيراً، حيث قال له: «والله لا يقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمت»، وهي عبارةٌ تدلّ بوضوح على أنّ الجرم الذي استوجب قتله في نظر السلطة كان وقوفه مع الثورة وخروجه عليها، لا مجرّد تبنّيه لمقولات كلامية في الجبر أو الصفات [ينظر: تاريخ الجهمية والمعتزلة ص16، تاريخ الطبري ج6 ص6].
ويؤيّد ذلك أيضاً: أنّ الجهم رجع عن كثيرٍ من آرائه قبل مقتله، فقد ذكر الذهبيّ أنّ جماعةً رووا توبته ورجوعه عن أقواله السابقة [ينظر: تاريخ الإسلام ج8 ص68]. وسواء ثبت ذلك أم لم يثبت، فإنّ مجرّد وجود هذا النقل يضعف دعوى أنّ قتله كان بسبب الإصرار على تلك المعتقدات.
وكذلك الحال في الجعد بن درهم، فالجعد لم يكن شخصيةً معزولة عن دوائر السلطة، بل كان من الشخصيات القريبة من البيت الأمويّ، وكان مؤدّباً لمروان بن محمد آخر خلفاء بني أميَّة، وقد تأثّر مروان به إلى درجة اشتهاره في بعض المصادر بلقب «مروان الجعديّ»! [ينظر: أنساب الأشراف ج8 ص379].
وهذا القرب الشديد من أحد أبرز أركان الدولة يجعل من الصعب تفسير مقتله تفسيراً عقديّاً صرفاً، وهناك من تبناها وعرض له شواهد لسنا في صدد تنقيحها هنا [ينظر: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ص331].
وثانياً: أنّ هذا الاستدلال ينطوي على مغالطةٍ منهجيّةٍ واضحةٍ؛ إذ يفترض أنّ قيام سلطةٍ ما بتصفية أشخاصٍ ينتمون إلى اتّجاهٍ فكريٍّ معيّنٍ يكفي لنفي تبنّي تلك السلطة لذلك الاتّجاه أو الاستفادة منه، وهذا غير صحيحٍ تاريخياً؛ لأنّ الصراع السياسيَّ كثيراً ما يقع بين أطرافٍ تشترك في الأصول الفكريَّة نفسها، لكنّها تتنازع على النفوذ والسلطة، أو تختلف في تطبيق تلك الأفكار ونتائجها العمليَّة.
فلو صحّ هذا المنطق للزم القول بأنّ النظام السوفيتيَّ لم يكن يتبنّى الشيوعيَّة؛ لأنّ جوزيف ستالين قام بتصفية عددٍ كبيٍر من قادة البلاشفة والشيوعيين الذين شاركوا في تأسيس النظام نفسه. ومن الواضح أنّ أحداً لا يقول بذلك؛ لأنّ تصفية أفرادٍ من داخل المنظومة الأيديولوجيَّة لا تنفي تبنّي الدولة لتلك الأيديولوجيَّا، بل قد تكون نتيجة صراعٍٍ سياسيٍّ أو تنظيميٍّ، أو صراعٍٍ على تفسير الأيديولوجيَّا نفسها.
وعليه، فإنّ كون بعض الشخصيات الجبريّة أو القريبة من الاتجاه الجبريّ قد تعرّضت للقتل أو الملاحقة من قبل الدولة الأمويَّة لا يثبت أنّ الأمويين لم يستفيدوا من الخطاب الجبريّ، أو لم يوظّفوه سياسيَّاً أو لم يتبنوه، فالدليل المذكور أعمّ من المدّعى، ولا ينهض لنفي أصل العلاقة بين السلطة الأمويَّة وبعض المقولات الجبريَّة التي استُخدمت في تبرير الواقع السياسيّ القائم.
وثالثاً: أنّ هذا الاستدلال يقع أيضاً في مغالطة (السبب الزائف)، إذ يفترض أنّ قتل شخصٍ أو جماعةٍ تحمل توجّهاً فكرياً معيّناً يعني بالضرورة أنّ سبب القتل هو ذلك التوجّه الفكريّ نفسه، بينما التاريخ السياسيّ مليءٌ بالأمثلة التي تثبت خلاف ذلك؛ فكثيراً ما قامت الأنظمة بتصفية جماعاتٍ تشترك معها في الأصول الفكريَّة والعقديَّة عندما شعرت أنّها أصبحت تمثّل مركز قوّةٍ مستقلاً، أو مشروعاً سياسيَّاً منافساً، أو تفسيراً للأيديولوجيَّا يضرّ بمصالح الدولة.
فليست كلّ عمليّة قتلٍ أو ملاحقةٍ دليلاً على الخلاف الفكري، بل قد تكون نتيجة اعتباراتٍ سياسيَّةٍ أو أمنيةٍ أو سلطويَّةٍ بحتة، كما ذكرنا في الأمر الأوّل، ولو سُلِّم بهذا المنهج للزم القول بأنّ الكنيسة الكاثوليكيَّة لم تكن تتبنّى العقيدة الكاثوليكيَّة؛ لأنّها حاكمت وأعدمت بعض الرهبان واللاهوتيين المنتسبين إليها بتهم الهرطقة، وهو استنتاجٌ لا يقبله أيّ مؤرّخ.
ورابعاً: يظهر في هذا الاستدلال نوعٌ من الانحياز التأكيدي؛ إذ جرى التركيز على حادثةٍ أو حادثتين من قبيل مقتل الجهم أو الجعد، وجعلهما الركيزة الأساسيّة لنقض أطروحةٍ تاريخيَّةٍ واسعةٍ، مع إهمال كمٍّ كبيرٍ من الشواهد التاريخيّة الأخرى التي يستند إليها القائلون بتوظيف الأمويين للخطاب الجبريّ.
فالمؤرخ المنصف لا يكتفي بواقعةٍ منفردةٍ، بل ينظر إلى مجموع القرائن والنصوص والسياقات، ومن المعلوم أنّ المصادر التاريخيَّة نقلت عن عددٍ من كبار رجال الدولة الأمويّة عباراتٍ تُحيل إلى فكرة القضاء والقدر في سياق تبرير السلطة القائمة والدعوة إلى التسليم بها، ومن أشهرها: ما نُقل عن معاوية بن أبي سفيان من قوله: «لو لم يرني الله أهلاً لهذا الأمر ما تركني وإياه»، وكذلك كون رؤوس الجبريّة كانوا متنعمين في السلطة.
ومن ثمّ فإنّ الاستناد إلى واقعة مقتل بعض الجبريّة، مع تجاهل هذا السياق التاريخي الواسع، لا يكفي لنقض الدعوى، بل يُعدّ انتقاءً لبعض الشواهد دون غيرها، وهو ما يضعف النتيجة المستخلصة منه من الناحية المنهجيَّة.
اترك تعليق