هل أبطل العلم الحاجة إلى الله تعالى؟
السؤال: حين يعجز الإنسان عن تفسير شيءٍ ما، فإنَّه يميل تلقائياً إلى اختراع "قوةٍ خفيةٍ" تملأ الفراغ. هذه عادةٌ بشريةٌ قديمةٌ، لا تختلف كثيراً عن خوف الطفل من الظلام؛ إذ يتخيل الوحوش فقط لأنَّه لا يرى ما أمامَه. لكن التاريخ يُظهر نمطاً واضحاً ومحرجاً للخرافة: كلُّ ظاهرةٍ نُسبت يوماً إلى السحر أو الآلهة أو الأرواح، انتهى بها المطاف داخل كتاب فيزياء، أو مختبر كيمياء، أو معادلةٍ رياضيةٍ. لم يكن البرق رسالةً سماويةً. ولم تكن الأمراض عقاباً أخلاقياً. ولم يكن الجنُّ هو من يحرّك الكواكب. العلم لا يقدّم عزاءً عاطفياً، وهذه إحدى نقاط قوَّته، إنَّه لا يهتم بما نرغب أنْ يكون صحيحاً، بل بما يمكن إثباته. ولهذا السبب تحديداً، بنى الإنسان الحضارة بالعلم لا بالصلوات. الطائرات لم ترتفع بالإيمان، بل بالديناميكا الهوائيَّة. والهواتف لم تُخلق بالتعاويذ، بل بالكهرومغناطيسيَّة وفيزياء أشباه الموصلات. أما عبارة: «هناك أشياءٌ لا يستطيع العلم تفسيرها»، فهي صحيحةٌ مؤقتاً فقط؛ لأنَّ «لا نعرف بعد» ليست مرادفاً لـ «خارقٍ للطبيعة». الجهل ليس دليلاً، والغموض ليس برهاناً على وجود السحر. إنَّ أكثر ما يثير الدهشة في هذا الكون، ليس وجود قوىً غيبيةٍ تتحكم به، بل إنَّ الكون قابلٌ للفهم أصلاً. أنْ تتمكن كتلةٌ من الخلايا العصبيَّة تطوَّرت عبر الانتقاء الطبيعيّ من اكتشاف عمر النجوم، وتركيب الذرة، وانحناء الزمكان... فهذا أعمق بكثيرٍ من أيّ أسطورةٍ بدائيةٍ عن الأرواح والقوى الخفية. ريتشارد دوكينز
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا النصُّ يبدو للوهلة الأولى قوياً ومتماسكاً، لكنَّه في الحقيقة يقوم على سلسلةٍ من المغالطات الفلسفيَّة التي تتكرَّر كثيراً في الخطاب الإلحاديّ المعاصر، وأبرزها الخلط بين نقد التفسيرات الخاطئة للظواهر الطبيعيَّة وبين نفي وجود الله أو الغيب.
فلا أحد من العقلاء اليوم يقول إنَّ البرق سببه الجن، أو إنَّ الأمراض تُعالج بالتعاويذ بدل الطب، أو إنَّ حركة الكواكب تُفسَّر بالسحر. لكن السؤال الحقيقي ليس: كيف يحدث البرق؟ بل: لماذا يوجد كونٌ أصلاً يمكن أنْ تحدث فيه ظاهرة البرق؟ وليست المشكلة كيف يحدث المرض؟ بل: كيف وُجدت الحياة والقوانين التي تجعل المرض والصحة ممكنينِ؟ ولا كيف تتحرك الكواكب؟ بل: لماذا توجد قوانين رياضيةٌ دقيقةٌ تحكم حركة الكواكب؟
العلم يجيب عن «كيف تعمل الأشياء»، أما السؤال عن أصل وجود الأشياء نفسها، وعن سبب انتظامها وخضوعها للقوانين، فهو سؤالٌ من طبيعةٍ مختلفةٍ تماماً؛ ولذلك فإنَّ القول بأنَّ العلم نجح في تفسير بعض الظواهر الطبيعيَّة لا يقترب أصلاً من مسألة وجود الله؛ لأنَّ الله في الفكر الفلسفيّ والدينيّ ليس فرضيةً لسدّ فجوات الجهل العلميّ حتى يختفي كلَّما تقدَّمت المعرفة، بل هو تفسيرٌ لوجود الواقع نفسه.
واللافت أنَّ صاحب النص يهاجم ما يُسمَّى «إله الفجوات»، ثمَّ يقع في المقابل فيما يمكن تسميته «علم الفجوات»، فهو يفترض أنَّ كل ما لا نعرفه اليوم سيعرفه العلم غداً، مع أنَّ هذا مجرد إيمانٍ فلسفيّ لا برهان عليه. فالعلم نفسه لا يملك وعداً بأنَّ جميع الأسئلة قابلةٌ للحلّ العلميّ، بل إنَّ هناك أسئلةً لا تتعلق بنقص المعلومات أصلاً، وإنَّما بطبيعة المنهج العلميّ نفسه، مثل: لماذا يوجد شيءٌ بدلاً من لا شيء؟ ولماذا توجد قوانين طبيعيةٌ أصلاً؟ ولماذا هذه القوانين بالذات دون غيرها؟ ولماذا الرياضيات قادرةٌ على وصف الكون بهذه الدقة المدهشة؟ هذه ليست أسئلةً مختبريةً يمكن وضعها في أنبوب اختبارٍ.
ثمَّ إنَّ النص يتعامل مع تاريخ العلم بطريقةٍ انتقائيَّة. نعم، العلم كشف أسباباً كثيرةً للظواهر الطبيعيَّة، لكنَّه لم يكتشف أنَّ الله غير موجود. كل ما اكتشفه هو أنَّ بعض الظواهر تعمل وفق قوانين منتظمةٍ. لكن السؤال: لماذا يُفترض أنَّ وجود قانونٍ طبيعيّ ينفي وجود المشرّع لهذا القانون؟ عندما اكتشف نيوتن قوانين الجاذبيَّة لم يعتبر ذلك نفياً لله، وكذلك فعل كثيرٌ من كبار العلماء الذين رأوا في انتظام الكون دليلاً على عقلانيةٍ عميقةٍ وراءه.
والأغرب من ذلك أنَّ النص يحتفل بقابلية الكون للفهم، وكأنَّه بذلك تجاوز فكرة الخالق، بينما هذه القابلية نفسها من أكثر الأمور التي تحتاج إلى تفسيرٍ. فليس هناك أي ضرورةٍ عقليةٍ تجعل الكون مفهوماً أو قابلاً للوصف الرياضيّ. كان من الممكن - نظرياً - أنْ يكون الواقع فوضوياً بالكامل، أو أنْ تكون قوانينه متغيرةً باستمرارٍ، أو أنْ يكون العقل البشريّ عاجزاً عن إدراك بنيته. لكنَّنا نجد توافقاً مدهشاً بين عقل الإنسان وبين البنية الرياضية للكون، حتى وصف بعض العلماء هذا الأمر بأنَّه من أعظم ألغاز المعرفة الإنسانيَّة.
أمّا قوله: إنَّ العقل البشريّ «تطوَّر عبر الانتقاء الطبيعيّ» ثمَّ استطاع اكتشاف أسرار الكون، فهو يطرح إشكالاً على الرؤية الإلحاديَّة نفسها؛ لأنَّ الانتقاء الطبيعيّ لا يهتم بالحقيقة، بل بالبقاء، فهو لا يختار الأفكار لأنَّها صحيحةٌ، وإنَّما لأنَّها نافعةٌ للبقاء والتكاثر. فإذا كانت عقولنا مجرد نتاج عملياتٍ ماديةٍ عمياء لا تستهدف الحقيقة، فما الضمان أنْ تكون استنتاجاتنا الفلسفيَّة والعلميَّة موثوقةً أصلاً؟ وهذا الإشكال ناقشه عددٌ من الفلاسفة المعاصرين، لأنَّ الثقة بالعقل تصبح أكثر صعوبةً عندما يُختزل العقل إلى نتاج تفاعلاتٍ ماديةٍ صماء.
ثمَّ إنَّ النصّ يوحي بأنَّ الحضارة بُنيت بالعلم لا بالدين، وكأنَّهما نقيضانِ، وهذه دعوى تاريخيةٌ غير دقيقةٍ. فالعلم يقدّم الأدوات، لكنَّه لا يقدّم الغايات والقيم. العلم يستطيع أنْ يخبرك كيف تصنع طائرةً، لكنَّه لا يخبرك لماذا تستخدمها لنقل المسافرين بدلاً من قصف المدنيين. ويستطيع أنْ يخبرك كيف تصنع سلاحاً نووياً، لكنَّه لا يخبرك إنْ كان استعماله أخلاقياً أم لا. الحضارة لا تُبنى بالمعرفة التقنيَّة وحدها، وإنَّما بمنظومة قيمٍ تحدد كيفية توظيف تلك المعرفة.
وفي المحصلة، فإنَّ النصّ كلَّه يقوم على مغالطةٍ مركزيةٍ: لقد أبطلنا بعض التفسيرات الخرافيَّة للظواهر الطبيعيَّة، إذن: أبطلنا الإيمان بالله!
والحال أنَّ هاتين القضيتين مختلفتان تماماً؛ فرفض الخرافة لا يستلزم رفض الدين، كما أنَّ قبول العلم لا يستلزم الإلحاد، بل إنَّ السؤال عن الله لم ينشأ تاريخياً من الجهل بالبرق والرعد، وإنَّما من أسئلةٍ أعمق بكثيرٍ تتعلّق بوجود الكون، ومعنى الوعيّ، وأصل العقل، وإمكان المعرفة، وموضوعيَّة القيم الأخلاقيَّة، وهي أسئلةٌ لا تزال مطروحةً اليوم كما كانت مطروحةً قبل آلاف السنين.
لذلك فإنَّ التقدّم العلميّ لا يجعل فكرة الله أقلّ ضرورةً، وإنَّما يجعل السؤال أكثر عمقاً: كيف نشأ كونٌ منظمٌ وقابلٌ للفهم إلى هذا الحدّ؟ ومن أين جاءت القوانين التي جعلت العلم نفسه ممكناً؟ هذه أسئلةٌ لا يجيب عنها المختبر؛ لأنَّها تسبق المختبر نفسه.
اترك تعليق