هل نظرية الفيض منسجمة مع عقيدة أهل البيت (ع)؟
السؤال: ما هي نظرية الفيض؟ وهل لها أثرٌ في كلام أهل البيت (عليهم السلام)؟ وما هي الاعتراضات العقائديَّة والعقليَّة والنقليَّة عليها إنْ وُجدتْ؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
نظرية الفيض من النظريات الفلسفيَّة التي اشتهرتْ عند الفلاسفة اليونانيينَ، ثمَّ انتقلتْ إلى الفلسفة الإسلاميَّة عبر كتابات الفارابيّ وابن سينا وغيرهما. وخلاصتها أنَّ صدور الموجودات عن الله تعالى لا يكون على نحو الخلق المباشر والإرادة الاختياريَّة، وإنَّما على نحو «الفيض» الضروريّ، بمعنى أنَّ وجود العالم يترتب على وجود الله كما يترتب الضوء على الشمس أو الحرارة على النار.
فالله تعالى - بحسب هذه النظرية - هو المبدأ الأول، ومنه يفيض العقل الأول، ومن العقل الأول يفيض العقل الثاني والنفس الأولى، وهكذا تتسلسل العقول حتى ينتهي الأمر إلى عالم المادة.
وقد لجأ الفلاسفة إلى هذه النظرية لحلِّ إشكالٍ مشهورٍ عندهم، وهو: كيف يصدر الكثير عن الواحد البسيط؟ فقالوا: إنَّ الواحد لا يصدر عنه مباشرةً إلا واحدٌ؛ ولذلك جعلوا بين الله والعالم سلسلةً طويلةً من الوسائط والعقول.
أما عن وجود هذه النظرية في كلام أهل البيت (عليهم السلام)، فالجواب يحتاج إلى شيءٍ من الدقةِ؛ فإنَّ بعض المصطلحات التي استعملها الفلاسفة كـ «الفيض» و«الصادر الأول» و«العقل الأول» لا نجدها بهذا البناء الفلسفيّ في الروايات. نعم، توجد في التراث الروائيّ نصوصٌ تتحدّث عن أنَّ الله خلق نور النبيّ وأهل بيته (عليهم السلام) قبل سائر الخلق، أو أنَّ الله خلق العقل أّولاً، أو أنَّ الأشياء تجري عبر أسبابٍ ووسائطَ جعلها الله تعالى، إلا أنَّ تحويل هذه النصوص إلى نظريةٍ فلسفيَّةٍ متكاملةٍ على الطريقة الفلسفيَّة أمرٌ آخرٌ.
ولهذا وقع خلافٌ بين العلماء؛ فبعضهم رأى أنَّ بعض مضامين نظريّة الفيض يمكن التوفيق بينها وبين الروايات إذا فُهمتْ على أنَّها بيانٌ لمراتب الخلق والوسائط التي جعلها الله تعالى، لا على أنَّها صدورٌ ضروريٌّ خارجٌ عن الإرادة الإلهيَّة. بينما رأى آخرون أنَّ النظرية الفلسفيَّة بصيغتها الأصليَّة تتعارض مع ظواهرَ كثيرةٍ من القرآن والروايات.
ومن أهمِّ الاعتراضات العقليَّة على نظرية الفيض: أنَّ القول بالصدور الضروريّ للموجودات عن الله يقترب كثيراً من نفي الاختيار الإلهيّ؛ لأنَّ العالم حينئذٍ لا يكون مخلوقاً بإرادةٍ واختيارٍ، بل يكون لازماً لذات الله كما يلزم الضوء الشمس، وهذا يتنافى مع ما تدلُّ عليه البراهين العقليَّة من أنَّ الله فاعلٌ مختارٌ، يفعل إذا شاء ويترك إذا شاء.
كما يُعترض عليها: بأنَّ قاعدة «الواحد لا يصدر عنه إلا واحدٌ» ليستْ قضيةً بديهيةً، ولا برهاناً عقلياً قاطعاً، بل هي مجرد دعوى فلسفيَّةٍ مختلفٍ فيها. فإذا كان الله قادراً مطلقاً فلا مانع عقلاً من أنْ يخلق أشياءَ كثيرةً ومتنوعةً بإرادةٍ واحدةٍ.
ويُعترض عليها أيضاً: بأنَّ سلسلة العقول الطويلة التي افترضها الفلاسفة لا يوجد عليها دليلٌ عقليٌّ ملزمٌ، بل تبدو أقربَ إلى البناء النظريّ الذي وُضع لحلِّ مشكلةٍ فلسفيَّةٍ مسبقةٍ.
أما من الناحية النقليَّة، فإنَّ القرآن الكريم يصف الله تعالى بأنَّه خالقٌ مختارٌ يفعل ما يشاء:﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]، ويقول: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27]، وهذه التعابير ظاهرةٌ في الاختيار والإرادة لا في الفيض الضروريّ.
كما أنَّ الروايات الكثيرة تؤكد أنَّ الله تعالى خلق الخلق بمشيئته وإرادته وقدرته، ومن ذلك ما رُوِيَ عن الإمام الصادق (عليه السلام): «خلق الله المشيئة بنفسها، ثمَّ خلق الأشياء بالمشيئة» [الكافي ج1 ص110]، وهي روايةٌ يستدلُّ بها كثيرٌ من علماء الإمامية على أنَّ الخلق قائمٌ على المشيئة الإلهيَّة لا على الضرورة الذاتيَّة.
ولهذا نجد أنَّ جمهور علماء الإمامية لم يتبنَّوا نظريّة الفيض بصيغتها الفلسفيَّة الخالصة، وإنْ كان بعض كبار الفلاسفة والعرفاء المسلمين قد حاولوا إعادة تفسيرها بما يجعلها منسجمةً مع عقيدة الخلق والإرادة الإلهيَّة. فالمشكلة الأساسيَّة ليستْ في القول بوجود وسائطَ وأسبابٍ في نظام الخلق، فهذا أمرٌ قد تؤيدُه النصوص الدينية نفسُها، وإنَّما في تفسير هذه الوسائط على نحوٍ يجعل صدور العالم عن الله أمراً ضرورياً لا اختيار فيه.
وعليه، فإنَّ الاعتراض الرئيسَ على نظرية الفيض ليس كونَها تُثبت وسائطَ بين الله والعالم، بل كونَها -في بعض صيغها الفلسفيَّة-تُضعف مفهوم الإرادة والاختيار الإلهيّ، وتبني تصوراً للخلق لا ينسجم مع ظاهر القرآن الكريم وكثيرٍ من روايات أهل البيت (عليهم السلام). أما إذا استُخدم لفظ «الفيض» بمعنى إفاضة الوجود على الخلق بإرادة الله ومشيئته ومن خلال الأسباب التي جعلها سبحانه، فلا إشكال في أصل هذا المعنى، وإنَّما يقع الخلاف في البناء الفلسفيّ الخاصِّ الذي أقامه الفلاسفة حوله.
اترك تعليق