هل زيارة يوم الغدير صحيحة؟

السؤال: يدَّعي بعض المنحرفين أنَّ زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم الغدير ضعيفةٌ السند، فهل صحَّ قوله هذا أم لا، يُرجى توضيح ذلك؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

لا بأس أنْ يعلم السائل بأنَّ هناك عدداً من الزيارات المأثورة في حقِّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم الغدير الأغر، ولعلَّ أبرزها وأشهرها الزيارة المروية عن الإمام العسكريّ، عن أبيه الإمام الهاديّ (عليهما السلام)، ولتوضيح ذلك بشيءٍ من التفصيل، نعقد البحث في أمرين:

الأمر الأوَّل: تحقيق حال السند:

روى الشيخ محمَّد بن جعفر المشهديّ (طاب ثراه) في زياراته (عليه السلام) المختصَّة بيوم الغدير، فقال ما نصُّه: (أخبرني الفقيه الأجل أبو الفضل شاذان بن جبرئيل القمِّيّ (رضي الله عنه)، عن الفقيه العماد محمَّد بن أبي القاسم الطبريّ، عن أبي عليّ، عن والده، عن محمَّد بن محمَّد بن النعمان، عن أبي القاسم جعفر بن قولويه، عن محمَّد بن يعقوب الكلينيّ، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي القاسم بن روح، وعثمان بن سعيد العَمْريّ، عن أبي محمَّد الحسن بن عليّ العسكريّ، عن أبيه (صلوات الله عليهما)، وذكر أنَّه (عليه السلام) زار بها في يوم الغدير في السنة التي أشخصه المعتصم، تقف عليه (صلوات الله عليه) وتقول: «السلام على محمَّد رسول الله، خاتم النَّبيّين، وسيد المرسلين، وصفوة ربِّ العالمين، أمين الله على وحيه، وعزائم أمره، الخاتم لما سبق، والفاتح لما استقبل، والمهيمن على ذلك كلِّه، ورحمة الله وبركاته وصلواته وتحياته.

السلام على أنبياء الله ورسله، وملائكته المقرَّبين، وعباده الصالحين، السلام عليك يا أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، ووارث علم النَّبيّين» ... إلى آخر الزيارة المباركة) [المزار الكبير ص263 ـ 282].

فالملاحَظ أنَّه يروي نصَّ الزيارة الكامل عن شيخه أبي الفضل شاذان بن جبرئيل القمِّيّ، عن الفقيه عماد الدين محمَّد بن أبي القاسم الطبريّ، عن أبي عليّ الطوسيّ، عن والده الشيخ الطوسيّ، عن محمَّد بن محمَّد بن النعمان المفيد، عن أبي القاسم جعفر بن قولويه، عن محمَّد بن يعقوب الكلينيّ، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن سفيري الإمام المهديّ (عليه السلام) أبي القاسم بن روح النوبختيّ، وعثمان بن سعيد العَمْريّ، عن إمامنا العسكريّ، عن أبيه (صلوات الله عليهما).

ولبيان الحال في هذا السند نقول:

1ـ أمَّا أبو الفضل شاذان بن جبرئيل القمِّيّ:

فهو من أجلَّاء فقهاء الإماميةّ، كما وصفه الشهيد الأوَّل محمَّد بن جمال الدين بن مكِّيّ العامليّ [يُنظر: ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة ج3 ص164].

وقال الشيخ الحرُّ العامليّ (طاب ثراه) في حقِّه: (الشيخ الجليل الثقة أبو الفضل شاذان بن جبرئيل بن إسماعيل القمِّيّ. كان عالماً فاضلاً فقيهاً عظيم الشأن جليل القدر، له كتبٌ منها: كتاب إزاحة العلَّة في معرفة القبلة عندنا منه نسخة.

ذكره الشهيد في الذكرى، وكتاب تحفة المؤلف الناظم وعمدة المكلَّف الصائم، وقد ذكرهما الشيخ حسنٌ في إجازته، يروي عنه فخَّار بن معد الموسويّ. وله أيضاً كتاب الفضائل حسنٌ عندنا منه نسخة) [أمل الآمل ج 2 ص131].

2ـ وأمَّا عماد الدين محمَّد بن أبي القاسم الطبريّ:

فهو العالم الجليل والثقة النبيل مؤلِّف الكتاب الموسوم بـبشارة المصطفى لشيعة المرتضى، صلوات الله عليهما وآلهما، من علماء الإماميةّ في القرن السادس الهجريّ.

قال الشيخ منتجب الدين الرازيّ في حقِّه: (الشيخ الإمام عماد الدين محمَّد بن أبي القاسم بن محمَّد بن عليّ الطبريّ الآمليّ الكجيّ، فقيهٌ ثقةٌ، قرأ على الشيخ أبي عليّ ابن الشيخ أبي جعفر الطوسيّ (رحمهم الله) وله تصانيف ... إلى قوله: قرأ عليه الشيخ الإمام قطب الدين أبو الحسين الراونديّ) [الفهرست ص163].

3ـ وأمَّا أبو عليّ الطوسيّ:

فهو الحسن بن الشيخ محمَّد بن الحسن الطوسيّ، والمعروف بالمفيد الثاني.

قال الشيخ الحر العامليّ (طاب ثراه) في حقِّه: (الشيخ أبو عليّ، الحسن بن محمَّد بن الحسن بن عليّ الطوسيّ. كان عالماً فاضلاً فقيهاً محدِّثاً جليلاً ثقةً، له كتب منها: كتاب الأمالي، وشرح النهاية، وغير ذلك.

وقال الشيخ منتجب الدين عند ذكره: فقيهٌ ثقةٌ عينٌ، قرأ على والده جميع تصانيفه، أخبرنا الوالد عنه، انتهى. وذكره ابن شهر آشوب وقال: له المرشد إلى سبيل المتعبِّد) [أمل الآمل ج 2 ص77].

4ـ وأمَّا والده الشيخ الطوسيّ:

فهو شيخ الطائفة المحقَّة الثقة الجليل أبو جعفر محمَّد بن الحسن الطوسيّ صاحب المصنَّفات الجليلة.

قال الشيخ النجاشيّ (طاب ثراه) في حقِّه: (أبو جعفر جليلٌ في أصحابنا، ثقةٌ عينٌ، من تلامذة شيخنا أبي عبد الله. له كتب، منها كتاب تهذيب الأحكام وهو كتابٌ كبيرٌ، وكتاب الاستبصار، وكتاب النهاية، وكتاب المفصح في الإمامة، وكتاب ما لا يسع المكلَّف الإخلال به، وكتاب العدَّة في أصول الفقه) [رجال النجاشيّ ص403].

5ـ وأمَّا محمَّد بن محمَّد بن النعمان البغداديّ:

فهو أشهر من أنْ يُذكرَ، وكفى في فضله وشرفه أنْ يُوصفَ بالشيخ المفيد.

قال الشيخ النجاشيّ (طاب ثراه) في حقِّه: (شيخنا وأستاذنا (رضي الله عنه). فضله أشهر من أنْ يوصف في الفقه والكلام والرواية والثقة والعلم. له كتب: الرسالة المقنعة، الأركان في دعائم الدين، كتاب الإيضاح في الإمامة، كتاب الإفصاح في الإمامة، كتاب الإرشاد، كتاب العيون والمحاسن، كتاب الفصول من العيون والمحاسن، كتاب الرد على الجاحظ العثمانيّة، كتاب نقض المروانيّة، كتاب نقض فضيلة المعتزلة، كتاب المسائل الصاغانيّة، كتاب مسائل النظم، كتاب المسألة الكافئة في إبطال توبة الخاطئة) [رجال النجاشيّ ص399].

6ـ وأمَّا أبو القاسم جعفر ابن قولويه:

فهو صاحب كتاب كامل الزيارات المعروف، من أجلِّ وأوثقِ علماء الطائفة المحقَّة.

قال الشيخ النجاشيّ (طاب ثراه) في حقِّه: (جعفر بن محمَّد بن جعفر بن موسى بن قولويه، أبو القاسم وكان أبوه يُلقَّب مسلمة، من خيار أصحاب سعد. وكان أبو القاسم من ثقات أصحابنا وأجلَّائهم في الحديث والفقه، روى عن أبيه وأخيه عن سعد، وقال: ما سمعت من سعدٍ إلَّا أربعة أحاديث. وعليه قرأ شيخنا أبو عبد الله الفقه ... وكلُّ ما يوصف به الناس من جميلٍ، وثقةٍ، وفقهٍ فهو فوقه) [رجال النجاشيّ ص123].

7ـ وأمَّا محمَّد بن يعقوب الكلينيّ:

فهو أبو جعفر صاحب كتاب الكافي المعروف، من أجلِّ وأوثقِ علماء الطائفة المحقَّة أيضاً.

قال الشيخ النجاشيّ (طاب ثراه) في حقِّه: (محمَّد بن يعقوب بن إسحاق أبو جعفر الكلينيّ، وكان خاله علان الكلينيّ الرازيّ. شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجههم، وكان أوثق الناس في الحديث، وأثبتهم. صنَّف الكتاب الكبير المعروف) [رجال النجاشيّ ص377].

8ـ وأمَّا عليّ بن إبراهيم:

فهو أبو الحسن القمِّيّ صاحب كتاب تفسير القمِّيّ المعروف، من أجلِّ وأوثقِ علماء الطائفة المحقَّة أيضاً.

قال الشيخ النجاشيّ (طاب ثراه) في حقِّه: (عليّ بن إبراهيم بن هاشم أبو الحسن القمِّيّ، ثقةٌ في الحديث، ثبتٌ، معتمدٌ، صحيح المذهب، سمع فأكثر [وأكثر] وصنَّف كتباً، وأضرَّ في وسط عمره. وله كتاب التفسير) [رجال النجاشيّ ص260].

9ـ وأمَّا والده إبراهيم بن هاشم:

فهو من الثقات أيضاً، وهو أوَّل من نشر أحاديث الكوفيّين في قمَّ المقدَّسة، مع تشدد القمِّيين في ذلك.

قال السيد الخوئيّ (طاب ثراه) في حقِّه: (لا ينبغي الشك في وثاقة إبراهيم بن هاشم، ويدلُّ على ذلك عدَّة أمور: أنَّه روى عنه ابنه عليّ في تفسيره كثيراً، وقد التزم في أوَّل كتابه بأنَّ ما يذكره فيه قد انتهى إليه بواسطة الثقات .. إنَّ السيد ابن طاووس ادعى الاتفاق على وثاقته، حيث قال عند ذكره رواية عن أمالي الصدوق في سندها إبراهيم بن هاشم: ورواة الحديث ثقاتٌ بالاتفاق .. إنه أوَّل من نشر حديث الكوفيين بقمَّ، والقمِّيون قد اعتمدوا على رواياته، وفيهم من هو مستصعبٌ في أمر الحديث، فلو كان فيه شائبة الغمز لم يكن يُتسالَم على أخذ الرواية عنه وقبول قوله) [معجم رجال الحديث ج1 ص291، بتصرُّفٍ].

10ـ وأمَّا السفيران ـ أبو القاسم بن روح النوبختيّ، وعثمان بن سعيد العَمْريّ ـ:

فهما أعلى من مرتبة الوثاقة والجلالة بضرورة المذهب الحق؛ ولذلك فلا يناسب التعرُّض إلى حالهما من جهة الوثاقة وعدمها، كما هو واضح.

وهما ـ رضوان الله عليهما ـ ينقلان الزيارة الكاملة عن إمامنا وسيدنا أبي محمَّد الحسن العسكريّ، وهو عن أبيه الإمام الهاديّ (صلوات الله عليهما)، أنه زار جدَّه أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم الغدير المبارك بهذه الزيارة.

الأمر الثاني: كلمات الأعلام:

إنَّ المتتبِّع لكلمات الأعلام والمحققين يلحظ أنَّهم قد صرَّحوا بصحَّة سند الزيارة المباركة وقوَّة مضمونها، ما يكشف عن مكانتها الرفيعة، ومدى اعتمادهم عليها. نكتفي بذكر بعضٍ منها؛ روماً للاختصار، وخشية التطويل.

1ـ قال الشيخ عبَّاس القمِّيّ (طاب ثراه) في زيارات الأمير (عليه السلام) المخصوصة ما هذا نصُّه: (الثانية: زيارةٌ مرويةٌ بأسنادٍ معتبرةٍ عن الإمام عليّ بن محمَّد النقيّ (عليه السلام) قد زار (عليه السلام) الأمير (عليه السلام) يوم الغدير في السنة التي أشخصه المعتم) [مفاتيح الجنان ص٥٤٣].

2ـ وقال العلَّامة المحقق السيد محمَّد مهدي الخرسان (طاب ثراه) في خضمِّ كلامه عن العبَّاس بن عبد المطَّلب، قال ما هذا نصُّه: (كما ورد التنويه بذكره في زيارة يوم الغدير المروية عن الإمام الهاديّ (عليه السلام) بإسنادٍ معتبرٍ) [موسوعة عبد الله بن عبَّاس ج1 ص160].

3ـ وقال المرجع السيد محمَّد سعيد الحكيم (طاب ثراه): (يبدو أنَّ الإمام أبا الحسن عليّ بن محمَّد الهاديّ (صلوات الله عليه) قد حاول أنْ يجمع ما ورد عمَّن قبله من آبائه (صلوات الله عليهم) ـ في بيان رفعة مقام أهل البيت ووجوب موالاتهم وبيان جريمة أعدائهم ووجوب البراءة منهم ـ في الزيارتين المشهورتين: الزيارة الجامعة الكبيرة لجميع الأئمَّة (صلوات الله عليهم)، وزيارة أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام يوم الغدير ... فقد أفاضت هاتان الزيارتان في هذين الأمرين بنحوٍ يصلحان لأنْ يكونا بمجموعهما أطروحةً كاملةً عن الموقف العقائديّ الشيعيّ من أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام)، ومن أعدائهم وخصومهم، ليكونا سبباً لتذكير عموم الشيعة بعقيدتهم وتركيزها في نفوسهم) [فاجعة الطف ص٥٤٤].

4ـ وقال العلَّامة السيد محمَّد عليّ الميلانيّ (طاب ثراه) ما نصُّه: (وردت عن الإمام الهاديّ (عليه السلام) زيارتان، وهما موسوعتا عقائد الشيعة، أحدهما: الزيارة الجامعة الكبيرة، والأخرى: زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الغدير) [شرح زيارة أمير المؤمنين يوم الغدير ص23].

5ـ وقال العلَّامة الشيخ عليّ الكورانيّ (طاب ثراه) ما نصُّه: (تضمَّنت زيارة الغدير أهمَّ أسس عقيدة الولاية الواجبة على المسلمين لأمير المؤمنين وأئمَّة عترة النَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله)) [الإمام عليّ الهاديّ ص273].

إلى غيرها من كلمات الأعلام الدالَّة على صحَّة سندها وعلو مضمونها.

والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم الغدير الأغر من أصحِّ الزيارات سنداً وأعلاها مضموناً، كما تبيَّن تفصيله. رزقنا الله تعالى زيارته في الدنيا، وشفاعته في الآخرة.. وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين.