هل تؤدي المهدوية الشيعية إلى تعطيل العمل السياسي؟
السؤال: الفكر السياسيّ الشيعيّ، وخصوصاً الاثني عشريّ، يحمل في داخله مأزقاً حقيقيّاً لا يمكن القفز عليه، وهو المهدويَّة التأجيليَّة، أي تحويل غيبة الإمام المهديّ إلى مبررٍ تاريخيٍّ لتعليق الفعل السياسيّ. هذا المأزق استمر عمليّاً منذ الغيبة الكبرى للإمام المهديّ عام 329هـ، وتحول مع الزمن من اجتهادٍ فقهيٍّ محدودٍ إلى مزاجٍ عامٍّ يجرِّم التدخل في التاريخ بحجَّة انتظار الخلاص. فكرة التأجيل الشيعيَّة موجودةٌ في كتب كبار الفقهاء الجعفريّين، من الشيخ الطوسيّ إلى العلَّامة الحلّيّ، وترسَّخت أكثر بعد القرن السابع عشر، وهي تفيد بأنَّ إقامة العدل الكامل غير ممكنة في زمن غيبة المهديّ، وأن ازدياد الظلم في العالم شرط من شروط ظهور الإمام المهديّ، وهو ما جعل مقاومة الظلم فعلاً بلا جدوى، بل أحياناً فعلاً مضادّاً للإرادة الإلهيَّة، النتيجة كانت انسحاباً منظَّماً من السياسة وانزواءً شيعيّاً كاد يفني الوجود الاثني عشريّ من العالم الإسلاميّ.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الطرح يقوم على عددٍ من الافتراضات المسبقة التي تحتاج إلى تفكيكٍ منهجيٍّ قبل الحكم عليه؛ لأنّ المشكلة فيه ليست في «النتيجة» التي يصل إليها فحسب، بل في الطريقة التي بُنيت بها مقدماته، حيث جُمعت قضايا متعدِّدة في سياقٍ واحدٍ، ثمّ أُنتِجَ منها حكماً عامّاً لا يعكس حقيقة الفكر الشيعيّ ولا تطوره التاريخيّ.
أوّل ما ينبغي توضيحه: أنَّ وصف الفكر السياسيّ الشيعيّ، وخصوصاً الاثني عشريّ، بأنَّه قائم على «المهدويَّة التأجيليَّة» هو تعميمٌ لا يستند إلى قراءةٍ دقيقةٍ للمصادر، بل إلى انتقاء بعض الاتّجاهات وتحويلها إلى أصلٍ عامّ. فالفكر الشيعيّ منذ بداياته لم يكن كتلة واحدة، بل عرف تنوُّعاً في المواقف من السلطة والسياسة، بين اتّجاهاتٍ تميل إلى الحذر، وأخرى تمارس الفعل السياسيّ بدرجاتٍ مختلفةٍ بحسب الظروف التاريخيَّة. وهذا التنوُّع يدلُّ على أنَّ المسألة لم تكن عقيدةً جامدةً تُلزم الجميع، بل اجتهادات بشريَّة تتفاعل مع الواقع.
أمّا ربط «الغيبة» بفكرة تعليق الفعل السياسيّ فهو خلطٌ بين مستويين مختلفين: مستوى «الشرعيَّة الكاملة» للحكم، ومستوى «إدارة الواقع». نعم، الفكر الإماميّ يرى أنَّ النموذج الأكمل للحكم هو ما يكون تحت قيادة الإمام المعصوم، لكن هذا لا يعني أنَّ كلّ فعلٍ سياسيٍّ في غيبته يصبح محرَّماً أو مؤجَّلاً.
أمّا القول بأنَّ فكرة التأجيل «موجودة في كتب كبار الفقهاء من الشيخ الطوسيّ إلى العلَّامة الحلّيّ»، فهو يحتاج إلى تدقيقٍ في فهم نصوصهم، فهؤلاء الأعلام لم يقولوا بتعطيل الحياة السياسيَّة، ولا بتحريم مقاومة الظلم، وإنَّما كانوا يناقشون مسألة «شرعيَّة إقامة الدولة الكاملة» في غياب الإمام المعصوم، وهي مسألة تختلف تماماً عن «جواز العمل السياسيّ». والخلط بين هذين المستويين هو الذي يؤدي إلى هذا الفهم الخاطئ.
وأما ما يُذكر من أن «ازدياد الظلم شرط لظهور الإمام المهديّ» وأن ذلك أدَّى إلى تعطيل مقاومته، فهو أيضاً مبنيٌّ على فهمٍ غير دقيقٍ للروايات، فالروايات - التي تتحدث عن امتلاء الأرض ظلماً - لا تقدِّم هذا الامتلاء بوصفه «مطلوباً شرعاً» أو «هدفاً ينبغي السعي إليه»، بل تصفه بوصفه واقعاً سيحدث نتيجة انحراف البشر. وهناك فرقٌ جوهريٌّ بين «الإخبار عن واقع» و«الأمر بصناعته». فكما أنَّ الإخبار بوقوع الفتن لا يعني الدعوة إليها، كذلك الإخبار بانتشار الظلم لا يعني الرضا به أو ترك مقاومته.
بل إنَّ المنظور القرآنيّ العامّ يؤكّد أنَّ مقاومة الظلم واجب مستمرّ، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113]، وقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: 135]. وهذه القيم لم تُعلَّق في زمن الغيبة، بل بقيت أساساً للتكليف الشرعيّ، وهو ما يجعل فكرة «انتظار الظلم» بمعنى القبول به فكرةً غريبةً عن روح النصوص.
وأمّا الادّعاء بأنَّ هذا الفهم أدَّى إلى «انسحابٍ منظَّمٍ من السياسة كاد يفني الوجود الاثني عشريّ»، فهو قراءةٌ انتقائيَّةٌ للتاريخ. فالتاريخ الشيعيّ شهد فتراتٍ من الحضور السياسيّ الفاعل، كما شهد فتراتٍ من التراجع، وهذا أمرٌ لا يختص بالشيعة، بل هو سمةٌ عامَّةٌ في تاريخ الأمم، حيث تتأثر المجتمعات بعوامل القوَّة والضعف، والظروف السياسيَّة، والضغوط الخارجيَّة. فربط كل ذلك بعامل واحد هو «العقيدة المهدويَّة» تبسيط شديد لواقع معقَّد.
ثمّ إنّ التطوُّر الذي شهده الفكر الشيعيّ في العصور المتأخِّرة، خصوصاً في بلورة نظريَّاتٍ سياسيَّةٍ أكثر فاعليَّة، يدلُّ على أنَّ هذا الفكر لم يكن جامداً، بل قابلاً للمراجعة والتجديد ضمن أطره العامَّة. وهذا يعني أنَّ «الغيبة» لم تُفهم بوصفها حالة تعطيل، بل بوصفها ظرفاً يفرض البحث عن صيغٍ جديدةٍ لممارسة المسؤوليَّة.
وفي هذا الإطار، ينبغي التمييز بين «الانتظار السلبيّ» و«الانتظار الإيجابيّ». فالأول يعني التواكل وتعليق المسؤوليَّة، وهذا لا يجد له أساساً قويّاً في النصوص المعتمدة، بينما الثاني يعني الاستعداد المستمرّ لإقامة العدل، من خلال إصلاح النفس والمجتمع، والعمل على تقليل الظلم لا زيادته، وهذا الفهم الثاني هو الذي ينسجم مع مجمل التعاليم الإسلاميَّة.
إنّ الإشكال الحقيقيّ في هذا الطرح أنَّه ينظر إلى فكرة «المهدويَّة» من زاويةٍ واحدةٍ، ويغفل بعدها القيميّ والروحيّ، حيث تمثِّل هذه الفكرة في الوعي الشيعيّ أملاً دائماً بإمكانيَّة تحقُّق العدل، لا مبرراً لتعطيله. فهي تمنح الفعل الإنسانيّ معنى، وتربطه بأفقٍ أوسع، بدل أنْ تحصره في نتائج آنية قد تدفع إلى اليأس.
وفي المحصِّلة، فإن القول بأن الفكر السياسيّ الشيعيّ يقوم على «تعليق الفعل السياسيّ» بسبب الغيبة هو حكم لا يصمد أمام الفحص الدقيق؛ لأنَّه يقوم على خلطٍ بين المفاهيم، وانتقاءٍ للنصوص، وتبسيط للتاريخ. والواقع أنَّ هذا الفكر، كغيره من التيارات، عرف تفاعلاً مستمرّاً مع تحديات الواقع، ولم يكن يوماً نظريَّةً واحدةً جامدةً تفرض الانسحاب من الحياة، بل إطاراً فكريّاً مفتوحاً للاجتهاد، يجمع بين الإيمان بالعدل النهائيّ، والعمل على تحقيق ما يمكن منه في الحاضر.
اترك تعليق