هل «وحدة الوجود» تنسجم مع توحيد القرآن وأهل البيت (ع)؟

السؤال: يقول أهل التصوف: إنَّ الموجودات حقيقة ليس إلّا شيئاً واحداً هو ذات الوجود، وأمّا التعدّد والتكثّر فأمرٌ اعتباريّ، لا على سبيل التنزّل في أصل الذات كما قال الأوّلون، بل الذات الواحد هو عين تلك التعدّدات في الواقع إلّا أنَّ العقل يغلط فيزعم أنَّها غيره، مثل البحر وأمواجه، فكما أنَّ الأمواج ليست على كثرتها إلّا البحر، كذلك اللَّه وخلقه. هل ورد عن الأئمة (عليهم السلام) ما يثبت ذلك أو ينفيه؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

بدايةً ينبغي أن يُعلم أنَّ قول الحكماء بوحدة الوجود له عدّة معانٍ منها ما ينفي التعدّد والمباينة بين اللَّه سبحانه وخلقه وهو ما ورد في السؤال، فنقول:

هذا الكلام الذي يُتداول عند بعض أهل العرفان والتصوّف – تحت عنوان «وحدة الوجود» – والقائم على أنَّ الموجود الحقيقي واحد، وأنَّ التعدّد مجرّد اعتبار ذهني، وأنَّ الخالق بسيط الوجود وبسيط الوجود هو عين كل الأشياء لا أنَّه شيء منها، هذا البناء الفكري برمّته لا أصل له في كلمات أهل البيت (عليهم السلام)، لا تصريحاً ولا تلميحاً.

بل إنَّ ظاهر نصوصهم في التوحيد – بل صريحها – قائمٌ على نفي هذا التصوّر من جذوره، لأنَّه يقوم على إلغاء الفارق الحقيقي بين الخالق والمخلوق، وهو ما ترفضه عقيدة التوحيد كما قرّرها القرآن وبيّنها الأئمة (عليهم السلام).

فالتوحيد في الإسلام لا يعني مجرّد «وحدة» مبهمة، بل يعني أنَّ اللَّه واحد لا شريك له، خالق لكل شيء، مباين لخلقه، قائم بنفسه، وكل ما سواه قائمٌ به ومفتقرٌ إليه، وهذا البناء العقدي ينهار تماماً إذا قيل إنَّ المخلوقات هي «عينه»، وأنَّه واحدٌ في عين كونه كثيراً، وكثيرٌ في عين كونه واحداً، وأنَّ الفوارق بين الأشياء مجرّد اعتباراتٍ ذهنيّةٍ لا وجود لها في الخارج، فبهذا الطرح تُلغى حقيقة الخلق من أصلها، ولا يبقى هناك خالق ومخلوق، بل يُختزل الجميع في «وجود واحد» يُفسَّر بأنَّه مشكّك، وتُجعل الكثرة وهماً عقليّاً لا حقيقة له.

وهذا ليس تفسيراً للتوحيد، بل إلغاءٌ له؛ لأنَّه يسقط الحدّ الفاصل الذي يقوم عليه أصل العقيدة، ويحوّل الخلق من فعلٍ إلهيٍّ إلى مجرّد تجلٍّ أو ظهورٍ لا يثبت معه تمايز حقيقي بين اللَّه وخلقه.

فالقرآن يرسم الحدّ الفاصل بوضوحٍ لا يقبل التأويل الملتبس: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62]، وهذا يعني ثنائيةً حقيقيةً لا يمكن تجاوزها: خالقٌ من جهة، ومخلوقٌ من جهةٍ أخرى، ثم يؤكّد هذا الفصل بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، وهو نفيٌ قاطعٌ لأيِّ سنخيّةٍ أو مماثلةٍ أو اشتراكٍ في الحقيقة، فلو قيل: إنَّ الموجودات هي عين اللَّه، أو أنَّها ظهوره على نحو الوحدة الحقيقيَّة، للزم من ذلك إثبات نوعٍ من المشاركة في الوجود أو المجانسة في الحقيقة، وهو ما يهدم هذا الأصل القرآني من أساسه.

فالنصّ لا يترك مجالاً لمثل هذه التصوّرات، بل يقطع الطريق عليها صراحةً؛ لأنَّ التوحيد فيه قائمٌ على التمييز لا على الذوبان، وعلى التنزيه لا على الاتّحاد والوحدة.

أمّا روايات أهل البيت (عليهم السلام) في التوحيد، فهي لا تكتفي بنفي هذا التصوّر، بل تهدمه من أساسه بعباراتٍ صريحةٍ لا تحتمل التأويل، وتؤسّس لفاصلٍ حقيقيٍّ بين الخالق والمخلوق.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «دليلُه آياتُه، ووجودُه إثباتُه، ومعرفتُه توحيدُه، وتوحيدُه تمييزُه من خلقِه، وحُكمُ التمييز بينونةُ صفةٍ لا بينونةُ عزلةٍ، إنَّه ربٌّ خالقٌ غيرُ مربوبٍ مخلوق، كلُّ ما تُصوِّرُه فهو بخلافِه» [الاحتجاج ج1 ص299].

يربط الإمام في هذه الرواية التوحيد بالتمييز، وينفي أن يكون ما يُتصوّر في الذهن مطابقاً لذات اللَّه تعالى.

ويقول الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّ اللَّه تبارك وتعالى خلوٌ من خلقِه، وخلقُه خلوٌ منه» [الكافي ج1 ص82، التوحيد للصدوق ص105].

وهو فصلٌ قاطعٌ لا يبقي مجالاً لوهم الاتّحاد أو العينيّة.

ويقول الإمام الرضا (عليه السلام): «مباينتُه إيّاهم مفارقتُه إنيّتَهم، وكُنهُه تفريقٌ بينه وبين خلقِه، مباينٌ لا بمسافة، فكلُّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكلُّ ما يمكن فيه يمتنع عن صانعه» [التوحيد للصدوق ص36، الأمالي للطوسي ص22].

وهو نصٌّ صريحٌ في نفي أيّ سنخيّةٍ أو اشتراكٍ في الحقيقة.

ومضافاً إلى ذلك: ما تواتر في كلماتهم (عليهم السلام): من أنَّ اللَّه سبحانه كان ولا شيء معه، ممّا يؤكّد بأنَّ العلاقة بين اللَّه وخلقه علاقة إيجادٍ وخلقٍ، لا علاقة ظهورٍ وتجلٍّ بالمعنى الذي يذيب الفارق بينهما.

وعليه، فهذه النصوص لا تترك مجالاً لتأويلات «وحدة الوجود» بالمعنى الذي يُسقط التمايز، بل تقرّر تنزيهاً صارماً يقوم على المباينة الحقيقية بين اللَّه وخلقه.

نعم، يمكن فهم بعض عبارات العرفاء – إذا أُحسن تفسيرها – على أنَّها تتحدّث عن فقر الموجودات إلى اللَّه تعالى، وأنَّ وجودها قائمٌ به، لا مستقلّ عنه، بمعنى أنَّها لا تملك وجوداً ذاتيّاً. هذا المعنى لا إشكال فيه إذا فُسِّر على أنَّه «قيام المخلوق بالخالق» لا «اتّحاد» ولا «وحدة حقيقة». لكن المشكلة حين يُتجاوز هذا الحدّ، ويُقال إنَّ الكثرة وهم، أو أنَّ الموجودات هي عين الذات الإلهية.

والأدق في التعبير – وفق النصوص الإسلامية – أن يُقال: الموجودات «غير اللَّه»، لكنَّها «مفتقرةٌ إليه»، ووجودها «مرتبطٌ به»، لا أنَّها هو بعينه؛ فالفارق محفوظٌ بين الخالق والمخلوق، مع الإقرار بأنَّ كل ما سواه قائمٌ به لا يستقل دونه.

وفي المحصّلة، لم يرد عن أهل البيت (عليهم السلام) ما يثبت وحدة الوجود بالمعنى الذي يذيب الفارق بين اللَّه وخلقه، بل ورد عنهم ما يؤكّد التنزيه والمباينة مع نفي التشبيه والتمثيل، وأي طرحٍ يُلغي هذا الفارق – مهما جُمّل بعباراتٍ عرفانيّةٍ – فهو خارجٌ عن ظاهر التوحيد الذي قرّره القرآن، وأكّدته روايات المعصومين.