هل يحق لأي سلطة التدخل في معتقدات الناس وتوجهاتهم؟
السؤال: وجهة نظر علماء الاجتماع الآن أنه لا يحق لأيِّ سلطة وتحت أيِّ ذريعة من الذرائع – دينيَّة، علمانية، تنظيميَّة،… - التدخُّل في أفكار ومعتقدات الناس أو طريقة ممارستهم لها أو أماكن ممارستهم لها، ما لم تتسبب هذه الممارسة بضرر ماديٍّ أو معنويٍّ أو عرقلة لحركة أطراف أخرى. هل هذا صحيح؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذه العبارة تعكس توجهاً معاصراً في بعض مدارس علم الاجتماع والفكر السياسيّ، لكنها ليست «حكماً علمياً نهائياً»، ولا محلَّ إجماع بين العلماء، بل هي موقفٌ فلسفيٌّ - سياسيٌّ مرتبطٌ برؤيةٍ ليبراليَّةٍ معيَّنةٍ حول الفرد والحرية ودور الدولة.
فالذي تقرِّره الأدبيات الحديثة في علم الاجتماع هو توصيف اتّجاهات المجتمعات وكيف تنظِّم العلاقة بين الفرد والسلطة، لا إصدار قواعد ملزمةٍ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ؛ ولهذا نجد داخل الفكر الغربيِّ نفسه مدارس متعدِّدة:
هناك مَن يوسِّع حرية الفرد إلى أقصى حدٍّ، وهناك مَن يرى ضرورة تدخُّل الدولة لضبط المجال العام، وهناك من يوازن بين الأمرين.
من جهةٍ، تُستند هذه الفكرة إلى ما يُعرف في الفلسفة السياسيَّة بـ «مبدأ الضرر» الذي اشتهر عند جون ستيوارت ميل، ومفاده: أنَّ تدخُّل السلطة لا يكون إلَّا لمنع الضرر عن الآخرين. هذا المبدأ أثّر فعلاً في القوانين الحديثة، خصوصاً في قضايا حرية المعتقد والتعبير.
لكن من جهةٍ أخرى، هذا المبدأ نفسه محلَّ نقاشٍ واسعٍ؛ لأنَّ تحديد «ما هو الضرر» ليس أمراً بسيطاً ولا متّفقاً عليه، فهل يُختزل الضرر في الجانب الماديِّ فقط، أم يشمل القيم العامَّة، والأمن الفكريَّ، والتماسك الاجتماعيَّ؟
كثيرٌ من المدارس الاجتماعيَّة ترى أنَّ الأفكار والمعتقدات قد يكون لها أثرٌ عميقٌ على المجتمع حتّى لو لم يظهر فوراً في صورة ضررٍ ماديٍّ مباشرٍ.
ولهذا، فإنَّ معظم الدول - حتى الأكثر ليبراليَّةً - لا تلتزم بهذه القاعدة بشكل مطلقٍ، بل تضع قيوداً واضحةً:
فتمنع خطاب الكراهية، وتقيِّد بعض الممارسات الدينيَّة أو الثقافيَّة إذا تعارضت مع النظام العامِّ، وتفرض أنماطاً تعليمةً أو قانونيَّةً لا يمكن للأفراد تجاوزها بدعوى الحرية الشخصيَّة، وهذا يدلُّ على أنَّ «عدم تدخُّل السلطة مطلقاً» ليس واقعاً عملياً، بل تصوراً نظرياً.
ومن الناحية الاجتماعيَّة، الدولة ليست جهةً محايدةً تماماً، بل هي مسؤولةٌ عن حفظ النظام العامِّ والقيم المشتركة التي يقوم عليها المجتمع، وإذا تُرك المجال مفتوحاً دون أيِّ ضوابط، فقد يؤدي ذلك إلى تفكُّك المعايير العامَّة، وظهور ممارساتٍ تضرُّ بالمجتمع على المدى البعيد، حتى لو لم تُصنَّف فوراً كـ «ضرر مباشرٍ».
وعليه، فالصحيح ليس القول: «لا يحق لأيِّ سلطة التدخُّل مطلقاً»، ولا القول بعكسه أيضاً، بل المسألة تقوم على توازنٍ دقيقٍ:
حرية المعتقد حقٌّ أساسيٌّ، لكن ممارستها في المجال العامِّ تخضع لضوابط تتعلق بحماية الآخرين، وبالحفاظ على النظام والقيم التي يتفق عليها المجتمع.
ومن زاوية الرؤية الإسلاميَّة، لا يُنظر إلى حريّة المعتقد بوصفها مجالاً فوضويّاً بلا ضوابط، ولا بوصفها مجالاً خاضعاً لهيمنة السلطة، بل تُفهم ضمن توازن بين حريّة الإنسان ومسؤوليّة المجتمع.
فالقرآن يقرِّر أصل الحريّة في الاعتقاد: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، لكنَّه في الوقت نفسه لا يعزل الدين عن المجال العامِّ، بل يجعله مرجعيةً قيميةً تضبط السلوك وتحفظ النظام الأخلاقيَّ.
ومن هنا، فإنَّ المعتقد في ذاته لا يُقسر عليه الإنسان، لكن ممارساته وآثاره في المجتمع تبقى خاضعةً لمعيار عدم الإضرار بالنظام العامِّ والقيم الأساسيَّة، وبذلك يجمع التصور الإسلاميُّ بين صيانة حرية الفرد ومنع تحوُّلها إلى أداة لهدم التوازن الاجتماعيِّ.
وفي المحصِّلة، هذه المقولة ليست «رأي علماء الاجتماع الآن» على نحو الإطلاق، بل هي اتّجاهٌ فكريٌّ ضمن اتّجاهاتٍ متعدِّدة، ولا يمكن تحويله إلى قاعدةٍ عامَّةٍ دون النظر إلى طبيعة المجتمع، وحدود الحرية، وتعريف الضرر، ودور الدولة في حفظ التوازن بين الفرد والجماعة.
اترك تعليق