الشك الممدوح والشك المذموم
السؤال: هل يعتبر الشكُّ في العقيدة كفراً، أو طريقاً للوصول إلى المعرفة؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
للإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من تفكيك مفهوم الشكّ نفسه؛ لأنّ إطلاق الحكم عليه دون تمييزٍ يؤدي إلى خلطٍ كبيرٍ، فالشكّ ليس حالةً واحدةً، ولا هو موقفٌ واحدٌ، بل له صورٌ ومراتبُ ونتائجُ مختلفةٌ.
أوّلاً: لا بدّ من التفريق بين الشكّ بوصفه خاطراً عارضاً، وبين الشكّ بوصفه موقفاً مستقرّاً؛ فالخواطر والأسئلة التي ترد على الذهن ليست كفراً؛ لأنّها لا تمثل تبنّياً واعياً لفكرةٍ، بل هي حركةٌ طبيعيةٌ للعقل في سعيه للفهم، فالإنسان قد تطرأ عليه تساؤلاتٌ مفاجئةٌ أو وساوسُ عابرةٌ، وهذه لا تخرجه من الإيمان ما دام يرفضها ولا يتبنّاها ولا يبني عليها موقفاً؛ فالإيمان لا يُنقض بالهواجس، وإنّما يُنقض بالاختيار الواعي.
وثانياً: في دائرة السؤال المعرفيّ ينبغي التفريق بين الشكّ المنهجيّ والشكّ العدميّ.
الشكّ المنهجيّ هو الذي يُتّخذ أداةً للفحص، لا غايةً في ذاته، وهذا النوع من الشكّ ليس انحرافاً، بل قد يكون ضرورةً في زمنٍ تختلط فيه المفاهيم وتتكاثر فيه الشبهات، فالعقيدة التي لم تمرّ بمرحلة تمحيصٍ قد تبقى هشّةً؛ لأنّها قائمةٌ على الموروث لا على الفهم. لذلك فإنّ الشكّ الذي يدفع إلى البحث، والبحث الذي يقود إلى الدليل، والدليل الذي ينتج يقيناً، هو مسارٌ طبيعيّ في نمو المعرفة.
أمّا الشكّ العدميّ فهو مختلفٌ تماماً، هو لا يشكّ ليصل، بل يشكّ ليبقى شاكّاً، هو موقفٌ مسبقٌ يعتبر أنْ لا حقيقة يمكن الوثوق بها، وأنّ اليقين وهمٌ. هنا يتحول الشكّ من أداةٍ إلى هويةٍ، ومن مرحلةٍ إلى استقرارٍ.
وهذا النوع لا يقود إلى معرفةٍ؛ لأنّه يرفض من حيث الأصل إمكان الوصول إلى معرفةٍ. ولذلك فهو لا يفتح باباً، بل يغلق كلّ الأبواب.
وثالثاً: من الناحية العقائديَّة، الكفر لا يتحّقق بمجرّد وجود سؤالٍ داخليٍّ، بل يتحقّق بالإنكار الواعي بعد قيام الحجّة ووضوح الدليل. الفرق الجوهريّ بين المتسائل والجاحد هو الموقف عندما تتّضح الحقيقة. من يبحث بصدقٍ، فإذا ظهرت له الحجّة قبلها، أمّا مَن تقوم عليه الحجّة ثم يُعرض عنها عناداً أو استكباراً، فهذا هو موضع الإشكال العقائديّ، الكفر موقفٌ إراديّ، لا مجرد حالةٍ ذهنيةٍ عابرةٍ.
ورابعاً: كثيرٌ من الشكوك التي تُطرح اليوم ليست معرفيّةً خالصةً، بل نفسيّةٌ أو اجتماعيّةٌ. أحياناً يكون الشكّ انعكاساً لخيبةٍ شخصيّةٍ، أو صدمةٍ سلوكيّةٍ من بعض المتديّنين، أو قراءةً مشوّهةً للدين في الواقع. في هذه الحالات، معالجة الشكّ لا تكون فقط بإقامة البرهان، بل بإعادة تصحيح الصورة، وبناء الثقة، وتفكيك التجربة السلبيّة التي وُلد منها السؤال؛ لأنّ الشكّ إذا كان جذره وجدانيّاً فلن يكفيه جوابٌ منطقيّ مجرّدٌ.
وخامساً: الخطر الحقيقيّ ليس في أن يسأل الإنسان، بل في أنْ يتّخذ الشكّ ملجأً دائماً يهرب إليه من الالتزام، هناك فرقٌ بين مَن يسأل ليزداد وضوحاً، ومَن يسأل ليؤجل القرار، الأول يسير نحو اليقين، والثاني يؤجل الحسم حتى يتحول التردد إلى قناعةٍ سلبيةٍ.
وفي المحصّلة، لا يمكن إصدار حكمٍ واحدٍ على الشكّ، فقد يكون بداية انهيارٍ إذا اقترن بالإعراض والعناد، وقد يكون بداية نضجٍ إذا اقترن البحث والتجرد، فالإيمان ليس غياب الأسئلة، بل حسن إدارة الأسئلة، والكفر ليس خاطراً يمرّ، بل قراراً يتخذ بعد وضوح الطريق.
لذلك فالسؤال الأدق ليس: هل الشكّ كفرٌ؟ بل: ما هو اتجاه الشكّ؟ إن كان يتجه نحو الحقيقة فهو خطوةٌ في طريق المعرفة، وإن كان يتجه نحو الهروب من الحقيقة فهو انحرافٌ عنها، فالفرق ليس في وجود السؤال، بل في الموقف الذي نتخذه بعد السؤال.
اترك تعليق