شبهة عدم تحقق النصر الإلهي للحسين (ع)
السؤال: إذا كانت قيام الحسين (عليه السلام) ضدّ بني أميّة مشروعة وتمثّل جانب الحقّ في معركة كربلاء - كما يزعم الرافضة –، فلماذا كان النصر الإلهيّ حليف الجيش الأمويّ، وليس حليف الحسين، وقد قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
تنبئ الشبهة المذكورة عن غفلة بيّنة عن مجاري الحكمة الإلهيَّة، وقراءةٍ مجتزأة لحقيقة الصراع الدائر بين حزب الله وحزب الشيطان، كما أنَّّها شبهةٌ قديمةٌ وباليةٌ أسقطتها الأدلَّةُ الواضحة والبراهين الساطعة، فإنّها طُرَحت قديماً على الشيخ المفيد [ت413هـ]، وأجاب عنها بوجهين [ينظر: المسائل العكبريَّة ص72].
وكيفما كان، فإنَّ الإجابة عمَّا جاء فيها تارةً تكون بالنقض، وأخرى بالحَلّ، وإليك بيان ذلك مفصَّلاً:
الجواب الأوّل: الجواب النقضيّ:
لا يخفى على المؤمن البصير أنَّّ الانتصار العسكريّ في ميدان المعركة ليس بوصلةً لتحديد جهة الحقّ من الباطل، أو معياراً لمعرفة أنصار الله من غيرهم؛ إذ لو كان الأمر كذلك لكانت هزيمة المسلمين أمام المشركين في معركة أُحد كاشفةً عن بطلان الدعوة الإسلاميَّة وعدم صدق مدّعيها (أجلَّ الله شأنه وصلَّى عليه وآله)، بل لكان ذلك ينجرّ على الأعمّ الأغلب من دعوات الأنبياء التي غالباً ما كانت تنتهي بهزيمتهم عسكريّاً وأمنيّاً وقتلهم بأبشع الطرق، وهذا أمرٌ واضحٌ.
إنَّ الصراع الدائر والمستمر بين معسكر حزب الله ومعسكر حزب الشيطان له قوانين تحكمه؛ ومنها قانون «مداولة الأيام بين المعسكرين»؛ وهو قانونٌ لا يخرج عن حدود الحكمة الإلهيَّة الواسعة، وعن حاكميَّة الإرادة التكوينيَّة القاهرة للعباد، فقد ينصر الله عباده المؤمنين حينما يكون من الحكمة نصرهم، وقد يكون العكس فتكون الحكمة من هزيمتهم - مثلاً - هي الابتلاء والاختبار والتمحيص لهم، أو هي من باب السنن الإلهية في إمهال الظالمين، واستدراجهم بالنعيم الدنيوي، والإملاء لهم؛ كشفاً لسرائرهم، وإتماماً للحجة عليهم قبل حلول العقاب التاريخي والأخروي الأكبر بهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: 178].
قال تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 139ـ142].
وعلى جميع التقادير وأيّاً كانت نتائج ذلك الصراع، فإنَّها حتماً ستكون إيجابيَّةً بالنسبة لأنصار الله تعالى؛ إذ ليس هنالك إلّا النصر أو الشهادة، وسلبيَّةً لأعدائهم؛ إذ ليس لهم سوى الخسران المبين، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: 52].
الجواب الثاني: الجواب الحَلّيّ:
من المؤسف حقّاً أن يضيق أفق التفكير بالإنسان حتّى يصبح أسير عالم المادة، ومن ذلك توهّمه أنَّّ الله سبحانه متى ساق الدنيا إلى أحدٍ كان ذلك مؤشراً على كرامته عنده تعالى، ومتى حجبها عنه فهذا يعني هوانه عليه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون هذا التفكير الأعوج مرتبطاً بالجانب الاقتصاديّ ورخاء المعيشة كما نبّه عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 15–16]، أو يرتبط بالتفوّق في الجانب العسكريّ والأمنيّ.
وقد أشارت إليه شريكة الجهاد الحسينيّ مولاتنا الحوراء زينب (عليها السلام) في خطبتها أمام الطاغية يزيد بقولها: «أظننتَ يا يزيد حيث أخذتَ علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الأَسْرَى، أنَّ بنا هواناً على الله وبك عليه كرامة، وإنَّ ذلك لعظم خَطْرِك عنده فشمختَ بأنفك ونظرتَ في عطفك جذلان مسروراً حين رأيتَ الدنيا لك مُستوثقةً والأمور مُتّسقةً وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا.. فمهلاً مهلاً، أنسيتَ قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾» [اللهوف ص105].
وهذا ما وقع به صاحب الشبهة محل البحث، حينما توهّم أنَّّ عدم نصر الله تعالى للحسين (عليه السلام) ماديّاً دليلٌ على بطلان نهضته وهوانه – حاشاه – على الله، وقد غفل عن كون النصر والكرامة الإلهيّين لهما وجوهٌ متعدّدةٌ صرّحت بها النصوص الشرعيَّة، وهي جميعاً أسمى بكثيرٍ من النصر الآنيّ الماديّ فيما لو تحقّق آنذاك في كربلاء، وها نحن نذكر لذلك ثلاثةً من تلك الوجوه:
الوجه الأوَّل: النصر المعنويّ:
ليس بالضرورة أن يكون انتصار حزب الله ذا بعدٍ ماديٍّ وعسكريٍّ، وإنَّما يكون انتصاراً معنويّاً تقوم فيه الحجّة على أعداء الله ويُدحض بها الباطل، وتترسخ بحسبها قيم الإنسانيَّة ومبادئ السماء وتنهار أعراف الجاهليَّة، وترتوي بفيض النحور الطاهرة شجرة التوحيد وأصول العقيدة، وتشاد صروح الشرائع الإلهيَّة؛ لتمكث في الأرض وينتفع بها الناس، في الوقت الذي تتساقط فيه صروح الطواغيت وتتهاوى عروش الجبابرة، وتتلاشى معها عزّتهم الموهومة وانتصاراتهم الزائفة.
وهذا ما أشار إليه الإمام زين العابدين (عليه السلام) في جوابه التاريخي الحاسم لمن أراد الشماتة به من معاصريه ممن عميت بصيرتهم عن إدراك مآلات النهضة الحسينية، فقد روى شيخ الطائفة الطوسيّ بإسناده إلى عبد الله بن سيابة، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: «لمَّا قَدِم عليّ بن الحسين (عليهما السلام) وقد قُتل الحسين بن علي (صلوات الله عليهما) استقبله إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله، وقال: يا عليّ بن الحسين، مَن غَلَبَ؟ وهو مغطى رأسه، وهو في المحمل. قال: فقال له عليّ بن الحسين: إذا أردتَ أن تعلم مَن غلب، ودخل وقت الصلاة، فأَذِّنْ ثمَّ أَقِمْ» [الأمالي ص677].
والمعنى: أنَّّ الأذان والإقامة شعيرتان من الشعائر الإلهيَّة ومفتاحٌ للصلاة التي هي عمود الدين، كما أنَّّهما يحملان في طيّاتهما الشهادة بالتوحيد والنبوَّة، وأنت - أيها السائل الشامت - ستجهر بهما رغم أنفك عند دخول وقت الصلاة، وسيجهر بهما أيضاً سائر المسلمين، الأمر الذي يعني انتصار إرادة السماء وثبات تعاليم الرسالة ورسوخ قيمها ومبادئها بواسطة دماء سيّد الشهداء والثلّة الطاهرة التي تألّقت كالأنجم بين يديه (عليه وعليهم السلام).
الوجه الثاني: النصر الاستراتيجي التاريخي في مقابل الغلبة العسكرية المؤقتة:
إن من السنن الاجتماعية الحاكمة على حركة التاريخ، أن التضحية بالوجود المادي الموقت تكون أحياناً هي السبيل الأوحد لتخليد الفكرة والرسالة، فحسابات الأهداف الكبرى تختلف عن الحسابات الآنية الضيقة للمعارك الميدانية.
فمثل هذا التكتيكٌ معروف عسكرياً، وهو أن تخسر معركةً من المعارك وتفقد حلقةً من سلسلة الصراع الطويل، لتكسب الحرب في نهاية المطاف، فإنَّ تحقيق الهدف الاستراتيجي الأكبر يتطلّب أحياناً الكثير من التضحيات، ولابدَّ من النظر إلى المشهد من الأعلى وعدم التوقّف عند جزئيَّةٍ منه ما دام وجودها مكمّلاً له بوصفها طريقاً لتحقيق النصر الكامل والحفاظ على الهدف الاستراتيجي النهائي.
وهكذا هو الحال في معركة الطفّ الخالدة فإنَّ عدم انتصار الحسين (عليه السلام) عسكريّاً فيها، لا يعني الهزيمة ونهاية الصراع الدائر بين حزب الله وحزب الشيطان، بل هو مقدّمةٌ لكسب الحرب الأخيرة بشكلها الكامل ومفهومها الواسع والشامل لكلّ المجالات؛ من السياسيَّة والأمنيَّة والعسكريَّة والثقافيَّة والأخلاقيَّة والعقائديَّة وغيرها.
وهو طريق يضمن بقاء خط التوحيد حياً نابضاً حتى يبلغ غايته بظهور المصلح العالمي في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً. ويتأكد هذا النصر النهائي بمفهومه الأتمّ الذي تعتقد به المدرسة الإمامية في «عصر الرجعة» كأثر من آثار الغلبة الملكوتية لأولياء الله في هذه الأرض.
فقد روى الشيخ عليّ بن إبراهيم القمّيّ بإسنادٍ صحيحٍ إلى جميل بن درّاج عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «قلت: قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، قال: ذلك - والله - في الرجعة، أما علمتَ أنَّّ أنبياءَ كثيرين لم ينصروا في الدنيا وقُتلوا، والأئمَّة بعدهم قُتلوا ولم ينصروا، ذلك في الرجعة» [تفسير القمّيّ ج2 ص258].
بل إنَّ بشائر هذا النصر الكبير قد تحقّقت بالفعل، فما نلمسه اليوم من خلودٍ للحسين (عليه السلام) في ضمائر أحرار العالم، ومن حرارةٍ لمقتله في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً، وما نشاهده من رفع الله تعالى لذكره (عليه السلام) على مدى أُفُقَي الزمان والمكان لهو دليلٌ واضحٌ على أنَّّ الانتصار النهائيّ كان حليف الحسين (عليه السلام) وشيعته.
وإلى هذا المعنى يشير ما رواه ابن الشجريّ بإسناده من حديث أبي حمزة الثماليّ عن الإمام الباقر (عليه السلام)، فإنَّه بعد أن تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51]، قال: «الحسين بن عليّ منهم، ووالله إنَّ بكاءكم عليه وحديثكم بما جرى عليه وزيارتكم قبره نصرةٌ لكم في الدنيا، فأبشروا فإنَّكم معه في جوار رسول الله (صلى الله عليه وآله)» [فضل زيارة الحسين ص48].
وهذا هو أحد أبرز شواهد: (انتصار الدم على السيف).
الوجه الثالث: النصر في الآخرة:
قد ذكرنا لزوم توسعة آفاق النصر لتشمل آخر الزمان، ولكن للقرآن توسعة أكثر حيث يجعل تلك الآفاق ممتدّةً تتّسع حتّى عالم الآخرة التي هي دار الحيوان الحقيقيَّة والأبديَّة وعليها مدار السعادة والشقاء، ففي الآية المذكورة آنفاً، أعني قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51] تصريحٌ واضحٌ بتحقّق النصر الإلهيّ لأنبياء الله وأوليائه الصالحين يوم القيامة على رؤوس الأشهاد وأمام أنظار كافَّة الخلائق من الأوّلين والآخرين، وكفى بذلك نصراً عزيزاً لا نهاية له ولا انقضاء لأمده ولا حدّ لِسعته!.
قال شيخ الطائفة الطوسيّ عند تفسيره للآية: (أخبر الله تعالى عن نفسه بأنَّه ينصر رسله الذين بعثهم بالحقّ إلى خلقه وينصر الذين آمنوا به وصَدّقوا رسله في دار الدنيا، وينصرهم أيضاً يوم يقوم الأشهاد. والنصر: المعونة على العدو، وهو على ضربين: نصرٌ بالحجة ونصرٌ بالغلبة في المحاربة بحسب ما يعلم الله تعالى من المصلحة وتقتضيه الحكمة، هذا إذا كان في دار التكليف؛ فأمَّا نصره إيّاهم يوم القيامة فهو إعلاء كلمتهم وظهور حقهم وعلوّ منزلتهم وإعزازهم بجزيل الثواب وإذلال عدوّهم بعظيم العقاب) [تفسير التبيان ج9 ص85، وينظر: تفسير الرازيّ ج27 ص75].
ولمّا طُرح هذا السؤال على الشيخ المفيد (أعلى الله مقامه)، أجاب عنه بوجهين، جاء في جوابه الثاني: (فأمَّا ما وعدهم تعالى من النصر في الآخرة فإنَّه بالانتقام لهم من الأعداء، وحلول عقابه بِمَن خالفهم من الخصماء، وحميد العاقبة لهم بحلول دار الثواب، وذميم عاقبة أعدائهم بصليّهم في العذاب الدائم والعقاب. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾، فأخبر عزَّ اسمه أنَّه لا ينفع أعداء الرسل والمؤمنين معاذيرهم في القيامة، وأنَّ لهم فيها اللعنة، وهي الطرد عن الخير والثواب والتبعيد لهم عن ذلك، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ يعني العاقبة، وهو خلودهم في العقاب. وهذا يبطل الشبهة في أنَّّ الحسين (عليه السلام) لم يتوجّه إليه الوعد بالنصر لأنَّه قُتل وقُتل معه بنوه وأهل بيته، وأُسر الباقون منهم، إذ النصر المعنيُّ ما ذكرناه... وهذه أسئلةٌ شديدة الضعف، وشبهاتٌ ظاهرة الوهن والاضمحلال، والله نسأل التوفيق في كلّ حال) [المسائل العكبريَّة ص72].
ختاماً هذا ما وفّقنا الله تعالى لتحريره في المقام، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّدٍ وآله الطاهرين.
اترك تعليق