فتنة النبي سليمان (ع)
السؤال: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ﴾؟ وما نوع الجسد المذكور؟ وما سبب فتنة سليمان به؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم – أخي السائل – أنَّ المقدار المستفاد من ظاهر الآية الكريمة: أنَّ جسداً – وهو الجسم الذي لا روح له – أُلقي على كرسيّ النبيّ سليمان (عليه السلام) على سبيل الاختبار والابتلاء له؛ إذ الفتنة هي الاختبار والامتحان، ويفيد قوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ أنَّه كان له (عليه السلام) فيه رجاء أو أمنية في اللَّه، فأماته اللَّه سبحانه، وألقاه على كرسيّه، فنبّهه أن يفوّض الأمر إلى اللَّه ويسلّم له.
جاء في رسالة الإمام الهاديّ (عليه السلام): «فأمّا شواهد القرآن على الاختبار والبلوى بالاستطاعة... وقال في الفتن التي معناها الاختبار: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ...﴾ الآية» [تحف العقول ص474].
قال العلّامة الطبرسيّ: (قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي: اختبرناه وابتليناه وشدّدنا المحنة عليه، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾ أي: وطرحنا عليه جسداً، والجسد الذي لا روح فيه، ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ سليمان) [مجمع البيان ج8 ص359].
وقال العلامة الطباطبائيّ: (ولقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ إشعارٌ أو دلالة على أنَّه كان له (عليه السلام) فيه رجاء أو أمنية في اللَّه، فأماته اللَّه سبحانه، وألقاه على كرسيّه، فنبّهه أن يفوّض الأمر إلى اللَّه ويسلّم له) [تفسير الميزان ج17 ص204].
وقال العلامة المصطفويّ: (الجسد: جسم إذا لوحظ مجرّداً عن الروح. وإلقاء الجسد على كرسيّه في مقابل سلطانه ونفوذ أمره وتسخيره الجنّ والإنس: أمر فوق حكومته وإعلام بكون نفوذه محكوماً في مقابل حكم اللَّه تعالى وأمره، لئلّا يتوجّه إلى الحكومة الظاهريّة المحدودة الموقّتة. وأمّا خصوصيّة هذا الجسد فلا فائدة في البحث عنها بعد اختلاف الأقوال فيه وفقدان سند مستند في المورد) [التحقيق في كلمات القرآن ج5 ص200].
إذا عرفت هذا، فنقول:
إنَّ لأهل التحقيق من المفسّرين وجوهاً في كيفيّة افتتان النبيّ سليمان (عليه السلام) والمراد من «الجسد» في الآية الكريمة، كما أنَّ لأهل الحشو في هذا الباب أقوالاً سخيفة على وجوه، ويقع استعراضها في طائفتين:
الطائفة الأولى: الوجوه التي ذكرها واعتمدها أهل التحقيق:
وهذه الوجوه مختلفةٌ فيما بينها، نذكر بعضاً منها، والمقدار الذي يمكن أن يؤخذ من بينها إجمالاً – كما أفاد العلامة الطباطبائيّ –: أنَّ الجسد كان جسد صبيّ للنبيّ سليمان (عليه السلام)، وقد أُلقي على كرسيّه. ثم أفاد أنَّ في قوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ إشعار أو دلالة على أنَّه كان له (عليه السلام) فيه رجاء أو أمنية في اللَّه، فأماته اللَّه سبحانه، وألقاه على كرسيّه، فنبّهه أن يفوّض الأمر إلى اللَّه ويسلّم له [ينظر: تفسير الميزان ج17 ص204].
على كلّ حالٍ، الوجوه المذكورة عديدة، نذكر منها:
الوجه الأوّل: أنَّه لمّا وُلد للنبيّ سليمان (عليه السلام) ابن، قالت الجنّ والشياطين لبعضهم البعض: إنْ عاش له ولد، لنلقينَّ منه ما لقينا من أبيه من البلاء، فأشفق (عليه السلام) منهم عليه، فاسترضعه في المزن – أي السحاب –، فلم يشعر إلّا وقد وُضع على كرسيّه ميتاً؛ تنبيهاً على أنَّ الحذر لا ينفع عن القدر، وإنَّما عوتب على خوفه من الشياطين. [ينظر: تنزيه الأنبياء ص138، تفسير التبيان ج8 ص562، عصمة الأنبياء ص86].
ذكر العلامة الطبرسيّ أنَّ هذا المعنى مرويٌّ عن الإمام الصادق (عليه السلام) [ينظر: مجمع البيان ج8 ص360].
الوجه الثاني: أنَّ النبيّ سليمان (عليه السلام) قال يوماً في مجلسه – وفيه جمع كثير –: «لأطوفنّ الليلة على مائة امرأة، تلد كلّ امرأة منهنّ غلاماً يضرب بالسيف في سبيل اللَّه»، وكان له في ما يُروى عددٌ كثيرٌ من السراري، فلم يحمل من نسائه إلّا امرأة واحدة ولداً ميتاً، فحمل حتّى وضع على كرسيّه جسداً بلا روح.
وقد اختُلف في تتمّة هذا الوجه:
فعند بعض أصحابنا: أنَّه (عليه السلام) أخرج الكلام على سبيل المحبّة لهذا الحال، فنزّهه اللَّه عمّا ظاهره الحرص على الدنيا؛ لئلّا يُقتدى به في ذلك، فلم يولد له إلّا ولد ميت، تنبيهاً له على أنَّه ما كان يجب أن يظهر منه ما ظهر، فاستغفر اللَّه وفزع إلى الصلاة والدعاء على وجه الانقطاع، لا على أنَّ ذلك كان ذنباً [ينظر: تنزيه الأنبياء ص137، تفسير التبيان ج8 ص562].
وعند المخالفين: روى أبو هريرة عن النبيّ (صلى الله عليه [وآله] وسلم): أنَّه (عليه السلام) «لم يقل: إنْ شاء اللَّه.. فلو قال: إنْ شاء اللَّه، لجاهدوا في سبيل اللَّه فرساناً» [صحيح البخاريّ ج3 ص1038، صحيح مسلم ج5 ص88].
وعليه، فإنَّ سليمان (عليه السلام) لمّا لم ينطق بـ «إنْ شاء اللَّه» في كلامه عوتب على ذلك من حيث أنَّه ترك ما هو مندوب إليه، وإلّا فلو لم يعتقد ذلك لكان كلامه كذباً أو لا يُؤمَن أن يكون كذباً، وذلك لا يجوز في حقّ الأنبياء (عليهم السلام) [ينظر: تنزيه الأنبياء ص137، تفسير التبيان ج8 ص562، مجمع البيان ج8 ص360].
الوجه الثالث: أنَّه كان لسليمان (عليه السلام) ولد شابّ ذكيّ، وكان يحبّه حباً شديداً، فأماته اللَّه تعالى على بساطه فجأة بلا مرض؛ اختباراً من اللَّه تعالى لسليمان (عليه السلام) وابتلاءً لصبره في إماتة ولده، وألقى جسده على كرسيّه. وقيل: إنَّ اللَّه جلّ ثناؤه أماته في حجره وهو على كرسيّه، فوضعه من حجره عليه [ينظر: تنزيه الأنبياء ص138، تفسير التبيان ج8 ص562].
الطائفة الثانية: الوجوه التي ذكرها أهل الحشو:
وهذه الوجوه معروفةٌ مشهورةٌ عند العامة، وفيها تفصيلاتٌ كثيرةٌ، تعرّض لها ابن الجوزيّ مفصّلاً في [زاد الميسر ج6 ص336]، نقتصر في المقام على ذكر بعضها مع اختصار، فمَن شاء التفصيل يمكنه مراجعة التفاسير:
الوجه الأوّل: أنَّه ألقى شيطان اسمه صخر على كرسيّه – وكان مارداً عظيماً لا يقوى عليه جميع الشياطين –، وكان نبيّ اللَّه سليمان لا يدخل الكنيف بخاتمه، فجاء صخر في صورة سليمان حتّى أخذ الخاتم من امرأة من نسائه، وأقام أربعين يوماً في ملكه، وسليمان هارب.
الوجه الثاني: أنَّ شيطاناً اسمه آصف، قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك بذلك، فلمّا أعطاه إيّاه نبذه في البحر، فذهب ملكه، وقعد الشيطان على كرسيّه، وكان سليمان يستطعم فلا يطعم، حتّى أعطته امرأة يوماً حوتاً، فشقّ بطنه فوجد خاتمه فيه، فردّ اللَّه عليه ملكه.
الوجه الثالث: أنَّه وُلد لسليمان (عليه السلام) ولدٌ وكان يحبّه، فنزل عليه ملك الموت ونظر إلى ابنه نظراً حديداً، ففهم منها سليمان أنَّه قد أُمر بقبض روحه، فطلب من الجنّ والشياطين حيلة لمنع الموت عنه، فأشار أحدهم أنَّه يضعه في السحاب والهواء، فرفعه ووضعه في السحاب، فجاء ملك الموت فقبض روحه في السحاب، فوقع جسده ميتاً على كرسيّ سليمان، فعلم أنَّه قد أخطأ.
أقول: وللمحققين من علماء الفريقين كلمات في بطلان هذه الوجوه، نذكر طرفاً منها:
فمن علماء الإماميّة:
قال السيّد المرتضى: (أمّا ما رواه الجهّال في القصص في هذا الباب فليس ممّا يذهب على عاقل بطلانه، وأنَّ مثله لا يجوز على الأنبياء (عليهم السلام)، وأنَّ النبوّة لا تكون في خاتم ولا يسلبها النبيّ (عليه السلام)، ولا ينزع عنه، وأنَّ اللَّه تعالى لا يمكّن الجنيّ من التمثيل بصورة النبيّ (عليه السلام)، ولا غير ذلك ممّا افتروا به على النبيّ (عليه السلام)) [تنزيه الأنبياء ص136].
وقال الشيخ الطوسيّ: (والذي قاله المفسّرون من أهل الحقّ ومَن نزّه الأنبياء عن القبائح ونزّه اللَّه تعالى عن مثل ذلك: هو أنَّه لا يجوز أن يمكّن اللَّه تعالى جنياً ليتمثّل في صورة نبيّ؛ لِما في ذلك من الاستبعاد، وأنَّ النبوّة لا تكون في الخاتم، وأنَّه تعالى لا يسلب النبيّ نبوّته، وليس في الآية شيء من ذلك) [تفسير التبيان ج8 ص562].
وقال العلامة الطبرسيّ: (فإنَّ جميع ذلك ممّا لا يعوّل عليه؛ لأنَّ النبوّة لا تكون في خاتم، ولا يجوز أن يسلبها اللَّه النبيّ، ولا أن يمكّن الشيطان من التمثّل بصورة النبيّ، والقعود على سريره، والحكم بين عباده) [مجمع البيان ج8 ص361].
وقال ابن شهر آشوب: (النبوّة لا تكون في خاتمٍ، ولا يسلبها الجنيّ من النبيّ، وإنَّ اللَّه تعالى لا يمكّن الجنيّ من التمثّل بصورة النبيّ) [متشابه القرآن ج1 ص251].
قال ابن العتائقيّ: (النبوّة لا تكون في خاتم وغيره، ووصيّ نبيّ لا يكون أعلم منه، فليتأمل؛ فإن هذا الكلام لا يقوله من عرف الأنبياء وقدرهم عند اللَّه، وإنَّما يقوله المجسّمة من أهل الظاهر والحشوية، وإنَّ الإماميّة تنزّه اللَّه ورسوله وأئمّته من جميع القبائح مثلهم، فلا تنسب إليهم هذه الهذيانات، فإنَّ هذه الأقوال الباطلة من أقوال الحشوية) [مختصر تفسير القميّ ص446].
ومن علماء العامة:
قال القاضي عياض: (ولا يصحّ ما نقله الأخباريّون من تشبّه الشيطان به، وتسلّطه على ملكه، وتصرّفه في أمّته بالجور في حكمه؛ لأنَّ الشياطين لا يسلّطون على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله) [الشفا ج2 ص167].
وقال الفخر الرازيّ: (فأمّا الذي يذكره الأكثرون من القصّاص من حديث الخاتم وآصف، فتلك الحكاية باطلة، لم يدلّ على صحّتها شيء، فلا يجوز الالتفات إليها) [عصمة الأنبياء ص86].
وقال ابن الجوزيّ: (هذا حديثٌ موضوعٌ، ولا يجوز أنْ ينسب إلى سليمان – وهو نبيّ كريم – أنَّه يفرّ من الموت، ولا أنَّه يقرّ على أنَّ كونه بين السماء والأرض يدفع الموت) [الموضوعات ج3 ص218].
وقال ابن كثير: (ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من المفسّرين ها هنا آثاراً كثيرة عن جماعة من السلف، وأكثرها أو كلّها متلقاةٌ من الإسرائيليّات، وفي كثيرٍ منها نكارةٌ شديدةٌ) [قصص الأنبياء ج2 ص301].
اترك تعليق