هل طلب الإمام الحسين (ع) الماء لولده الرضيع؟

السؤال: يدَّعي البعض بأنَّ ما ينقله الخطباء من حكاية عطش عبد الله الرضيع (عليه السلام)، وكذلك طلب الماء له من قبل أبيه (عليه السلام) من المنقولات الكاذبة التي وردت في المصادر غير المعتبرة، فما هو تعليقكم على ذلك؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

في البدء، لا بأس من التنبيه إلى أنَّ الحكم على روايةٍ أو حادثةٍ بالوضع أو الكذب لا يصحُّ إلَّا بالاستناد إلى دليلٍ معتبر، كما أنَّ إثبات صحَّة الوقائع والحقائق لا يكون إلَّا بدليلٍ أيضاً؛ وعليه، فلا يكفي في الحكم على خبرٍ بالوضع والكذب لمجرَّد عدم الاقتناع الشخصي به، أو استبعاده وفقاً للميول والقناعات الخاصَّة، إذْ لو كان ذلك كافياً لما استقرَّ حجرٌ على حجر، ولما ثبتت قضية علميَّة، لاختلاف القناعات بين الناس.

ومن هنا، فإنَّ المنهج العلمي يقتضي التحقُّق من أحوال تلك الجهات الناقلة لهذه الشبهات، والنظر في دوافعها وخلفيَّاتها، إذْ قد يكون موقفها من القبول أو الرد ناشئاً عن اختلافٍ مذهبي، أو عصبيَّةٍ ممقوتة، أو موقفٍ مسبقٍ من أهل الحق، أو غير ذلك من المؤثِّرات التي قد تنعكس على تكوين القناعات، ومن ثمَّ لا يصحُّ جعل تلك القناعات وحدها دليلاً لإثبات الوقائع أو نفيها. وهذه قضية عامَّة وسيَّالة في كلِّ الشبهات والتشكيكات التي يُثيرها أمثال هذا البعض المشار إليه في السؤال.

إذا بان هذا التمهيد، فنقول: إنَّ الملاحَظ في هذا السؤال أنَّه يشتمل على شقَّين، الأوَّل منهما حول عطش عبد الله الرضيع، والآخر حول طلب الماء له، ولبيان هذا بشكلٍ مفصَّل نعقد الكلام في مقامين:

المقام الأوَّل: عطش عبد الله الرضيع (عليه السلام):

إنَّ أصل منع الماء عن معسكر الإمام الحسين (عليه السلام) من قِبل الحكم الأموي من قطعيَّات التاريخ التي لا خلاف فيها، كما أنَّ منع الماء عنهم كان قبل ثلاثة أيام من يوم عاشوراء، ممَّا يعني أنَّ المعسكر الحسينيّ كان ممنوعاً من الماء منذ اليوم السابع من شهر المحرَّم وحتَّى اليوم العاشر منه، كما هو واضح. وقد نصَّ على ذلك أرباب المقاتل والتواريخ المعتبرة في البحث العلمي، نذكر جملةً منها:

1ـ روى ابن قتيبة الدينوريّ، وفيه: «ورد كتاب ابن زياد على عمر بن سعد، أنْ امنع الحسين وأصحابه الماء، فلا يذوقوا منه حسوة، كما فعلوا بالتقي عثمان بن عفَّان. فلما ورد على عمر بن سعد ذلك أمر عمرو بن الحجاج أنْ يسير في خمسمائة راكب، فينيخ على الشريعة، ويحولوا بين الحسين وأصحابه، وبين الماء، وذلك قبل مقتله بثلاثة أيام، فمكث أصحاب الحسين عطاشى» [الأخبار الطوال ص٢٥٥].

2ـ وروى أبو جعفر الطبريّ بسنده عن حُميد بن مُسلم الأزديّ قال: «جاء من عُبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد: أما بعد، فحُلْ بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة... إلى قوله: وحالوا بين حسين وأصحابه وبين الماء أنْ يسقوا منه قطرة، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث» [تاريخ الطبري ج5 ص412].

3ـ وروى الشيخ المفيد، وفيه: «ورد كتاب ابن زياد في الأثر إلى عمر بن سعد، أنْ حُلْ بين الحسين وأصحابه وبين الماء فلا يذوقوا منه قطرة... فبعث عمر بن سعد في الوقت عمرو بن الحجاج في خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء أنْ يستقوا منه قطرة، وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيام» [الإرشاد ج2 ص٨٦].

إلى غيرها من المصادر الكثيرة.

وبناءً على هذا، فمن الطبيعي جدّاً أنْ يكون الإمام الحسين (عليه السلام) وكلُّ من كان معه عطاشى، ولا سيَّما إذا لاحظنا أنَّ المعركة وقعت في العراق، وفي فصل الصيف. ولذلك، فمن البديهي جدّاً أنْ يكون الطفل الرضيع عطشاناً ويحتاج إلى الماء، وإنْ لم نجد نصَّاً صريحاً يصرِّح بعطشه على وجه الخصوص. على أنَّك ستعرف في المقام الثاني وجود النصِّ الخاص الدال على عطشه بالخصوص.

المقام الثاني: في طلب الماء له (عليه السلام):

إنَّ مقتل عبد الله الرضيع في يوم كربلاء من الثوابت التاريخيَّة التي نصَّ عليها المؤرِّخون، كما يظهر بوضوح من مراجعة كتب المقاتل والتواريخ. وأمَّا ما يتعلَّق بطلب الماء له من الأعداء، ثمَّ رميه بالسهم وذبحه وهو على يدي أبيه (عليه السلام)، فقد ورد في عددٍ من المصادر المهمَّة والمعتبرة. نذكر جملة منها:

1ـ قال السيد النسَّابة علي بن محمَّد العمريّ (ت٤٦٦هج) ما لفظه: «وولد الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام): علياً الأكبر، وجعفراً، وعلياً الأصغر، وعبد الله، وفاطمة، وسكينة... إلى قوله: وأمَّا جعفر فدرج. وعبد الله أخرجه أبوه يرقوا القوم به وأنه عطشان، فرماه رجلٌ بسهم فذبحه وهو على يد أبيه، أخذ الله بحقِّه» [المجدي ص٢٨١].

2ـ وقال سبط ابن الجوزي (ت654هج) ما لفظه: «فالتفت الحسين، فإذا بطفلٍ له يبكي عطشاً فأخذه على يده وقال: يا قوم، إنْ لم ترحموني فارحموا هذا الطفل، فرماه رجلٌ منهم بسهم فذبحه، فجعل الحسين يبكي ويقول: اللهم اُحكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا، فنودي من الهوى: دعه يا حسين، فإنَّ له مرضعاً في الجنة» [تذكرة الخواص ص٢٢٧].

ويؤيِّد هذا: ما ورد في جملة من المصادر المتأخِّرة، نكتفي بذكر بعض منها رغبة في الاختصار وخشية التطويل.

1ـ قال المولى حسين الكاشفي، وفيه: «وأقبل به على هذه الحالة إلى معسكر العدو، ووضعه على يديه وصاح بهم: يا قوم، إنْ زعمتم أني مذنبٌ، فما ذنب هذا الطفل الرضيع، فاسقوه شربةً من الماء، فقد جفَّ اللبن من ثدي أمَّه. فردَّ عليه أولئك الأجلاف: كلَّا، لنْ تذوق أنت ولا عيالك ولا أطفالك قطرةً من الماء إلَّا بأمر عُبيد الله بن زياد، ورماه خبيثٌ من الأزد يُدعى حرملة بن كاهل بسهم» [روضة الشهداء ص663].

2ـ وقال الشيخ محمَّد مهدي الحائري، وفيه: «قال أبو مخنف - بعد ذكر شهادة علي الأكبر -: ثمَّ أقبل الحسين (عليه السلام) إلى أم كلثوم، وقال لها: يا أختاه، أوصيك بولدي الصغير خيراً، فإنَّه طفل صغير، وله من العمر ستة أشهر، فقالت له: يا أخي، إنَّ هذا الطفل له ثلاثة أيام ما شرب الماء، فاطلب له شربة من الماء، فأخذ الطفل وتوجَّه نحو القوم، وقال: يا قوم، قد قتلتم أخي وأولادي وأنصاري، وما بقي غير هذا الطفل، وهو يتلظَّى عطشاً، من غير ذنب أتاه، إليكم فاسقوه شربة من الماء. وفي (نفس المهموم) قال: يا قوم، إنْ لم ترحموني فارحموا هذا الطفل. وفي (الناسخ) قال: يا قوم، لقد جفَّ اللبن في ثدي أمِّه، فبينما هو يخاطبهم إذْ أتاه سهمٌ مشؤوم من ظالم غشوم، وهو حرملة بن كاهل الأسديّ، فذبح الطفل من الوريد إلى الوريد، ومن الأُذن إلى الأُذن، فجعل الحسين (عليه السلام) يتلقَّى الدم حتَّى امتلأت كفُّه، ورمى به إلى السماء» [معالي البسيطين ج1 ص419].

3ـ وقال السيد عبد الرزاق المقرَّم، وفيه: «ودعا بولده الرضيع يودعه، فأتته زينب بابنه عبد الله، وأمّه الرباب فأجلسه في حجره يقبله ويقول: بُعْداً لهؤلاء القوم إذا كان جدُّك المصطفى خصمهم، ثمَّ أتى به نحو القوم يطلب له الماء، فرماه حرملة بن كاهل الأسديّ بسهم فذبحه، فتلقَّى الحسين الدم بكفِّه ورمى به نحو السماء... إلى قوله: وسمع (عليه السلام) قائلاً يقول: دعه يا حسين، فإنَّ له مرضعاً في الجنَّة» [مقتل الحسين ص٢٨٥].

إلى غيرها من المصادر.

والنتيجة النهائيَّة من جميع ذلك: أنَّ الوارد في المصادر المهمَّة والمعتبرة هو ثبوت عطش الطفل الرضيع، وأنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) قد طلب له الماء، فرماه القوم بسهمٍ فاستُشهد عطشاناً، كما تبيَّن ذلك مفصَّلاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.